نظمت كلية العلوم الشرعية بمسقط محاضرة «المرأة في الإسلام» للدكتور خالد بن محمد العبدلي، أستاذ العقيدة بالكلية، أوضح فيها أن القرآن الكريم منح المرأة مكانة رفيعة، وأبرز دورها في بناء الإنسان وصناعة الأجيال، وجعلها نموذجًا للاقتداء في الإيمان والثبات على المبدأ والحكمة وحسن التدبير، مشيرًا إلى أن الخطاب القرآني قدّم نماذج نسائية تتجاوز دلالاتها حدود المرأة إلى الإنسان عمومًا، بما تحمله من قيم أخلاقية وتربوية وإيمانية.
وبيّن العبدلي أن استعادة المكانة الحقيقية للمرأة تبدأ من الرجوع إلى القرآن الكريم وفهم ما قرره من حقوقها وواجباتها، وما عرضه من نماذج نسائية في سياقات متعددة، مؤكدًا أن السنة النبوية جاءت مؤيدة لما قرره القرآن من تكريم المرأة ورعاية حقوقها، وأن النظر إلى التشريعات الإسلامية ينبغي أن يكون في إطارها المتكامل، بعيدًا عن الاجتزاء أو الاستناد إلى تصورات مسبقة عن مكانة المرأة في الإسلام.
وأكد أن الحديث عن المرأة في القرآن الكريم لا يقتصر على بيان حقوقها في الأسرة أو المجتمع، وإنما يتصل كذلك بالقيم التي ينبغي أن تتحلى بها، والنماذج التي يمكن أن تستلهمها في حياتها، والمواقف التي تكشف عن قدرتها على الثبات أمام التحديات، والتصرف بحكمة في الظروف الصعبة، والإسهام في توجيه المجتمع وصناعة مستقبله.
وتوقف العبدلي عند ما وصفه بالدلالات التي تحملها النماذج النسائية في القرآن الكريم، مشيرًا إلى أن الكتاب العزيز عرض المرأة في سياقات تكشف عن أثر موقفها واختيارها في حياتها وحياة من حولها، واستشهد في هذا السياق بما ورد عن زوج آدم عليه السلام، وبما جاء في سورة المسد عن امرأة أبي لهب، مبيّنًا أن هذه النماذج تتيح التأمل في أثر السلوك والموقف في منزلة الإنسان، وفي العلاقة بين المسؤولية الأخلاقية والاختيار الشخصي.
وأوضح أن القرآن الكريم لا يجعل مجرد الانتساب إلى أسرة أو الارتباط بإنسان صالح ضمانًا للاستقامة، كما لا يجعل البيئة التي يعيش فيها الإنسان عذرًا حتميًا لانحرافه، وإنما يلفت النظر إلى مسؤولية الفرد عن موقفه وعمله، وفي المقابل يبرز نماذج نسائية ارتقت بإيمانها وثباتها وحسن تصرفها إلى مقام القدوة، بحيث يستفيد من سيرتها الرجال والنساء على السواء.
وأشار إلى أن التأمل في هذه النماذج يغيّر النظرة التي تحصر الاقتداء في الرجال، إذ إن القرآن الكريم قدّم نساء صالحات بوصفهن أمثلة للمؤمنين عمومًا، واستشهد بقول الله تعالى: «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ»، وما أعقبه من ذكر مريم عليها السلام في الآية التالية، بما يؤكد أن العبرة بما تحمله الشخصية من إيمان وصدق وثبات، لا بجنسها وحده.
ورأى المحاضر أن هذا المعنى يستدعي إعادة النظر في طرائق تقديم القدوات للأجيال الجديدة، بحيث تتسع دائرة النماذج الملهمة لتشمل النساء اللاتي قدّمن مواقف راسخة في الإيمان والاستقامة والتضحية، وأن تُستثمر هذه النماذج في التربية وغرس القيم، بدلًا من الاقتصار على عرض سير الرجال بوصفها المصادر الأساسية للاقتداء.
وجعل العبدلي من زوجة فرعون نموذجًا بارزًا للمرأة التي استطاعت أن تحافظ على إيمانها رغم البيئة التي عاشت فيها، مستحضرًا ما أحاط بها من مظاهر السلطة والترف، وما كان يمكن أن تمثله تلك البيئة من ضغوط وإغراءات. وأشار إلى أنها لم تجعل قربها من صاحب السلطان سببًا للتنازل عن مبدئها، ولم تستسلم لما يحيط بها من مظاهر القوة الدنيوية، وإنما اختارت الثبات على الإيمان.
وبيّن أن أهمية هذا النموذج تتجلى في قدرته على مخاطبة الإنسان في مختلف العصور، فالظروف تتغير، وتتنوع أشكال الفتن والشبهات والشهوات، لكن مسؤولية الإنسان عن موقفه تبقى قائمة.
ومن هذا المنطلق، رأى أن قصة زوجة فرعون تقدم درسًا في التحرر من الظلم، ومقاومة الانجراف وراء الإغراء، والتمسك بالقيم حتى عندما تكون البيئة المحيطة مخالفة لها.
ولفت إلى أن المرأة قد تجد نفسها في محيط لا يعينها على الاستقامة، أو تواجه ظروفًا اجتماعية تجعل التمسك بالمبدأ أكثر صعوبة، غير أن النموذج القرآني يبيّن أن البيئة لا تسلب الإنسان قدرته على الاختيار، وأن الثبات على الحق لا يرتبط دائمًا بمدى ملاءمة الظروف أو سهولتها.
وأكد أن هذا المعنى لا يخص المرأة وحدها، وإنما يشمل الرجال والنساء، فذكر آسية في سياق ضرب المثل للذين آمنوا يفتح المجال أمام الجميع للاقتداء بموقفها. كما يكشف أن المكانة الحقيقية للإنسان تُبنى بما يحمله من إيمان وما يتخذه من مواقف، لا بما يملكه من سلطة أو مال أو جاه.
وانتقل المحاضر إلى الحديث عن دلالة الطهارة والاصطفاء في النماذج النسائية التي عرضها القرآن الكريم، مستشهدًا بقصة مريم عليها السلام، وما ورد في شأنها من قوله تعالى: «وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ».
وأوضح أن الاصطفاء يحمل معنى المنزلة التي يهيئ الله بها الإنسان للقيام بمسؤولياته، وأن الطهارة التي تناولها في المحاضرة تتصل بالعفاف وصفاء النفس والقلب وسمو الروح، إلى جانب ما يرتبط بالنظافة وحسن الهيئة.
وأشار إلى أن استحضار هذا المعنى في الحديث عن المرأة يبرز قيمة الاستقامة الداخلية، ويجعل العناية بالأخلاق والإيمان جزءًا أصيلًا من فهم المكانة التي منحها الله لها.
وأضاف أن صور الاصطفاء والمسؤولية تختلف من إنسان إلى آخر، فقد تكون المرأة أمًا تنهض بتربية أبنائها، أو زوجة تسهم في استقرار أسرتها، أو ابنة بارة بوالديها، أو أختًا وفية، ولكل صورة من هذه الصور ما تستلزمه من واجبات ومواقف. ولا تتحدد قيمة الدور الذي تؤديه المرأة بمظهره الخارجي وحده، وإنما بما يتحقق من خلاله من رعاية وإصلاح وحفظ للقيم.
وتوقف عند مسؤولية الأم التي تجد نفسها مضطرة إلى تحمل أعباء مضاعفة داخل الأسرة، سواء بسبب غياب الأب أو انفصال الوالدين أو تقصير أحدهما في واجباته، وأشار إلى أن بعض الأمهات يضطلعن بمسؤوليات كبيرة في رعاية الأبناء وتوفير الاستقرار النفسي والتربوي لهم، ويعملن على تعويض ما يفتقدونه من رعاية، وهو ما يكشف عن أهمية الدور الذي تؤديه الأم في حياة أبنائها.
وأكد أن الحديث عن هذا الدور لا يعني إغفال مسؤولية الأب، وإنما يسلط الضوء على ما تبذله المرأة من جهد في ظروف قد تكون شاقة، وعلى ما تحتاج إليه من تقدير ومساندة، بالنظر إلى ما تتحمله من مسؤوليات في التنشئة والتربية وبناء شخصية الأبناء.
وفي محور آخر، تناول العبدلي نموذج ملكة سبأ كما ورد في سورة النمل، مشيرًا إلى أن القصة القرآنية أبرزت رجاحة عقلها وحسن إدارتها للأمور، وقدرتها على التعامل مع موقف سياسي بالغ الحساسية. واستشهد بما جاء في حوارها مع قومها، حين عرضت عليهم رسالة سليمان عليه السلام، واستشارتهم قبل اتخاذ القرار، بدلًا من الانفراد برأيها.
وبيّن أن قولها: «قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ»، يكشف عن اعتمادها مبدأ الشورى، وإدراكها أهمية الاستماع إلى الآراء قبل حسم القضايا المصيرية. كما أن تأمل موقفها يبرز الفرق بين القيادة التي تتعامل مع الأزمات بالتروي والتفكير، وتلك التي تتخذ قراراتها بدافع الاندفاع أو الاستبداد بالرأي.
وأوضح أن الحكمة لا تقتصر على امتلاك المعرفة، وإنما تظهر في حسن تقدير المواقف، واختيار القرار المناسب، والنظر في عواقب الأمور. وقد تجلت هذه المعاني في قصة ملكة سبأ من خلال تعاملها مع الرسالة التي وصلتها، ومحاولتها فهم الموقف قبل الإقدام على خطوة قد تترتب عليها نتائج كبيرة بالنسبة إلى قومها وبلادها.
وأشار إلى أن المجتمع يحتاج إلى استحضار هذه الدلالات في مختلف مجالات الحياة، وأن المرأة قادرة على الإسهام في اتخاذ القرارات الرشيدة متى أتيحت لها فرص المشاركة والتفكير والتعبير عن الرأي. كما أن الشورى قيمة ينبغي أن تحضر داخل الأسرة، وفي المؤسسات، وفي إدارة الشؤون العامة، لأنها تساعد على توسيع دائرة النظر وتقليل احتمالات الخطأ الناجم عن الانفراد بالقرار.
وأضاف أن تقديم ملكة سبأ بوصفها نموذجًا للحكمة في القرآن الكريم يتيح للأجيال أن تتعلم من المواقف النسائية التي كشفت عن حسن التدبير، وأن تدرك أن الكفاءة في القيادة والتصرف لا تُقاس بالجنس، وإنما بما يظهره الإنسان من حكمة وقدرة على تحمل المسؤولية.
وتطرق العبدلي إلى ما تضمنته قصة موسى عليه السلام من أدوار قامت بها أمه وأخته، معتبرًا أن القصة تكشف عن أهمية المبادرة وحسن التدبير في مواجهة الظروف الصعبة.
وأشار إلى أن القرآن الكريم عرض مواقفهما في سياق الأحداث التي أحاطت بموسى عليه السلام، وما استلزمته من تصرفات دقيقة ساعدت على نجاته واستمرار مسار حياته.
وبيّن أن الأم والأخت كان لهما دور في التعامل مع الأزمة، وأن القصة تقدم مثالًا على ما يمكن أن تحققه المرأة من خلال التفكير وحسن تقدير الظروف والقدرة على التصرف في اللحظة المناسبة. وتُظهر هذه الدلالة، وفق طرحه، أهمية الدور الذي تؤديه المرأة في حماية الأبناء ومساندة الأسرة، وفي اتخاذ المبادرات التي تسهم في تجاوز المحن.
وربط المحاضر هذه المعاني بمسؤولية الأسرة في رعاية الأبناء، داعيًا إلى الالتفات إلى الأدوار التي تؤديها الأم والأخت في التنشئة والتوجيه، وعدم التعامل مع هذه الأدوار بوصفها مسؤوليات هامشية أو أعمالًا لا تستحق التقدير. فالتنشئة تبدأ داخل الأسرة، وما تبذله الأم من جهد في رعاية أبنائها وتوجيههم ينعكس على تكوينهم النفسي والأخلاقي والاجتماعي.
كما أشار إلى التفاوت الذي قد يظهر في تعامل بعض الأبناء مع أفراد الأسرة، فقد يحرص أحدهم على إكرام أمه وأخته، ثم يتعامل بقدر أقل من الاهتمام مع زوجته أو ابنته، مع أن لكل واحدة منهن حقوقًا ومسؤوليات تستوجب حسن المعاملة.
ودعا إلى أن تكون القيم التي يتعلمها الإنسان من القرآن الكريم حاضرة في علاقاته الأسرية كلها، بحيث يمتد الاحترام والرعاية إلى مختلف أفراد الأسرة.
وتناول المحاضر نموذج المرأتين اللتين وجدهما موسى عليه السلام تذودان عند ماء مدين، مستحضرًا ما ورد في سورة القصص من وصف حالهما، ثم إرسال إحداهما إليه لتبلغه دعوة أبيها.
وأشار إلى أن القصة تقدم معاني تتصل بالحياء والأدب وحسن التصرف، إلى جانب ما تكشف عنه من أهمية اختيار الزوج الذي تتوافر فيه صفات القوة والأمانة.
واستشهد بقول الله تعالى: «إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا»، وما ورد في الآية التالية من قول إحدى المرأتين عن موسى عليه السلام: «يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ».
وأوضح أن وصف القوة لا ينبغي أن يُفهم في حدود القدرة الجسدية وحدها، وإنما يشمل القدرة على تحمل المسؤولية وحسن التصرف والإدارة، فيما تتصل الأمانة باستقامة السلوك والصدق في التعامل وأداء الحقوق.
وبذلك، فإن اختيار الزوج ينبغي أن يراعي ما يتصف به من أخلاق وقدرة على تحمل المسؤولية، وألّا ينحصر في الاعتبارات المادية أو المظاهر الخارجية.
وأكد أن القصة تقدم كذلك نموذجًا في التعامل المنضبط مع الآخرين، وفي المحافظة على الأدب والحياء، مع القدرة على التعبير عن الرأي وإبداء المشورة حين تدعو الحاجة.
فالحياء، وفق ما طرحه المحاضر، لا يتعارض مع رجاحة العقل أو حسن الاختيار، وإنما يجتمع معهما في بناء شخصية متوازنة تدرك واجباتها وتتصرف بما ينسجم مع قيمها.
وأضاف أن استحضار هذا النموذج في واقع الأسرة يساعد على ترسيخ معايير أكثر اتزانًا في الاختيار، ويؤكد أهمية النظر إلى الدين والأمانة وتحمل المسؤولية عند بناء العلاقة الزوجية، بما يعزز فرص الاستقرار الأسري ويحد من اختزال الزواج في المال أو المكانة الاجتماعية.
وفي مقابل النماذج التي قدمها القرآن الكريم للمرأة المؤمنة والحكيمة، أشار العبدلي إلى نماذج أخرى جاءت في سياق التحذير من الانحراف، ومنها امرأة نوح وامرأة لوط، اللتان ضرب الله بهما مثلًا للذين كفروا في قوله تعالى: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ».
وأوضح أن وجود المرأة في بيت صالح، أو ارتباطها بإنسان ذي مكانة دينية، لا يغني عن مسؤوليتها الشخصية تجاه إيمانها وعملها، فالقرب من الصالحين لا يتحول تلقائيًا إلى استقامة، ما لم يصاحبه قبول للهداية والتزام بمقتضياتها.
ورأى أن هذا المعنى يحمل دلالة تربوية مهمة، إذ يدعو إلى عدم التعويل على البيئة وحدها في بناء شخصية الإنسان، مع الاعتراف بأثرها في التربية والتوجيه.
فلكل فرد مسؤوليته عن اختياراته، ولا يكفي أن يعيش في محيط صالح إذا لم يستفد من قيمه، كما أن وجود الإنسان في بيئة صعبة لا يعني استحالة التمسك بالمبدأ، وهو ما تكشف عنه المقارنة بين النماذج القرآنية المختلفة.
وأضاف أن عرض هذه الأمثلة المتنوعة يمنح الحديث عن المرأة توازنًا قائمًا على النظر إلى الإنسان من خلال أفعاله ومواقفه، بعيدًا عن إصدار أحكام عامة على النساء أو الرجال. فالقرآن الكريم يقدم نماذج متعددة، منها ما يدعو إلى الاقتداء، ومنها ما يحمل التحذير، وفي كل منها عبرة تتصل بالمسؤولية الفردية وأثر العمل في مصير الإنسان.