بدأت أمس أول زيارة دولة لسلطان عُماني إلى المملكة المتحدة منذ 1982، جاءت والإقليم مثقل بالحرب ومثخن بالجراح بعد أن تكسرت النصال على النصال، وتمتد الزيارة إلى يوم غد الخميس وتتضمن حوارات استراتيجية وتوقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم.

أما الخلاصة الراسخة للزيارة فتلك التي ستبقى بعد أن تنتهي المراسم البروتوكولية التي يتقنها البريطانيون ويتفننون فيها كثيرا.

في مارس 1982 حلّ السلطان قابوس بن سعيد- طيّب الله ثراه- ضيفا على الملكة إليزابيث الثانية في زيارة دولة، كانت الحرب العراقية الإيرانية يومها في عامها الثاني تستنزف البلدين في الخليج، ولم يكن البريطانيون يعرفون أن أسابيع قليلة تفصلهم عن حربهم في جزر فوكلاند.

مضى من الزمن أكثر من أربعة عقود تغير فيه المشهد كثيرا في الخليج وفي المملكة المتحدة صعودا وهبوطا وبقيت الحروب تراوح مكانها وترسم آثارها أو نُذُر وقوعها مسارات الشرق الأوسط.

ويقف حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم إلى جوار ملك زار عُمان رسميا أربع مرات، والمنطقة لم تتعافَ بعد من حرب خطيرة اندلعت في فبراير الماضي وما زالت تبعاتها معلّقة فوق مضيق هرمز وفي موازنات دول الخليج وفي احتياجات العالم من النفط والغاز.

درجت العادة أن المعاهدات التي تَعِد بالأبدية تُنسى قبل أن يجفّ حبرها لكنّ معاهدة 1800 بين عُمان وبريطانيا شذّت عن القاعدة. ربطت تلك المعاهدة الصداقة بين البلدين بدوران الشمس والقمر، وما زالت قائمة بعد أكثر من قرنين.

وللحبر في هذا البقاء نصيب متواضع، فما أبقى العلاقة حيّة ذلك التعاون اليومي في الكثير من تفاصيل الحياة أبرزها أجيال من الطلبة العمانيين الذين عادوا من الجامعات البريطانية ليساهموا في بناء مؤسسات بلادهم. وتعاون تجاري واستثماري ربط عقد المصالح وأوثقها. وهذا التشابك وتلك الشبكة من البشر هي التي تحمل الثقة أمّا الوثائق فتلحق بها على مهل.

ومرّت العلاقة بأطوار تشبه أطوار الدول نفسها، والعُمانيون أعرف بتاريخهم وبما واجهوه في تلك التحولات، ويُحسب لعُمان أنها عرفت كيف تتكيّف مع تبدّل الظروف مع تمسكها بمبادئها، وهذا ما يمنح العلاقة حقها في المستقبل.

ومنذ عقود اختارت عُمان أن تتحدث إلى الجميع، وأن تُبقي قنوات الحوار مفتوحة حتى في لحظات النار والحديد، وتدفع لقاء ذلك من صبرها حينا ومن رصيدها لدى من يفضلون الاصطفاف الواضح حينا آخر. وحجّتها أنه في اللحظة التي تُستنفد فيها القوة لا بد أن يبقى في المنطقة من يحتفظ بخيط مع الطرف الآخر.

وقد أظهر هذا العام، ومسقط تسعى إلى إعادة الملاحة التجارية عبر هرمز، أن الحاجة إلى هؤلاء لا تقل عن الحاجة إلى حاملات الطائرات. ولندن، بذاكرتها الطويلة في المنطقة وبما لها فيها وما عليها، مؤهلة أكثر من غيرها لتقدير صديق يُصغي قبل أن يحكم، في زمن صار فيه الإصغاء عملة نادرة.

وفي الاقتصاد تبدو الأرقام مطمئنة لكنها تحتاج إلى قراءة فاحصة، فبريطانيا أكبر مستثمر أجنبي منفرد في سلطنة عُمان غير أن ثقل استثماراتها بقي في النفط والغاز، أي في الاقتصاد الذي تسعى «رؤية عُمان 2040» إلى تخفيف الاعتماد عليه.

واتفاقية التجارة الحرة التي أنجزتها لندن مع دول مجلس التعاون في مايو الماضي، وهي الأولى من نوعها لدولة في مجموعة السبع، فتحت بابا لا يصح أن يبقى معلّقا على إجراءات التصديق.

على رأس المال البريطاني أن يتجه إلى الطاقة النظيفة والتقنية والخدمات المالية، وعلى الجامعات البريطانية أن تنتقل من مقصد يسافر إليه الطلبة العُمانيون إلى شريك يبني معهم داخل عُمان.

وفي المقابل، مضت عُمان في تحديث قوانين الاستثمار وتسريع إجراءاته، والمستثمر البريطاني، كغيره، سيحكم على ما بقي من هذا الطريق بسرعة الإجراءات ووضوح القوانين قبل البيانات المشتركة.

وفي كلمة السلطان هيثم إشارة تستحق أن نتوقف عندها كثيرا وهي انضمام أمير ويلز إلى صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد في رعاية الجمعية العمانية البريطانية ومغزاها الذي لا يخفى أن العلاقة تنتقل إلى جيل لم يشهد لحظات تأسيسها لكن تشغله البيئة والتعليم وفرص العمل أكثر مما تشغله ذاكرة المعاهدات، وسيحكم عليها بما تقدّمه له في هذه اللحظات.

تموت الصداقات القديمة حين يكتفي أصحابها بتذكّرها، أمّا الشمس والقمر فسيواصلان دورتهما في كل الأحوال، والسؤال المطروح على البلدين هو ما الذي سيجده الجيل القادم في رصيدهما حين يحين دوره.