وندسور "عُمان": عند قاعدة شمعدان مذهّب يصوّر القديس جورج وهو يصرع التنين، وُضعت حبّات رمّان حمراء قُطفت من شجرة غرسها الأمير فيليب على الشرفة الشرقية لقلعة وندسور قبل نحو نصف قرن وكانت الشجرة قد أثقلها الحمل هذا العام بعد صيف إنجليزي حار على غير العادة. أما الشمعدان، الذي صُنع عام 1833 بتكليف من الملك وليام الرابع ويتألف من 136 قطعة، فقد توسّط المائدة أمام مقعدَي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، ومضيفه الملك تشارلز الثالث.
على هذه المائدة أقام الملك البريطاني مساء الثلاثاء مأدبة دولة لـ160 مدعوا في قاعة سانت جورج، في اليوم الأول من زيارة دولة تمتد ثلاثة أيام. وفي داخل القاعة، اجتمع على المائدة تاريخ العائلة المالكة البريطانية ولمسات من الضيافة العُمانية، فيما رسمت قائمة المدعوين خريطة للعلاقة بين البلدين، من الدفاع والطاقة إلى الأدب وعلوم البحار.
مائدة بطول القاعة
تعتبر قاعة سانت جورج أكبر قاعات القلعة، يعلو سقفَها الخشبي المرتفع شعاراتُ فرسان الرباط، وقد صارت المقر المعتاد لمآدب الدولة منذ بدأت أعمال التجديد الطويلة في قصر باكنغهام، وعلى امتدادها مُدّت مائدة من خشب الماهوجني المصقول بطول يقارب خمسين مترا.
وكان الملك والملكة قد تفقدا الترتيبات بنفسيهما، وتوقّفا عند الأزهار وبطاقات الأسماء. كانت مئات الزهور قد قُطفت يدويا من حدائق وندسور وباكنغهام وحديقة سافيل في متنزه وندسور الكبير وتضمنت الزهور التي زينت بها المائدة أنواع من الداليا الوردية، وأستر أرجواني، وزنابق غيرنزي حمراء، وتخللتها عناقيد حمراء من ثمار الروان. وحتى الملح الموضوع أمام الضيوف حمل طابع الشعار الملكي للملك تشارلز.
واستُخدمت في الإعداد قطع من "الطقم الكبير" وهو طقم من الفضة المذهّبة طلب صنعه جورج الرابع حين كان أميرا لويلز، ويضم أكثر من أربعة آلاف قطعة. وعلى المائدة رُصّت 480 سكينا و480 شوكة و160 ملعقة.
الموكب وخريطة الجلوس
قبل العشاء، وقف جلالة السلطان المعظم والملك والملكة لمصافحة المدعوين واحدا واحدا، ثم دخل الموكب الملكي القاعة، دخل الملك إلى جانب السلطان، والملكة كاميلا برفقة صاحب السمو السيد ذي يزن، وسار الأمير ويليام إلى جانب الطاهية العُمانية دينا مكي التي لديها مؤلفات عن المطبخ العُماني، ورافقت أميرة ويلز معالي السيد خالد بن هلال البوسعيدي وزير ديوان البلاط السلطاني، فيما رافقت الأميرة آن معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية. وشارك في المأدبة ثمانية من أفراد العائلة المالكة البريطانية العاملين.
وخارطة الجلوس في مآدب الدولة في بريطانيا لها الكثير من الدلالات ولذلك تحظى بعناية كبيرة. جلس جلالة السلطان في وسط المائدة بين الملك وأميرة ويلز، وجلست الأميرة بين جلالة السلطان والسيد خالد بن هلال البوسعيدي، وجلس الأمير ويليام بين صاحب السمو السيد ذي يزن ودينا مكي. أما رئيس الوزراء آندي بورنهام، الذي يحضر أول مأدبة دولة منذ تولّيه رئاسة الحكومة في يوليو، فوُضع إلى جوار الروائية الدكتور جوخة الحارثي التي قالت إن رئيس الوزراء كان يعرف روايتها الفائزة وكان يحدثها عن الأدب طوال حفل العشاء. وبالقرب من رئيس الوزراء جلس معالي الفريق أول سلطان بن محمد النعماني، وزير المكتب السلطاني.
وكان للمجوهرات حضورها المعتاد فقد اختارت الملكة كاميلا تاج "فتيات بريطانيا العظمى وأيرلندا" هدية زفاف الملكة ماري لحفيدتها إليزابيث عام 1947 وأحد التيجان المفضلة لديها. وارتدت أميرة ويلز ثوبا أصفر فاتحا من تصميم اللبناني إيلي صعب، وتاج "عُقدة العشاق" الذي ارتبط طويلا بالأميرة ديانا.
ما قيل في القاعة
افتُتحت الأمسية بالكلمتين. بدأ الملك بعبارة ترحيب عربية، ثم ذهب إلى البحر. قال إن البحّارة العُمانيين كانوا يتاجرون عبر المحيط الهندي قبل ألف عام من لقائهم الأول بالإنجليز، وقبل أن توجد مملكة متحدة أصلا، ثم علّق مازحا بأن ذلك يضع بعض ادعاءات البريطانيين بالبراعة البحرية "في حجمها الحقيقي". ورسم مسار العلاقة قرنا بعد قرن: شراكة بحرية في السابع عشر، ومعاهدات في الثامن عشر، وشراكة استراتيجية في التاسع عشر، وأخوّة سلاح في العشرين، ثم دبلوماسية ودفاع وتجارة وثقة في القرن الحالي.
وكانت الكلمة شخصية في مواضع كثيرة فقد استعاد تشارلز زيارته الأولى لعُمان قبل ستة وأربعين عاما، ومحاولاته رسم طبيعتها، أحيانا بمرافقة السلطان هيثم نفسه، مستعيرا وصف ابن بطوطة لجمالها، ومستشهدا بأبيات لأبي مسلم البهلاني. وتحدّث عن السلطان الراحل قابوس بن سعيد بوصفه "صديقي العزيز وأخي". ثم استشهد بالحديث النبوي في أهل عُمان: «لو أنّ أهلَ عُمانَ أتيتَ، ما سبّوك ولا ضربوك".
وخصّ الملك الدور العُماني في الحرب الدائرة بأوضح فقرات الكلمة. قال إن جهود عُمان لإبقاء الممر البحري مفتوحا "قدّمت خدمة كبيرة للمجتمع الدولي بأسره، ولا سيما لأضعف المتضررين"، وإن دورها في الخليج وحيادها البنّاء يتجاوز أهميته مضيق هرمز. واختتم كلمته بدعاء من شعر شيخ البيان محمد بن شيخان السالمي.
وفي كلمة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، عاد إلى معاهدة الصداقة الموقعة عام 1800، التي تمنّت أن تبقى الصداقة بين الدولتين "إلى أن تنتهي الشمس والقمر من دورانهما" ثم قال: "مضى أكثر من مئتين وعشرين عاما.. الشمس والقمر ما زالا يدوران، والصداقة ما زالت قائمة لم تهتز".
وتحدّث جلالته عن أجيال من الطلبة العُمانيين في الجامعات البريطانية، وأضاف من تجربته الشخصية أنه تعرّف شابًا على تلك العادة الوطنية المنضبطة المعروفة بـ"التوقيت الإنجليزي". وأعلن أن أمير ويلز وافق على الانضمام إلى صاحب السمو السيد ذي يزن راعيا للجمعية البريطانية العُمانية.
أما أبلغ ما قاله جلالة السلطان المعظم في حديثه في الجانب السياسي قوله: "في منطقة عرفت من الصراعات أكثر مما ينبغي، اختارت عُمان طريقا مختلفا، طريقا مستقلا... الأمة الحكيمة تختار أن تُنصت، وقد اختارت عُمان أن تُنصت. وفي هذا الإنصات وجدنا قوة لا تمنحها الجيوش".
جغرافيا ملكية في ثلاثة أطباق
كُتبت قائمة الطعام بالفرنسية، كما جرت تقاليد المآدب الملكية، وبدت أشبه بخريطة لأملاك التاج. بدأ العشاء بقشريات اللانغوستين الاسكتلندية وسرطان البحر من كورنوال على قاعدة رقيقة من الخبز، مع الأفوكادو والكرفس ومرق طماطم صاف. وتلاه طبق طائر التدرّج من وندسور، مشويا في قدر مغلق، مع سفرجل متبّل وملفوف محشو وبطاطس مطهوة ببطء وصلصة خردل ديجون. وخُتم بحلوى "ألاسكا المخبوزة" في حصص فردية، مع برقوق من ضيعة بالمورال ومثلّجات بعسل ضيعة وندسور.
وعزفت فرقة الأوتار التابعة لدوقة إدنبرة، بقيادة الكابتن ألكسندرا نيكسون، برنامجا جمع موسيقى الألعاب النارية الملكية وموسيقى الماء لهاندل، وكونشرتو براندنبورغ لباخ، وأعمالا لفيفالدي وشومان ودفورجاك.
الوجوه حول المائدة
إلى جانب أعضاء الوفد الرسمي المرافق لجلالة السلطان المعظم، جلس على الجانب البريطاني أهل السياسة والأمن: رئيس الوزراء وزوجته ماري فرانس فان هيل، والنائبة إميلي ثورنبيري، وبليز مترولي رئيسة جهاز الاستخبارات الخارجية، وآن كيست-باتلر مديرة مقر الاتصالات الحكومية.
وحضرت الطاقة والصناعة بأسماء ثقيلة: وائل صوان الرئيس التنفيذي لشركة شل، وميغ أونيل الرئيسة التنفيذية لشركة بي بي، وجون هاريسون رئيس إيرباص في المملكة المتحدة، إلى جانب مصرفيين ومستثمرين.
وكان للثقافة والمعرفة نصيب لافت، فإلى جانب الروائية جوخة الحارثية، حضرت الناشط في مجال المناخ رميثة البوسعيدية، ورائدة الأعمال لُجينة محسن درويش، ودينا مكي. ومن الجانب البريطاني، المؤرخة بيتاني هيوز، والسير تريسترام هانت مدير متحف فيكتوريا وألبرت، الذي جلست زوجة رئيس الوزراء إلى جواره، والمؤرخ يوجين روغان المتخصص في الشرق الأوسط بجامعة أكسفورد، وزوجته البروفيسورة نغاير وودز عميدة كلية بلافاتنيك للإدارة الحكومية، والمستعربة إليزابيث كيندال.
وللبحر، الذي افتتح به الملك كلمته، ممثلوه أيضا فقد حضر المأدبة البحّار الأولمبي العُماني محسن البوسعيدي، والبحّارة البريطانية دي كافاري، إلى جانب العدّاءة الأولمبية العُمانية مزون العلوية.
القهوة في آخر الليل
اعتاد القصر البريطاني في مآدب الدولة الأخيرة أن يبتكر مشروبا خاصا لكل زيارة، يستلهم بلد الضيف. هذه المرة ذهب طهاة وندسور إلى القهوة العُمانية.
قال أحد مساعدي القصر للصحفيين: "نحن نتّبع تقليد القهوة العُمانية، وهي قهوة عربية خفيفة التحميص تُنكَّه عادة بالهيل أو الزعفران أو ماء الورد، وتُقدَّم رمزا للكرم في أنحاء عُمان. ونمزج هذا التقليد بالعادة البريطانية العريقة في شرب الشاي".
فكان أمام المدعوين بعد العشاء ثلاثة خيارات: شاي «إيرل غراي» مثلّج بالتمر، وشاي مثلّج بالنعناع والورد، ومزيج دافئ متبّل بالهيل ومحلّى بعسل وندسور. وكتب الحساب الرسمي للعائلة المالكة أن المشروبات الثلاثة تعكس معا دفء الضيافة الذي تتقاسمه التقاليد العُمانية والبريطانية.
في المجالس العُمانية، تُصبّ القهوة أول ما يعبر الضيف العتبة، وفي وندسور، جاء ما يشبهها في آخر الليل: شاي بالهيل وعسل الضيعة الملكية.