فهم عنده «قوم يزهدون في الدنيا ولا يحسنون تسويق أنفسهم». وعدّ هذه الخصلة من دلائل العروبة د. عبدالله الطيب، عالم اللغة الشهير. فاتفقا على أن مبدع بلاد السودان لا يرفع من ذكر نفسه تواضعًا وإنكارًا لحظ النفس. فكأن ذلك من أسباب طغيان اسم الطيب صالح على الرواية السودانية.
إذ كلما تلقفت المطابع رواية لكاتب سوداني تحفزت أقلام النقد لتصفه بأنه طيب جديد، أو امتداد للراحل الكبير. فكأن الرواية السودانية عند بعضهم هي ما كتب الطيب صالح، وما تلاه حواشٍ واستطرادات.
وهو رأي على حدته تبناه بعض نقاد سودانيين، معتبرين عقدة الطيب صالح حقيقة عند كُتّاب السودان. وتبدو مكابدة ذكر الطيب ومكانته في إجابة كل كاتب طوال الوقت عن سؤال علاقة ما يكتب بروايات الطيب وتأثره بها.
فإذا اجتمع على المرء إنكار حظ النفس والاضطرار دائمًا لشرح أثر الطيب عليه لم يرَ القارئ وسط هذا الغبار إلا تكرار ذكر نادرة الأدب السوداني «موسم الهجرة إلى الشمال» وأخواتها. فلا دخان بلا نار. وطالما كل الكتّاب متهمون بأنهم ظلال له فلا شك أنه الأروع. وهذا حكم قد لا يُختلف عليه. فمكانة الرجل قد لا ينكرها إلا منافس.
لكن جمهور المشتغلين بالأدب يقرون له بتفرد إبداعه وعظيم موهبته. وكان، رحمه الله، خصب الخيال حتى بدا أشبه بجواد بري لا يطيق قيدًا أو نظامًا. لذلك تبدو عملية الكتابة شاقة وكريهة لرجل يحاول صيد المعاني والصور المتولدة في خياله الواسع، ليحشوها داخل كلمات متفق عليها. تبدو عملية ترويض الأمازون في زجاجات تذكارية صغيرة أمرًا مرهقًا لشخص يرمح مع خياله في البراح.
لذلك كان الطيب، المحب لشعر المتنبي والمفتون به، يجد نفسه في الحديث والحكي مسترسلًا بلا قيود فنية. ولذلك جاء أدبه أصيلًا لا يشبه غيره. ولذلك أيضًا يصعب استنساخه حتى لمن رغب.
فكان ذلك مما جعل اتجاه الأدب السوداني في طريق مختلف خط معالمه أسماء مثل عيسى الحلو وإبراهيم إسحق وعلي المك وزينب بليل وحسن البكري وأمير تاج السر وبركة ساكن وبثينة خضر مكي، وغيرهم. فكتب كل اسم عن هموم مختلفة، من مدخل وبرؤية مختلفة.
فالفتح الذي أسهم به في الرواية العالمية بـ«موسم الهجرة» عن جدل علاقة الشمال والجنوب وسؤال الهوية، والتصوف الذي اختط منه واقعية سحرية باكرة في «عرس الزين» لا يقدر لاحق أو سابق أن ينافسه فيهما.
لكنهما ما كانا ليمنعا أسماء مثل جمال محجوب وطارق الطيب وليلى أبو العلا أن تطرق دروب علائق الشمال مع القادم من الجنوب. فالنبع لم يجف لعبقرية أول رواده. وما في الريادة من فخار لا يمنع جمال ابتداع قول جديد في أمر كثر رواده. فكأنما إبداع الطيب هو تحدٍّ إضافي للكاتب السوداني.
فليس عليه مجابهة العوائق الاقتصادية والسياسية فحسب، لكن عليه أيضًا أن يقول ما لم يقله الطيب صالح. وهو أمر يحبه بعض أهل الفن ويستلذونه مثلما فعل أبو العلاء المعري حين قيّد نفسه بمزيد من قيود القوافي في «لزوم ما لا يلزم».
فينشأ ناشئ الكتّاب في السودان ولديه تحدٍّ ألّا يكون الطيب صالح. لذلك يبدو كل خبر عن كاتب سوداني جديد هو رفع للظلم عن رفاقه من أهل البلاد التي استسهل كثيرون أن يختصروا أدبها في عبقري واحد. فيذهب الطيب الصالح بنصيب بلاده من الذكر.
وهم قوم لا يتنافسون على صيت ويزهدون في ذكر فضائل النفس. فيجهل من لا يعرفهم أن وراء الطيب ما وراءه. لكن كلما اعتلت رواية سودانية منصة اهتمام القارئ كان ذلك تأكيدًا للمؤكد المنسي: أن بلاد الطيب صالح ما زال طميها ورملها يتشكلان إبداعًا. وفي الأيام السابقات مشت الأخبار بإعلان الفائزين بجائزة كتارا للرواية العربية فكان «بينهم مهند الدابي»، كما أبرزت عدة مواقع صحفية.
وهو فوز مستحق لتجربة روائية مهمة بدأت تلفت الأنظار باكرًا في رواية «أطياف هنري ولكم» التي نبشت خلف تجارب طبية وحشية وتاريخ غير مشرف للصناعة الدوائية على حساب المواطنين المحليين في جبل موية بالسودان.