أسقف متعفنة، حيطان مثقوبة، مراحيض مكسرة، صفوف خانقة في الصيف، ساقعة في الشتاء، طلبة يبحثون عن كراسي للجلوس عليها قبيل الحصص، ومقاصف لا تستوعب حاجة آلاف الطلبة اللذين يقصدونها للغداء في الفسح.

تُشير التقارير الصحفية إلى أن اليوم الدراسي للطالب الفرنسي الذي يبدأ مبكرا في الثامنة صباحا، قد يطول حتى السادسة مساء، ويضطرهم لتحمل فجوات الانتظار بسبب سوء التخطيط والنقص الحاد في الكوادر التعليمية.

لكن شكوى فتيات وفتية فرنسا تتجاوز الاعتراض على تدهور أوضاع المرافق، واكتظاظ الصفوف، وأنظمة القبول غير العادلة في الجامعات.

لا تقنعهم حجج الحكومة حول شح الموازنة والدين وأثر الأزمات العالمية؛ إنهم يسائلون أولويات النظام الذي يضخ المزيد والمزيد في قطاع التسليح والدفاع، على حساب الخدمات العامة.

النظام الذي يغض الطرف عن تدهور القطاعات الأساسية، وغلاء المعيشة، وأزمة الإسكان. النظام الذي يتقشف على نحو يُهدد حقوق مواطنيه وكرامتهم الإنسانية، ويقوي مؤسسات العنف والحرب.

في ألمانيا، منذ بداية العام، ومع طرح قانون التجنيد الجديد، ينزل الطلبة الألمان بدورهم إلى الشوارع محتجين. تسعى ألمانيا لأن يصل تعداد جيشها - الذي لا يتجاوز 200 ألف في 2025 - إلى قرابة نصف مليون بالإضافة لـ 200 ألف من قوات الاحتياط خلال العقد القادم.

وبالرغم من أن التجنيد ليس إجباريا في هذه المرحلة؛ إذ تدّعي الحكومة بأنها لا تسعى لأكثر من حصر المؤهلين للخدمة وفتح باب الخدمة الطوعية لمن شاء، إلا أن التسجيل العسكري والخضوع للفحص الطبي إلزامي لجميع الذكور اللذين تبلغ أعمارهم 18 سنة.

يرفض الشباب أن يسيروا في إجراءات التسجيل والفحص، فهم يعون أنهم سيصبحون ملزمين بالخدمة العسكرية إذا لم ينجح الجيش في بلوغ عديده عبر التجنيد الطوعي، أو إذا ما وقعت الدولة تحت تهديد تعتبره مسوغا لإجبارهم على الخدمة.

بعد الغزو الروسي لأوكرانيا - الذي مثل أول حرب في القارة منذ نهاية الحرب العالمية - أعلنت ألمانيا عن طموحها لأن تصبح القوة الأولى في أوروبا، حيث تعمل مع الدول الأوروبية على خطة شنجن عسكري ترسم فيه خريطة التنقل العسكري والممرات الاستراتيجية للتعبئة وحماية الإمدادات. وتتكهن الحكومة بأن مواجهة مباشرة مع روسيا ستنشب قبل نهاية هذا العقد.

تُبرر ألمانيا خوفها من توسع الحرب - خارج الحدود الأوكرانية - بالهجمات السيبرانية، الاختراقات الأمنية عبر الدرونز، التجسس، القتل المأجور الذي تتهم ألمانيا روسيا بتدبيرها على الأراضي الألمانية.

لا يعترض فتية ألمانيا على الخدمة العسكرية فحسب، بل على المنطق الذي يُحرك الحكومة ويُحفز هذه السياسات؛ إذ لا يشتري المرء سكينا إلا إذا كانت لديه نية أن يقطع بها، واستعدادها للحرب يعني نيتها لخوضها. وكأقرانهم الفرنسيين يُسائلون نزعة العنف لدى ساستهم.

في إسبانيا، عاشت ماريكارمن أباسكال البالغة من العمر 87 عاما معظم حياتها في شقة صغيرة بمدريد. إجبارها على الإخلاء القسري أشعل موجة مظاهرات ضد سياسات الإسكان بالبلاد التي لم ترحم عمر وذكريات هذه المرأة التي تعيش آخر أيام حياتها (حرفيا).

هذه المرأة التي عاشت منذ عمر السابعة عشرة بالمكان، توفيت هذا الشهر خارج البيت الذي عاشت فيه لأكثر من 70 عاما.

أسفرت الاحتجاجات عن انتخابات مبكرة في البلاد.

وتوسعت عدوى الانتفاض لتشمل البرتغال وإيطاليا وبلجيكا، التي يعاني مواطنوها أيضا من أزمة الإسكان، ارتفاع أسعار الطاقة، وغلاء المعيشة.

يحلو للإعلام الأوروبي هذه الأيام استخدام مصطلح اليسار المتطرف لأن المتظاهرين في كثير من الساحات لم ينظروا إلى أزماتهم باعتبارها تحديات منفصلة، بل كجزء من قهر متصل للنظام العالمي المفلس أخلاقيا والمحابي للأثرياء وتجار الحروب، ويرون أن مواجهته لا تستقيم إلا بنضال أممي يُسخر قوة الأغلبية المقهورة.

والسلطات الأوروبية - التي تحفظ لمواطنيها حقهم في التظاهر والتعبير - تفقد أعصابها أمام الكوفيّات. إنها تقبل بالاحتجاجات ما دامت تجري في حدود التنفيس، وما دامت تجري كأداء مسرحي متكئ على الزخم الإعلامي، يعول على حسن نوايا الساسة في أن يستجيبوا بالقدر الذي يمتص غضب المحتجين.

لكن ما إن تكشف الاحتجاجات - كما يجدر بها - عن القوة الكامنة لنصف مليون إنسان مقهور، تنتفض السلطة، زاجة بآلاف الصبايا والصبية في معتقلاتها، مسخرة آلتها الإعلامية للحط من شرعية المطالب، وتضخيم حوادث النهب والتخريب، وتتخذها ذريعة للتدخل العنيف، والنيل من المحتجين، وفرض حضر التجوال.

لكن التباكي على تحطيم واجهات المحلات الفارهة وابتزاز الأكثرية بهفوات القلة لا معنى له في عين من شهد بتر أطراف الأطفال، وحرقهم أحياء، وسرقة أرض وحياة أجيال كاملة بتمكين ممن يتحكمون بمصيرهم.

وأي وزن لتصرف - نسميه تجاوزا متهورا - يأتي به مراهق أو جائع مقابل التصرف الغاشم لبدن سياسي كامل له من الإمكانيات المؤسسية والنفوذ ما لا يصح معه التماس عذر. يكشف جيل زد أنهم أعند من أن يُبتزوا، وأنهم يملكون البصيرة ليروا أن هذا متصل بذاك، وأن المطالبة بالعدالة تعني عدالة للجميع في كل مكان.