«غزة».. هذه البقعة الصغيرة من دولة فلسطين، هل تذكرونها؟.. منطقة جغرافية ذات تضاريس واضحة، وغير معقدة نظريًا، ولكنها كانت مقبرة لجنود الاحتلال في كثير من فترات تاريخه المشين، قاومت على مدى سنتين ببسالة لا نظير لها، ودفعت ثمنًا باهظًا لصمودها، آلاف الشهداء، والجرحى، ومئات المباني المهدمة، قطع عنها الإسرائيليون الماء، والطعام، والكهرباء، والعلاج، والخدمات، حتى أصبحت خارج الزمن، وخارج الخدمة، وتحتاج إلى عشرات السنين لعودة الحياة، وعشرات أخرى لتعيد ترميم جراحها، وأحزانها.

لعل المقاومة الفلسطينية في غزة راهنت على النخوة العربية، وأن إخوانهم العرب لن يخذلوهم، وسيهبّون لنجدتهم، وأن الشعوب العربية ستدافع عنهم حين يشتد وطيس الحرب؛ فالدم العربي واحد، والمصير واحد، والدين واحد، غير أن (خيال) الفلسطينيين كان بعيدًا، فلا حرب قامت، ولا مساعدات دخلت، ولا شعرة عربية تحركت، ولا عقال انتخى، ورغم ذلك ظلت غزة تعطي للعالم دروسًا مكتوبة بالدم في التضحية، والمقاومة، والوطنية، وبينما أفاقت ضمائر الكثير من شعوب ودول العالم، وفهموا اللعبة الصهيونية، وأكاذيب الإسرائيليين، وحكاياتهم الملفقة، ظل العالم الإسلامي والعربي غائبًا عن المشهد، وغير قادر على الفعل، بل ظهر كثير من العرب يشنون حملات إعلامية ممنهجة، ويحملون شعار (فلسطين ليست قضيتنا)، ويهاجمون المقاومة، ويصفونها بأبشع الصفات، ويؤلبون عليها، ويعتبرونها سببًا لمآسي الفلسطينيين!! فكم هو مؤلم هذا التخلّي، والخذلان الذي مارسه بعض العرب على إخوتهم الذين دفعوا دماءهم، وأرواح أبنائهم، وحياة أحبائهم كي يستعيدوا حريتهم، وبعض كرامة العروبة المهدورة، فإذا هم وجدوا أنفسهم وحيدين وسط المعركة.

واليوم.. بعد مرور أكثر من سنة من القتل الإسرائيلي الممنهج، والدمار الدموي، ما زال الفلسطينيون عالقين بين مخالب الجوع، والعطش، والبرد، والمرض، وما زال الاحتلال يمارس بلطجته الاعتيادية على المدنيين العزّل، ويخرق معاهداته، وتعهداته بقتل رجال المقاومة دون أي رادع أخلاقي، أو موقف دولي حازم، وحاسم، وفي كل الأحوال لن ينفع أي موقف أو قرار دولي تجاه هذا الكيان المغتصب، ما دامت الولايات المتحدة تمنحه الحماية المطلقة ماليًا، وعسكريًا، وميدانيًا، واستخباراتيًا، وتمده برئة الحياة التي تتيح له غطاءً آمنًا ضد أي تحرك دولي يسعى لفرض عقوبات حقيقية على الكيان المغتصب.

ورغم ذلك بدت الدولة العبرية معزولة ومنبوذة ومكروهة لدى الجيل الجديد من الشباب الغربي، بل وغدت عبئًا ثقيلًا على الضمير الإنساني، والحكومات الغربية، ولعل فرض عقوبات على مستوطنين يهود، وبضائع المستوطنات خطوة عملية أخرى في طريق تحرير العقل الغربي من رواية المظلومية اليهودية، ويتبقى بعد ذلك تحرير بعض العقول العربية المغيبة من أوهام الاحتلال الفلسطيني لفلسطين!! مرة أخرى.. أهالي غزة عالقون بين كماشة الجوع، والعطش، والبرد، والمرض.

وها هي الضفة الغربية تكاد تلحق بهم، فهل ستصحو ضمائر هذا العالم المتخاذل؟ وهل سيقوم العرب بواجبهم الأخلاقي، والديني تجاه إخوتهم، أم أن قضية فلسطين غدت -بالنسبة لهم- درسًا من دروس كتب التاريخ المنسية؟