كنّا دوْمًا على علم ووعي أنّ مهنة التعليم وسلوك البحث العلمي لا يدرّان مالًا ولا يُثريان فقيرًا، وإنّما هي مهنةُ مُحبّ للتعليم، تحميه من الفقر ومغبّته، ولا تمنّ عليه بغير ذلك، وإنّما الفضل في الرضا الذاتي بالعيش في عالم كلّه علم ومعرفة، وظيفةٌ ونشاطٌ يوميٌّ في السياحة بين الكتب ومتابعة ما ينتج من معارف وعلوم، والرضا أيضًا بإفادة الناس، وتنشيط عقولهم، والعمل مع أذهان منفتحة للتعلّم وتحصيل المعرفة، فالأساس الذي تربّينا عليه أنّ مهنة التعليم قيمة في ذاتها وليست نشاطًا اقتصاديًّا، ولا مشروعًا ربحيًّا، في ظلّ سيادة قوميّة وطنيّة تعتبر التعليم بُعدًا من أبعادها الأمنية، وأرضيةً أساسًا لحماية الوطن، فيُمكن أن تفسد مهنة الطبّ أو الهندسة أو أيّ قطاع آخر، ويمكنك أن تتدارك إصلاح هذا القطاع في يسير من الزمن، أمّا إفساد التعليم فإنّه عسير الإصلاح والتدارك، ويأخذ منك جهدًا وأجيالًا وعقولًا لإعادة بنائه.
إفساد التعليم هو المدخل لإفساد كل القطاعات الأخرى، فمن المدرسة يخرج الطبيب والعالم والفلكي والصناعيّ.
إنّ تغيّر سياسة التعليم في العالم وتبدّل وسائطه وأدواته وتحوّل طبائع العقول والمدركات، أثَّر في عملية التعليم وأضرّ بها، وها نحن نعاين تهاوي أنظمة في التعليم كانت بالنسبة إلينا -نحن العرب- مرجعيات مقدّسة، ننحو نحوها، ونسير على دربها وننهج نهجها، ونستدعي خبراتها، ونضرب بها المثل ظاهرًا وباطنًا، فهل اتّخذنا القرار الخطأ؟ وهل نفس الشروط التاريخية التي انتهت بالنظام التعليمي في فرنسا وبريطانيا وكندا وأمريكا إلى التهاوي والسقوط، ستنهي أنظمتنا التعليمية العربيّة الهشّة المقتدية بهذه النماذج؟
لقد انتهى نظام تحويل المعرفة إلى سلعة وإلى استثمار إلى إفشال العملية التعليمية والتدرّج بها نحو السقوط والتلاشي، فالنظام التعليمي البريطاني الذي أدّى إلى إفلاس بعض الجامعات وبداية انكسارها، والبحث عن حلول لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه، هو نظام قائم على الربح المبالغ فيه، استثمارًا في التعليم، وكسْبًا من ورائه، وأزمة التعليم العالي التي أفضت إلى تدهور العديد من الجامعات العريقة راجعة أساسًا إلى خيار تحويل التعليم إلى مشروع استثماري يُدرّ الأموال.
بريطانيا على سبيل المثال تُواجَه اليوم بانهيار ممكن لأنظمتها التعليمية، وخاصّة التعليم العالي الذي تستند ميزانيته إلى رسوم الطلبة وخاصّة الطلبة الأجانب الذين يُشكّلون الداعم الأساسي لمؤسّسات التعليم العالي وللبحث العلمي، وبسببٍ من تراجع عدد الطلبة الأجانب المسجّلين في الجامعات البريطانية لأسبابٍ عديدة، نقصت الموارد المالية التي تقيم أوْد هذه الجامعات، وكشأن كل مشروع تجاري، فإنّ نقص الموارد يؤدّي إلى إغلاق المشروع الاستثماري، فتقدير هيئة تنظيم الجامعات أنّ ما بين 45% و72% من الجامعات الإنجليزية تُجابه عجزًا ماليًّا، وهو الأمر الذي أدّى بجامعات مثل أدنبرة وكارديف إلى إغلاق عديد التخصّصات الأكاديمية.
الأمر في فرنسا التي اشتعلت بغضب الطلبة والتلاميذ، يمثّل صورة مختلفة عن أزمة تمويل التعليم والعناية به وبإطاره وتجهيزاته، فبسببِ فساد نظام التعليم وعجز ميزانيته وقلّة أساتذته وتقادم تجهيزاته، في دولة تعمل على إيجاد حلول لأزماتها الاقتصادية بالضغط على ميزانية التعليم. فما العمل؟ تسليع التعليم وتحويله إلى مشروع استثماري مفسد للعلم والتعليم، وقيام الدولة باحتضان التعليم يجعله عرضة لرياح الأزمات الاقتصادية؟ نموذجان انتهيا إلى ممكن الفشل، وإلى تأزّم حقيقيّ، خانق، رغم فوارق الأزمات بينهما.
ما هزّ التعليم وأفسد مباهجه هو تحويله إلى سلعة سريعة التلف، قابلة للتداول وفق منطق قوّة المال والمعادلة الربحيّة، تحوّل الأستاذ إلى رقم في هذه المعادلة الربحيّة وتحوّل الطلبة إلى مصادر دخلٍ، وتزايد التفاوت الاجتماعي وانعدام التوازن الاجتماعي، فمَن له المال قادر على تحصيل تعليم نافع ومَن افتقر إلى المال يتوه في مسالك التعليم العامّ، قليل الحظ، قليل العناية.
وهي السبيل التي تسير عليها اليوم أغلب الدول العربية التي لم توازن بين تعليم عامّ، هو مشروع قوميّ لتهيئة أجيال عارفة، عالمة، وتعليم خاصّ راقٍ، حامل لنجوم، يتوفّر فيه ما لا يتوفّر في التعليم الخاصّ، مخصب، وحتّى الدول العربيّة التي حمت أنظمتها التعليميّة لوقت طويل من التعليم الاستثماري، تهاوت في السنوات الأخيرة وركعت لمنطق السوق ولتسليع التعليم وطرْحه في الأسواق مشروعًا استثماريًّا يتناوله أصحاب المال لا أصحاب المعرفة والحرص على تعليم الصبيان.
أزمة حقيقيّة وجب أن نُوجِد لها حلولًا قبل أن تتراكم على وفرة إشكالياتنا التعليمية، أزمة نماذج التعليم التي نقتدي بها زلزال من المفروض أن يدعو خبراء التعليم العرب إلى التفكير في هدْيٍ جديد وأفق تعليمي غير مستنسَخ، خاصّة وأنّنا نعاني في الأصل من مشاكل قبْليّة لم نُوجِد لها حلولًا جذريّة في فشل استنساخ النموذج الأنجلوسكسوني أو النموذج الفرنكفوني، منها مشاكل الأميّة في الوطن العربيّ التي تتجاوز الثلاثين بالمائة، ومنها مشاكل الاكتظاظ وفساد المؤسّسات التعليمية الحكوميّة واهترائها، ومنها الفشل في تحقيق مخرجات فاعلة ومجدية، ومنها استقرار الإطار التدريسي، ومنها التفويت في التعليم إلى أباطرة المال يُوجّهونه وفق مشيئتهم، وتنضاف إلى ذلك مشاكل اليأس من النماذج المتَّبعة، وأزمات مالية يُمكن أن تلقي بظلالها السلبيّة على الفضاء التعليمي، ووجود بدائل يُمكن أن تقوِّض المفهوم الكلاسيكي للتمدرس، من قيام الذكاء الاصطناعي بتوفير مدارس ودروس تفاعلية يُمكن أن تمثّل بديلًا للفضاء المعرفي المتهاوي.
فهل لنا أن نفكر في أطر حقيقيّة توازن بين التعليم العامّ الضامن لأرضيّة معرفيّة حقيقيّة تحت وصاية الدولة، وبين توفير جودة للتعليم محمية من أحوال السوق والتسليع والعصف به في مهاوي المزايدات؟