بالنظر إلى القدرات الحالية للذكاء الاصطناعي، هل يهمّ من الذي يجري البحث العلمي؟ قد تكون الإجابة البديهية أن الحقيقة العلمية تظل حقيقة بصرف النظر عمّن يتوصل إليها. غير أن المعرفة لا تُنشر بهذه الطريقة أبدًا.

فنحن نتلقى معظم الادعاءات العلمية دون أن تكون لدينا أي وسيلة للتحقق منها بأنفسنا، ولذلك نميل إلى الحكم على مصداقية من يقف وراء الادعاء، لا على الادعاء نفسه. وكما يبيّن ستيفن شابين، فإن إنتاج الحقيقة العلمية ظلّ، منذ زمن طويل، مرتبطًا ارتباطًا لا ينفصم بالجهد الاجتماعي المبذول لإقناع الأقران بها.

وقد أشارت أبحاثي الخاصة حول الحراك العلمي، التي أجريتها قبل ربع قرن، إلى النتيجة نفسها، وإن كان ذلك من زاوية مختلفة. فالسمعة في المجال العلمي لا تستند إلى الأفكار وحدها، وإنما تتركز في عدد محدود من المراكز المؤسسية الكبرى، من أقسام أكاديمية ومختبرات بحثية، تضفي مكانتها العلمية ثقلًا ومصداقية على كل ما يصدر عنها.

والعالِم الذي يغادر مركزًا علميًا مرموقًا يحمل معه جزءًا من مصداقية ذلك المركز، ويستطيع، في ظروف مواتية، أن يحوّل المؤسسة التي ينتقل إليها إلى مركز جذب علمي قائم بذاته.

لطالما احتاجت المصداقية إلى جهة تحملها، وقد تغيرت هوية هذه الجهة بمرور الزمن، وغالبًا ما كان هذا التحول يواجه مقاومة شرسة. فعندما انتقلت سلطة تفسير النظام الطبيعي إلى مجال مفتوح أمام البحث والاستقصاء البشري، كانت المقاومة عنيفة. وعندما أفسح العالِم الفرد المجال للمؤسسات المعتمدة، وتحكيم الأقران، وأنظمة تقييم البحوث، اعترض بعض النقاد على أن العلم أصبح مفرطًا في البيروقراطية، وفاقدًا لطابعه الإنساني. والآن، مع اقتراب انتقال صفة المؤلف من البشر إلى الآلات، بات الاعتراض يُصاغ بمفاهيم تتعلق بنسبة العمل إلى صاحبه، والأصالة، والجدارة.

وفي جميع هذه الحالات، تغيّرت طبيعة ما يُطلب منا أن نضع ثقتنا فيه. أما الآن، فقد أخذ النظام الذي يحكم البحث العلمي، بدءًا من تمويل الأبحاث الموجّهة لتحقيق أهداف محددة، وصولًا إلى تقييم أثرها، يحوّل اهتمامه تدريجيًا من التساؤل عمّا إذا كانت النتائج مفهومة إلى التساؤل عمّا إذا كانت تُحقق الغرض منها. وتنسجم الاكتشافات التي تولّدها الآلات مع منظومة بحثية باتت بالفعل تُعلي قيمة المخرجات على حساب الفهم.

والمفارقة أن الجهود التي بُذلت على مدى عقدين لجعل البيانات مفتوحة، وقابلة للبحث، والقراءة الآلية، كان يُفترض أن تُسهّل التعاون بين الباحثين من البشر؛ غير أنها أوجدت أيضًا البنية الأساسية نفسها التي تقوم عليها الأبحاث المستقلة التي تجريها الآلات اليوم.

فقد دُرّب نظام «ألفافولد» (AlphaFold)، الذي نال بفضله ديميس هاسابيس وجون جامبر نصيبًا من جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2024، على بيانات «بنك بيانات البروتينات»، التي تمثل حصيلة العمل المتراكم لمجتمع كامل من علماء الأحياء البنيوية.

ولم تعد الأنظمة القادرة على توليد فرضياتها الخاصة واختبارها، ثم كتابة النتائج، مجرد تجربة فكرية. ففي العام الماضي، اجتازت ورقة بحثية كتبها بالكامل نظام «زوتشي» (Zochi)، وهو نظام ذكاء اصطناعي طوّرته شركة «إنتولوجي» الأمريكية الناشئة، عملية تحكيم الأقران ضمن المسار الرئيسي للمؤتمر السنوي لجمعية اللغويات الحاسوبية، الذي يُعدّ أحد أبرز المؤتمرات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.

كذلك تولّى نظام «روبن» (Robin)، الذي طوّرته مؤسسة «فيوتشر هاوس» غير الربحية في سان فرانسيسكو، صياغة الفرضيات وتصميم التجارب وتحليل النتائج، ما أفضى إلى تحديد دواء سبق أن حصل على الموافقة للاستخدام، بوصفه علاجًا محتملًا لأحد الأسباب الرئيسية للعمى. وقد نُشرت نتائج هذا البحث لاحقًا في مجلة «نيتشر» العلمية.

لنفترض أن نظامًا من هذا النوع توصّل إلى لقاح جديد، أو عامل حفاز، أو تركيبة كيميائية جديدة للبطاريات، دون أن يكون هناك مؤلف بشري يمكن تحديد هويته. فمن غير المرجح أن يهتم الجمهور بمن أنجز هذا الاكتشاف، تمامًا كما أن المرضى لا يسألون عن هوية الفني الذي أجرى تحليل دمائهم. وما سيهتمون به هو معرفة من يمكن تحميله المسؤولية إذا حدث خطأ ما.

فالمؤلف المعروف بالاسم يمكن مساءلته، وتصحيح أخطائه، وإلزامه بسحب ادعاء علمي، أو التشكيك في مصداقيته؛ أما النموذج الآلي فلا يمكن إخضاعه لأي من ذلك. ولم تكن نسبة التأليف إلى البشر يومًا ضمانة لموثوقية النتائج، كما تشهد على ذلك حالات الإخفاق في إعادة إنتاج النتائج العلمية، وسحب الأوراق البحثية المنشورة. غير أن التأليف البشري كان يتيح لنا دائمًا وجود شخص يمكن تحميله المسؤولية عن النتائج.

وقد رفضت المجلات العلمية الرائدة، باستثناءات قليلة، إدراج أنظمة الذكاء الاصطناعي بوصفها مؤلفين للأبحاث، على أساس أن صفة المؤلف تستلزم نسبة العمل إلى صاحبه وتحمل المسؤولية عنه. لكن هذا الموقف لا يفعل سوى الإبقاء على الترتيبات القديمة، دون أن يقدم حلًا للمشكلة الجديدة.

وقد كشف استطلاع حديث أن ما يقرب من نصف العلماء (47%) يستخدمون الذكاء الاصطناعي يوميًا، فيما يستخدمه 31% آخرون أسبوعيًا. وكلما ازدادت قدرات هذه الأنظمة، اتسع نطاق استخدامها.

ولأن معظم الناس لن يكونوا قادرين على التمييز بين العلم الجيد والعلم الرديء، فإن دور العالِم البشري سيتحول على نحو متزايد إلى التحقق من صحة النتائج، ليصبح مصدر الثقة الذي تتطلبه المعرفة المشتركة.

غير أن عملية التحقق من صحة النتائج تواجه بالفعل صعوبة في مواكبة هذا التطور. فما يقرب من نصف العلماء الذين أفادوا بأن استخدام الذكاء الاصطناعي يوفر عليهم الوقت، ينفقون لاحقًا أكثر من ربع ذلك الوقت في التحقق من مخرجاته، فيما تتزايد لديهم الفرضيات التي تنتظر الاختبار.

وفضلًا عن ذلك، بدأت عملية تحكيم الأقران نفسها تخضع للأتمتة، إذ يشير تحليل للأوراق المقدمة إلى المؤتمر الدولي لتعلّم التمثيلات لهذا العام إلى أن نحو تقرير تحكيم واحد من كل خمسة تقارير أُنتج بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي.

وتثير هذه النتائج شكوكًا حول ما إذا كان البشر سيظلون قادرين على الاضطلاع بدور الضامن لموثوقية العلم الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي وحده. ولكن من الذي سيصبح، إذن، الطرف الجدير بالثقة؟ أحد الاحتمالات هو أن ترتبط الثقة بالجهة التي طُوّرت فيها التكنولوجيا، بحيث تصبح شركات الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدمًا هي المرجع الفعلي في تحديد ما يُعدّ علمًا موثوقًا، على نحو يشبه الدور الذي كانت تؤديه شركات الأدوية قبل ظهور هيئات تنظيمية مستقلة تتولى التحقق من صحة ادعاءاتها.

غير أن هناك احتمالًا آخر، يتمثل في أن تُقدم المؤسسات التي أمضت أجيالًا في بناء مصداقيتها، من جامعات وأكاديميات ومختبرات وطنية ومجلات علمية محكّمة، على تطوير وكلاء ذكاء اصطناعي متخصصين في البحث العلمي، أو اعتماد مثل هؤلاء الوكلاء، بحيث تستمر الثقة في الانتقال عبر قنوات يملك الجمهور بالفعل أسبابًا وجيهة للاعتقاد بأنها خاضعة للمساءلة.

فقد اكتسبت النتائج التي توصل إليها نظام «روبن» مكانتها العلمية، لا من الإعلان الذي أصدرته مؤسسة «فيوتشر هاوس» نفسها، وإنما من خضوعها لتحكيم الأقران في مجلة «نيتشر».

ومع ذلك، سيتعين على هذه المؤسسات أن تثبت جدارتها بهذا الدور، وأن تفعل ذلك سريعًا. فالمجلات الأكاديمية تواجه بالفعل صعوبات في التعامل مع مصانع الأوراق البحثية، والأبحاث التي تولّدها الآلات، ونظام تحكيم الأقران الذي بات يعاني من أعباء تفوق طاقته.

وقد أصبحت المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة لا تقبل أكثر من ستة طلبات للحصول على تمويل بحثي سنويًا من أي باحث رئيسي، كما أنها لن تعتبر الطلبات التي جرى إعدادها إلى حد كبير باستخدام الذكاء الاصطناعي أفكارًا أصيلة مقدمة من أصحاب تلك الطلبات.

وسيتحدد مآل هذا التحول وفقًا للطرف الذي يبادر أولًا إلى بناء البنية الأساسية للمساءلة، بما يشمل سجلات محصّنة ضد التلاعب، توثّق كل مجموعة بيانات، وكل إصدار من النماذج، وكل خطوة استدلالية تقف وراء كل نتيجة علمية؛ وأنظمة مستقلة تتولى إعادة إنتاج النتائج دون الرجوع إلى النظام الذي أنتجها؛ وفي نهاية هذه السلسلة، جهة ضامنة معروفة بالاسم، سواء كانت شخصًا أو مؤسسة، تتحمل المسؤولية إذا ثبت إخفاق النتائج.

وقد رسمت المحاكم بالفعل حدودًا واضحة لهذه المسألة في مجالات أخرى. فقد قضت المحكمة العليا البريطانية بأنه لا يجوز تسجيل اسم مخترع في براءة اختراع إلا إذا كان شخصًا طبيعيًا، كما قضت محكمة استئناف أمريكية بأن حقوق التأليف والنشر تشترط وجود مؤلف بشري.

ومن شأن مثل هذا النظام أن يكون أقرب بكثير إلى الطريقة التي نعتمد بها صلاحية الطائرات أو نوافق بها على الأدوية، منه إلى الطريقة التي تمنح بها الجامعات أساتذتها التثبيت الأكاديمي.

لقد كان على كل جيل أن يحدد الجهة التي تحمل مصداقية العلم وتكون جديرة بالثقة فيه، وها هو جيلنا مطالب الآن بإعادة النظر في هذا السؤال من جديد.