ترجمة: أحمد شافعي
تفتقر المقارنات التاريخية دائما إلى الدقة؛ فما من صراع قط يكون نسخة دقيقة من آخر، غير أن في استرضاء ترامب لفلاديمير بوتين ما يزيد على رائحة كريهة من محاولة نيفيل تشامبرلين الفاشلة في ميونخ سنة 1938 لاجتناب الحرب مع ألمانيا النازية. وإنصافا لرئيس وزراء المملكة المتحدة الأسبق ـ الذي لم ينصفه التاريخ إلى حد كبير ـ فإن جهوده في صنع السلام كانت تحظى بدعم حماسي من أغلب الناس في بريطانيا وفرنسا ممن كانوا مثله حريصين أشد الحرص على اجتناب تكرار أهوال الحرب العالمية الأولى. ولا يحظى ترامب بمثل هذا التأييد الشعبي لخيانته. ولا هو يواجه احتمال نشوب حرب بين الولايات المتحدة وروسيا؛ فخيانته لأوكرانيا قائمة على مصلحة شخصية محضة، وتنطوي على خطورة عالمية، وجديرة بالازدراء الخالص.
لقد بلغت الآن المحادثات الأمريكية الروسية للاتفاق على الشروط المجحفة لبيع أمريكا غير المسبوق لأوكرانيا مراحل متقدمة بعد لقاءات سان بطرسبرج خلال هذا الأسبوع. هذا وإن ترامب متذبذب بشأن الحرب منذ رجوعه إلى السلطة. والآن، وقد أفزعه تراجع شعبيته تراجعا غير مسبوق في أرقام استطلاعات الرأي، فإنه يبدو عاقدا العزم على التضحية بأوكرانيا وإرغامها على استسلام فعلي. فالخطوات الأخيرة ـ من قبيل قراره الصاعق بتمويل آلة بوتين الحربية عبر شراء الديزل الروسي، وتراجعه عن العقوبات الصارمة، وتعطيلاته الغامضة القاتلة لإمداد الولايات المتحدة لكييف بمعلومات الأقمار الصناعية والمعلومات الاستخباراتية، ومحاولته المتجددة للإطاحة بالرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكي، جميعها تجعل من ترامب يهوذا المتخفي وبروتس في عصرنا الحديث.
بل إنه يجعل تشامبرلين يبدو وكأنه رجل راسخ الالتزام بالمبادئ. فلا يكاد ينقص ترامب من شيء إلا مظلة؛ إذ يظهر نيفيل تشامبرلين في الصور حاملا مظلة مطوية ـ المترجم -.
لماذا يتصرف ترامب على هذا النحو؟ الأمر جزئيا شخصي؛ فهو لا يحب زيلينسكي، والسبب واضح؛ فالرئيس الأوكراني يمثل كل ما ليس ترامب: فهو شجاع ذو مبادئ لا غبار عليه أخلاقيا جاد في العمل، ومحنك سياسيا. والأمر من ناحية أخرى يتعلق بالمال والسلطة؛ فقد توجه ترامب بكامل قلبه المتعطش إلى تطبيع العلاقات مع نظام بوتين بما يفتح الباب أمام صفقات مربحة في مجال الطاقة والمواد الخام والسيطرة على المنطقة القطبية الشمالية والفضاء الخارجي. وتروق له فكرة العالم إذ يخضع لثلاث كتل قوية وثلاثة حكام: أحدهم هو نفسه والآخران هما بوتين وشي جينبنج الصيني. ويرجع الأمر من ناحية ثالثة إلى سيطرة آثمة لا تفسير لها من بوتين على فتى المجتمعات الراقية الغابر، ومقاول العقارات في نيويورك، والمتمرس في الإفلاس.
مهما تكن دوافع ترامب فإن العواقب قريبة الأجل، قد تكون مهلكة لمسعى أوكرانيا للتصدي للغزاة الروس والنجاة بسيادة دولتهم الديمقراطية.
ففي أغلب العام الحالي تحقق أوكرانيا الانتصارات، أو الصمود في أقل تقدير في الأراضي المتنازع عليها بدونباس وبطول ساحل البحر الأسود. والأهم من ذلك أنها استطاعت باستعمال صواريخ ومسيرات مصنعة محليا أن تنقل الصراع إلى المراكز الصناعية ومصافي النفط في روسيا مقوضة بذلك إلى حد كبير قدرة بوتين على تمويل هذه الحرب.
كما أن زيلينسكي يحقق الانتصارات في معركة الرأي العام الدولي، وبخاصة في أوروبا التي تتعرض هي نفسها لهجمة هجينية روسية متصاعدة. وفي غمار تراجع ترامب الصارخ تتولى بلاد أوروبية الريادة في دعم كييف عسكريا وماليا ودبلوماسيا.
من الصعب أن نهرب من السؤال عن وجود رابط بين اندفاع ترامب الفجائي الجدلي الحاسم نحو الدعم السافر لبوتين وبين معاناة روسيا من خسائر ميدانية لا يمكن التعايش معها وأضرار اقتصادية بالغة. ومهما تكن حقيقة الأمر فإن إنقاذ ترامب لبوتين ـ أي ما يوصف خداعا بمحاولة إنقاذ روسيا ـ قد يقلب الأمور رأسا على عقب.
والعالم هو الذي سوف يدفع الثمن على المدى البعيد ـ وليس أوكرانيا فقط؛ فهذه المحاولة المدبرة لإرغام كييف على الخضوع خطر على الجميع. وإذا ما سمح لأوكرانيا بالسقوط فإنها سوف تصبح هاجسا يستولي على أوروبا والمحيط الجيوسياسي الأوسع لعقود، كما كان الحال مع تشيكوسلوفاكيا بعد عام 1938. فاتفاق ترامب ـ الشبيه باتفاق مولوتوف-ريبنتروب ـ قد يعرض التحالف الغربي لخطر عظيم ويؤدي إلى نهاية الناتو بوصفه الدفاع الفعال في مواجهة الشمولية الشرقية.
فمن من الحكومات الديمقراطية في أوروبا الغربية ـ سواء في الإليزيه أم في المستشاريتين الألمانية والبولندية أم في بروكسل وداوننج ستريت ـ يمكن أن يثق الآن في كلمة تصدر عن واشنطن؟
تأتي خطوة ترامب هذه متبعة أسلوب خيانات أقل شأنا من قبيل حروب الرسوم الجمركية التعسفية ضد شركاء تجاريين، وإهانة حلفاء مخلصين، وتهديدات لكندا وجرينلاند، والتخلي عن حل الدولتين في فلسطين، وأحدثها جميعا حربه الكارثية في إيران، وهي السبب الحقيقي في نفور الناخبين الأمريكيين منه ومن الجمهوريين التابعين له في انتخابات التجديد النصفي بعد تضخم أسعار الوقود. لكن حماقته الروسية قد تكون الأشد خطرا والأفدح عواقب. ومثلما حذر جهاز المخابرات البريطاني [MI5]، فإن بريطانيا وأوروبا تتعرضان لهجمات يومية من روسيا، وشبكاتها التجسسية، ومحاربيها السيبرانيين وعملائها المأجورين.
وتشير تقارير هذا الأسبوع إلى أن روسيا تهدد الأقمار الصناعية الغربية أيضا، ولا تتطلعوا إلى مساعدة من ترامب؛ فهو مع الجانب الآخر.
تمثل لحظة ترامب الميونخية هذه كارثة وشيكة على أمن أوروبا ودفاعها؛ فمن شأن انتصار لبوتين ـ بقبول وتيسير من الولايات المتحدة ـ أن يلحق ضررا كارثيا باحترام القانون الدولي وسيادة الحدود. وسيبقى ما لا حصر له من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بلا تحقيق أو عقاب في أوكرانيا وقد تقسمت وتشرذمت.
وقد تسارع الصين وغيرها إلى اتباع السابقة المستقرة بنجاح العدوان الروسي. ولهذه الأسباب جميعا لم يعد بوسع بريطانيا وحلفائها الأوروبيين أن يكتفوا بالمشاهدة؛ فالخطب الغاضبة في الأمم المتحدة، والهمسات السرية، والتوبيخات الكلامية المحسوبة بدقة لن تكفي إن كانت يوما قد كفت شيئا. لا بد لآندي بيرنهام والفرنسي إيمانويل ماكرون والألماني فريدريتش ميرتز والكندي مارك كارني أن يتقدموا لمواجهة ترامب مباشرة، حتى لو جاء ذلك على حساب قطيعة مع واشنطن.
اطلبوا من ترامب علنا أن يكف. اتخذوا خطوات ملموسة لمعاقبته على مكافأة بوتين، وأثبتوا أن بلاد العالم الديمقراطية لن تهان أو تباع. أخبروه أنه إذا شاء أن يبقى في التاريخ بوصفه الرئيس الأمريكي الذي حطم التحالف الغربي وضمن انتصار الاستبدادية، فليكن ذلك على مسئوليته المنفردة. وليست المملكة المتحدة والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ومعها اليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من البلاد التي تفكر بالطريقة نفسها بلادا قليلة الحيلة اقتصاديا وعسكريا ومن جوانب أخرى عديدة. وبرغم ما تشير إليه استطلاعات الرأي، فإن أغلبيات كبيرة من مواطني هذه الدول ترفض أكاذيب اليمين المتطرف الكريهة والأساطير الشعبوية السقيمة التي يتغذى عليها ترامب وأشباهه البائسون.
إن قيادة الولايات المتحدة للغرب هي في نهاية المطاف قيادة بالتراضي، لا بحق أصيل، والتراضي قد ينتهي. وبوسع بيرنهام أن يبدأ في إصدار الأوامر بإغلاق القواعد العسكرية الأمريكية في بريطانيا، تلك الرموز المهينة التي تجسد قوة احتلال عدائية. ومهما يكن الثمن فلا يمكن القبول بخيانة ترامب.
سيمون تيسدال، معلق الشؤون الخارجية في صحيفة الجارديان