في الفضاء الافتراضي، تكثر بضائع الوهم، أرفف متعددة، وأنواع مختلفة، وأسواق مفتوحة تعرض للحالمين فرصًا ذهبية، وشهادات لم توجد إلا لمن يحلم بأن يكون شيئًا مختلفًا في هذا العالم بدون جهد أو عناء.
أكاديميات ومؤسسات وجهات لا مكان لها من الإعراب أو وجود على أرض الواقع، تنتشر عبر الفضاء الإلكتروني من خلال إعلانات مضللة، تقدم خدماتها بأسعار زهيدة وأخرى مرتفعة!
هذا ليس ادعاءً أو مجرد تصور لسيناريو خيالي، وإنما هو حقيقة ملموسة ومشهد يتكرر كل يوم عبر المنصات التفاعلية، نعم إنه عبث يجره عبث آخر، احتفال وهمي يقام هنا، وآخر يحتفي بشخصيات أكثر بقليل من كونها «وجوهًا محتالة أو أقنعة مخادعة» تصعد نحو منصة التكريم، تحلم وفي يديها شهادات مزورة، وألقاب تفصّل على حسب رغبة الزبائن الحالمين بمكانة اجتماعية أو فرصة للجلوس مع النوابغ والمشتغلين على أنفسهم من أجل تكوين الذات بدون عناء أو حقيقة!
هم مجموعة من الضحايا إن أردنا تسميتهم بلطف، فعندما يتحول شغفهم في الحصول على شهادة علمية أو مسمى يلفت الأنظار إلى «فخ محكم الإغلاق»، أو تصبح أهدافهم مجرد سراب يختفي كلما اقتربوا منه.
لا ننكر أبدًا بأن صناعة الوهم مهنة تحتاج إلى مهارة وقدرات متقدمة من الخداع، فالوهم وإن كان خيالًا فهو أخطر مسكن للألم، ولذا يقال بأنه يمنح صاحبه راحة مؤقتة ونشوة مزيفة حتى وإن خفتت أضواؤها مع الوقت، لكنه في النهاية يسرق أثمن ما يملكه الإنسان في حياته وهما: «الوقت والجهد».
إذا كنا نريد أن نصنف حق «الحلم والأمل والرجاء والطموح»، فإنه يجب علينا أن نبتعد آلاف الأمتار عن مثل هؤلاء البشر المخادعين.
فالصفات التي قلناها تحتاج منا إلى «العمل»، فالحلم -كما نرى- يتحول مع الوقت إلى دافع للتغيير والتطوير من الذات، فهو الذي يولد لدينا الدافع الحقيقي نحو المواجهة وقبول التحدي رغم الصعاب.
في الوقت ذاته، نحن لا ننكر أبدًا بأن بيع الأحلام الوردية والأوهام السهلة يمكن أن يجعلنا صيدًا سهلًا بين يدي مروجي الأوهام والشعارات البراقة التي تعدنا بالثراء المعرفي، أو النجاح دون جهد أو عناء، أو منحنا ألقابًا براقة كسفراء لمؤسسات وهيئات ليست حقيقية!
ما بين الحدث الخادع والنتيجة المأمول الحصول عليها، تُكتب ملحمة قصصية سينمائية أو تلفزيونية أطرافها «المؤلف والمنتج والمخرج وحتى الجمهور»، فعندما تُغسل عقول الأبرياء بماء الوهم، يحدث ضجيج لا يُحتمل، وتصادم عنيف بين «الأمنيات الزائفة والواقع المخيف»، وتحدث خيبات أمل، وتتساقط أوراق الرجاء في أجواء الحياة، وتصاب القدرة الإنسانية بالشلل التام نتيجة اصطدامها المباشر بالواقع الذي يأتي بعد حين، لذلك لا تعجب بأن ترى أمامك أشخاصًا حالمين يغرقون في دوامة من «التيه والخيبة»، وإنما اعلم بأن من أوصلهم إلى تلك المرحلة أشخاص تجردوا من كل معاني الإنسانية وقيمها التي تتبرأ من تلك الأفعال المشينة.
جميل أن نعي بأن الحلم الحقيقي من أجل الوصول إلى الهدف يبني المستقبل خطوة بخطوة، لكن الوهم الخادع يحرق الحاضر بانتظار معجزة لن تأتي من الهواء.
الذين يتهافتون على المواقع الإلكترونية ويتواصلون مع الأشخاص أو الكيانات الوهمية، ويشاركون في حفلات وتكريمات صُنعت من أجلهم، دون أي اعتراف أو مصداقية، يفتحون أعينهم متأخرين بعد أن استطاع مجموعة من «اللصوص» تقريب الصور وإلصاقها بالواقع، خاصة عندما يكون الشخص الحالم بشيء لا يستطيع الوصول إليه بمحدودية قدراته، فيبقى متعلقًا بقشة الوهم، ينتظر «اللحظة المثالية» أو «ضربة الحظ السحرية» التي لن تأتي أبدًا، ويركن إلى دفع الأموال الطائرة إلى جيوب «المخادعين»، بدلًا من السعي نحو الوعي الحقيقي أو العمل الواقعي الذي يمكن أن يوجد له منفذًا للحصول على ما يريد، ولكن بجهده وعمله.