يزعم البعض بأنهم يستطيعون معرفة ما يدور في خلد الآخرين، ويعرفون كيف يتعاملون معهم، ويضعونهم في المكان الصحيح الذي يليق بهم، كلٌّ حسب "القيمة والقرب".
هذا الادعاء سرعان ما يتبدل ويتبخر بمجرد أن يخيب حدسهم، ثم يعودون لحديثهم بأن لكل قاعدة شواذ، والحقيقة أنه ليس بإمكان الجميع إتقان فن التعامل مع المواقف؛ فلكل موقف خصوصيته، ولكل شخص مواصفاته التي تتغير حسب المصالح والمآرب.
ليست الفراسة فيمن يدعي قدرته على قراءة الوجوه أو تفسير تقاسيم الكفوف أو تخمين الأحداث، لكن النظرة الثاقبة هي التي تُكتسب من معترك الحياة، بمعنى أنها تمنح الإنسان القدرة على قراءة الحاضر والتنبؤ بالمستقبل وبما سيحدث لاحقًا دون الاستهانة بالآخرين، لذلك لا غرابة أن غيّرت بعض السفن السائرة دفة سيرها نحو طرقات جديدة غير متوقعة، فهذا الانحراف في الاتجاه ليس معناه أنها ذاهبة إلى أعماق الجحيم، فقد تكون وجهتها الجديدة بمثابة تجاوز لخطر داهم، وكان يمكن أن يصيبها بمكروه، وهنا لا أقصد "السفينة".
هناك مقولة جميلة لمصطفى صادق الرافعي يقول فيها: "في كل إنسان تعرفه، إنسان لا تعرفه"، ولذا لا تقل: فلان أعرفه أكثر من نفسي، فالنفوس مدن وعوالم كالبحار، بعض قيعانها لم تشرق عليها الشمس يومًا.
في خضم الحياة، فقدنا أشخاصًا كثرًا، وتعاملنا مع أشخاص جدد، وهناك جملة استوقفتني كثيرًا تقول: "الناس من حولك يقولون إنك لا تعرف قيمة ما تملك إلا حين فقدانه، والحقيقة أنك تعرف قيمة ما تملك، ولكنك تعتقد أنك لن تفقده أبدًا".
لذلك البعض لا يهتم بمشاعر الآخرين معتقدًا بأنه يستطيع أن يعود إليهم متى أراد ذلك، ومتى عزم على تركهم، لكنه لم يعرف بأن فقدان الناس عملية معقدة يمكن أن تنتهي بتراكم الغبار على الوجوه.
بعض البشر نفقدهم لأننا عرفنا حقيقتهم، وليتنا لم نعرف!.. ويصدق من قال: "الأحبة الحقيقيون لا تلدهم لك القرابة ولا الصدفة ولا الأيام، بل تلدهم لك المواقف".
الحكماء صنفوا أربعة مواقف أو أكثر يمكن أن تعرف فيها حقيقة البشر من حولك: "السفر، الخصومة، الأمانة، وقت الشدة"، غير ذلك لا يمكن أن تجزم بحقيقة الآخرين تجاهك!
المواقف تكشف لك الحقيقة كما هي بلا "تنميق وتزييف"، ويمكنها أيضًا أن تبين لك الأشياء بشكل واضح دون رتوش أو غبار، فموقف واحد قد يغنيك عن الحديث بآلاف الكلمات، فالصادقون هم أصحاب المواقف الذين يتبنون القيم الإنسانية في أفعالهم بصدق وإخلاص.. لقد كثر في هذا الزمن من يحترفون الأقوال الرنانة والكلام المعسول والتعهد بالوفاء والحب، ولكن حين يأتي وقت الشدة تفضحهم مواقفهم الجبانة.
في الأثر هناك حادثة تظهر ذلك، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرجل: ما تقول في فلان؟ قال: لا بأس به يا أمير المؤمنين. قال: هل صحبته في سفر قط؟ قال: لا. قال: هل جرت بينك وبينه خصومة قط؟ قال: لا. قال: هل ائتمنته على درهم أو دينار قط؟ قال: لا. قال: لا علمَ لك بالرجل، إنما رأيتَ رجلًا يضع رأسه في المسجد ويرفعه.
يقول الكاتب أمير أمكاح: "أوجع الطعنات هي التي تأتيك ممن أعلنوا حبهم وإخلاصهم وأمانتهم وعدلهم بالكلام، وخانوا كل ذلك بالأفعال، وبذلك سقطت عنهم القيم الإنسانية التي كانوا يتبجحون بها، واختفى نبلهم وتجلى شرهم الذي لا يمكنه المرور من مرآة المواقف دون أن يُرى بوضوح".
في الحياة الواقعية، أكثر الذين وقعوا ضحايا للنفاق والخداع كانوا يحسنون الظن بالآخرين، لذلك علينا أن نجعل المواقف هي "الفيصل والحكم" في كشف حقيقة التمثيليات التي يكون تأليفها وإخراجها متقنًا يصعب اكتشافه بسهولة من الوهلة الأولى، لكن "المفرح" أن حبال الغش تنقطع، والتزييف سرعان ما يذوب في فرن الاختبار الصعب، فكما قلنا بأن المواقف هي المحك الحقيقي الذي يرفع ويخفض آخرين، كما أنها فاضحة تكشف لك معدن الإنسان وما في باطنه رغمًا عن أنفه، لتكون الصورة النهائية حاضرة أمام عينيك.