تعد العلاقات العمانية البريطانية نموذجًا للعلاقات التاريخية المتفردة؛ حيث برزت أول مشاهد تلك العلاقات الراسخة والتواصل الحضاري منذ القرن السابع عشر، وتحديدا بعد طرد الوجود البرتغالي من مسقط عام ١٦٥٠ وصعود سلطنة عمان كقوة بحرية كبرى في المحيط الهندي وبحر العرب.

وتعمق التفاعل والتواصل بين المملكة المتحدة وسلطنة عمان مع نمو علاقات الصداقة والتعاون الوثيق في شتى المجالات الحيوية التجارية والتعليمية والدفاعية وعلى صعيد التنسيق السياسي.

ومنذ معاهدة الصداقة التي وقعت عام ١٧٩٨ بين السلطان سلطان بن أحمد والحكومة البريطانية شهدت علاقات مسقط ولندن تحولا تاريخيًا يسوده الاحترام والتعاون والتقدير، خاصة وأن التاريخ البحري للبلدين ساعد في إيجاد التفاهم والتعاون بما يخدم مصالح البلدين والشعبين الصديقين.

وتواصلت العلاقات العمانية البريطانية بشكل أكبر في عهد النهضة الحديثة التي قادها السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ عام ١٩٧٠، وشهدت تلك العلاقات تناميًا في عهد النهضة المتجددة التي يقودها بحكمة واقتدار جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ.

وعلى ضوء تلك الصلات التاريخية والعلاقات الراسخة بين سلطنة عمان والمملكة المتحدة يقوم جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حاليا بزيارة دولة إلى المملكة المتحدة بدعوة رسمية من جلالة الملك تشارلز الثالث ملك بريطانيا في ظل حفاوة رسمية وشعبية منذ وصول جلالته ـ أيده الله ـ والوفد الرسمي رفيع المستوى إلى العاصمة البريطانية لندن وسط تغطية إعلامية بريطانية وعمانية مكثفة تتواكب وأهمية الزيارة السلطانية التي تأتي بعد مضي ٤٤ عامًا بعد آخر زيارة دولة قام بها السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ إلى المملكة المتحدة عام ١٩٨٢. مراسم الاستقبال الرسمية من قبل الملك تشارلز الثالث لجلالة السلطان المعظم في قلعة وندسور تمثل ثقل وهيبة سلاطين عمان وعمق العلاقات العمانية البريطانية بشكل عام؛ حيث إن المتابع لتلك العلاقات الوثيقة بين البلدين الصديقين يرى مدى ثباتها وما تشكله من قوة وثقة في المستقبل.

وتفتح الزيارة السامية لجلالته ـ حفظه الله ـ إلى المملكة المتحدة آفاقا جديدة من التعاون بين البلدين في كل المجالات الحيوية، خاصة وأن المملكة المتحدة تعد الشريك الأبرز على صعيد الاستثمار في سلطنة عمان في مجالات متعددة أبرزها مجال الطاقة والطاقة المتجددة والتعليم والتقنية والتجارة، مما يعزز متانة العلاقات التاريخية بين البلدين الصديقين.

ولا شك أن الوفد الرسمي رفيع المستوى المرافق لجلالة السلطان المعظم يعكس أهمية هذه الزيارة التاريخية، ويعطي صورة عن إرادة البلدين في الدفع بعلاقات التعاون والصداقة والشراكة الاقتصادية إلى مزيد من التقدم والاستدامة، خاصة وأن المملكة المتحدة لها خبرة طويلة في مجالات حيوية كالتعليم والطاقة المتجددة والصناعات والسياحة والمجالات العسكرية، مما يشكل مناخا إيجابيا لتعزيز التعاون الوثيق.

إن المباحثات بين جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ والملك تشارلز الثالث ملك بريطانيا سوف يكون لها انعكاسات ونتائج إيجابية مثمرة على مختلف الجوانب الاقتصادية والسياسية بما يخدم مصالح البلدين، ويقوي علاقاتهما المتجذرة.

وفي ظل عالم مضطرب، خاصة منطقة الخليج والشرق الأوسط، تبرز أهمية التنسيق السياسي المتواصل في ظل حكمة القيادتين ودورهما الفاعل على صعيد خفض التصعيد في المنطقة، وانتهاج آلية الحوار لحل المشكلات والصراعات الإقليمية، وإيجاد حلول سياسية توافقية.

ولا شك أن التناغم السياسي العماني البريطاني متواصل خلال أكثر من نصف قرن عبر تبادل الزيارات الرسمية، وعلى صعيد لقاءات وزراء الخارجية التي كان آخرها في نيويورك، وتتواصل خلال هذه الزيارة السامية لجلالة السلطان المعظم للمملكة المتحدة.

إن الأوضاع السياسية المعقدة في المنطقة، خاصة الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية وموضوع الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، والحرب في اليمن وموضوع مضيق باب المندب تشكل تحديات كبيرة للتجارة الدولية وانسياب سلاسل الإمداد، وارتفاع التضخم وأسعار السلع والطاقة.

كل هذه القضايا تحتاج إلى صوت سياسي حكيم خاصة وأن المملكة المتحدة دولة مهمة في العالم؛ حيث تعد عضوا دائما في مجلس الأمن الدولي، ولها إسهام كبير على صعيد القضايا الإقليمية والدولية، ولها خبرة سياسية كبيرة بقضايا المنطقة.

كما تلعب بلادنا سلطنة عمان دورا محوريا كبيرا على صعيد بذل جهود الوساطة بين الفرقاء، سواء على صعيد الملف النووي الإيراني والحرب في اليمن، وحققت نتائج مهمة في مساعيها الحميدة منذ توقيع الاتفاق النووي الإيراني عام ٢٠١٥ وعلى صعيد نجاح الهدنة بين الفرقاء في اليمن. ولا يزال الجهد الدبلوماسي العماني يتواصل تعززه المصداقية والوضوح والعدالة والإنصاف في حل تلك الصراعات التي تعكر مناخ السلام والأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.

وعلى ضوء تلك المحددات السياسية فإن المحادثات العمانية البريطانية على مستوى القيادات تعد مهمة وحيوية في الدفع بالحوار ومنطق الحكمة للوصول إلى توافق سياسي بين الفرقاء، خاصة وأن شعوب المنطقة عانت على مدى أربعة عقود من الحروب، واستنزفت مقدرات المنطقة.

ومن هنا فإن الجهود الدبلوماسية العمانية البريطانية تمثل قيمة سياسية كبيرة من خلال التواصل والحوار مع الشركاء في المنطقة والعالم بما يفتح آفاقا من الأمل نحو تحقيق السلام الشامل والعادل، خاصة على صعيد القضية الفلسطينية من خلال حل الدولتين مع الاعتراف الدولي الواسع النطاق بدولة فلسطين خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة العام الماضي من عدد من دول العالم شرقها وغربها.

إن الجانب الاقتصادي بين سلطنة عمان والمملكة المتحدة سوف يحظى باهتمام كبير في ظل الاهتمام الكبير من جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بإيجاد اقتصاد وطني ديناميكي مستدام، ومن هنا فإن تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية إلى جانب التعاون العسكري سوف تحظى بأهمية كبيرة مع الجانب البريطاني في ظل تنامي الشراكة الاقتصادية العمانية البريطانية خلال السنوات الست الماضية، مما أعطى مؤشرات جيدة نحو الدفع بالمجالات الحيوية إلى الأمام.

لقد حقق الاقتصاد الوطني قفزات كبيرة خلال عهد النهضة المتجددة حيث أسهمت الزيارات السلطانية التي تركز على الشراكات الاقتصادية والاستثمارية مع دول العالم المختلفة في تحقيق نتائج مميزة من خلال ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، ووجود الجدارة الاستثمارية من خلال التصنيف الإيجابي من وكالات التصنيف علاوة على تسجيل بورصة مسقط للأوراق المالية قفزة نوعية خلال السنوات الأخيرة، وهي تستعد في أكتوبر القادم للدخول إلى الأسواق الناشئة، كما أن الميزان التجاري سجل قفزات كبيرة علاوة على النشاط التجاري المميز للموانئ العمانية في صحار وصلالة والدقم وبقية الموانئ البحرية الأخرى في عدد من الولايات الساحلية، وهذا انعكس على المؤشرات والأرقام الاقتصادية التي سجلها الاقتصاد الوطني خلال السنوات الأخيرة.

إن الزيارة التاريخية لجلالته إلى المملكة المتحدة ولقاءه المهم مع الملك تشارلز الثالث ملك بريطانيا وبقية المسؤولين في بريطانيا ستكتب فصلا جديدا في مسيرة العلاقات التاريخية والحضارية الراسخة بين بلدين عريقين كان لهما دور بحري عظيم خلال قرون، ويطمحان إلى الاستمرار في تعزيز الشراكة الاقتصادية بما يعود بالمنافع على البلدين وشعبيهما الصديقين.

حفظ الله جلالة السلطان المعظم في حله وترحاله، ووفقه وسدد خطاه لما فيه الخير للوطن والمواطن، وتحقيق السلام في المنطقة والعالم.