هناك علاقة متداخلة بين الإتقان والانضباط والأداء، فالانضباط أساس مهم تتشكل فيه القدرة على الإتقان، وبدون الانضباط تفقد الشخصية رونقها وهيبتها؛ فالانضباط عامل أساسي يجعل من الموظف متقيدا وملتزما بعقيدته الوطنية وأهدافها، مستلهما النهج السامي لقائده الأعلى في الإخلاص والعطاء وبذل كل غال ونفيس؛ ومن هنا يكون مهيأ لكي يتقن عمله وواجباته وتجويد مخرجاتها.
إن الإتقان دعوة إلى إيجاد الشخصية الوطنية المثلى؛ الشخصية التي تطمح القيادات ـ كل في موقع عمله ـ إلى إيجادها.
هذه الشخصية تمثل المثالية والبذل والإخلاص والتضحية؛ لذلك عملت الحكومة على غرس مبادئ الإتقان في نفوس الجميع من خلال الحث عليها وتوفير الشروط الموضوعية للأداء والعطاء.
وبدون الإتقان لا تنمو ولا تزدهر الأعمال، مما يتطلب إتقان التخطيط، وإتقان الأعداد، وإتقان التنفيذ.
والمواطن كل في موقعه إذا تعود الإتقان ومارسه، أصبح بإمكانه أن يفخر بإنجازاته لأمته ومجتمعه من خلال التعامل على قاعدة من الأمانة والصدق والإخلاص والتقوى والمسؤولية الاجتماعية المتجذرة في وجدانه وكيانه.
وكذلك، فإن الإسلام توجه في تربيته إلى مجتمع العمل ليكون متقناً كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجعل الإسلام العمل المعيار الأوحد لما يكسبه الإنسان في الحياة، وجعل إتقان العمل عبادة تحبب العامل إلى الله، وتحقق له سر استخلافه ووجوده. فالمجتمع العامل هو المجتمع المنتج الذي يعتمد أفراده في كسبهم على جهدهم البدني والفكري والنفسي؛ لذلك دعا الإسلام إلى العمل وباركه وجعل له جزاء في الآخرة مع جزاء الدنيا.
إن غرس مفاهيم الإتقان والانضباط في نفوس المواطنين كل في موقعه منذ المراحل الأولى للتعليم الأساسي والبدايات الأولى عند تقلدهم للمهام والواجبات الوظيفية مهما اختلفت مواقعهم ورتبهم ودرجاتهم، يجعله عادة وسلوكا قابلا للتطور والتحسن، ويوما بعد يوم تصبح قناعاتهم وإدراكهم لقيمته عوامل مؤثرة في كيفية تنفيذ واجباتهم ومهامهم.
إن الوطن يعمل مع أبنائه كمؤسسة شعارها الإتقان والجودة، تضرب المثل لغيرها من المجتمعات لكي تمارس نفس النهج؛ وبالتالي يصبح الإتقان سمة وشعار حياة في الدولة، مما يساعد على تحقيق الأهداف والخطط التنموية في مختلف القطاعات، وذلك من خلال التركيز على المحاور الفكرية الآتية:
- التحديد الدقيق والواضح للغايات والأهداف المرجوة واعتمادها كأساس للتخطيط والتوجيه في كافة المجالات، وكذا اعتبارها المقياس الأهم للتعرف على مستويات الإنجاز وتقويم النتائج.
- تعمل الدولة في مناخ اجتماعي واجتماعي واقتصادي متغير ومتطور، كما تتفاعل مع العوامل الثقافية والتطورات العلمية والتقنية، وصولا لتحقيق الترابط والتفاعل الإيجابي بينها وبين المناخ المحيط.
- تلعب القيادات ـ كل في موقعه ـ دورًا محوريًا ومؤثرًا في تحقيق أهداف وغايات الدولة وتحقيق ترابطها مع المجتمع والجمهور، وتفعيل عناصرها وقدراتها الذاتية؛ وبذلك تصبح القيادة الإدارية الاستراتيجية ذات القدرات المعرفية المتطورة من أهم العوامل المعززة لمقومات وآليات الإتقان.
- لا يقتصر مفهوم الإتقان على مواصفات قياسية للمنتجات والخدمات التي تقدمها مختلف أجهزة الدولة والمؤسسات في القطاعين العام والخاص، ولكنه فلسفة شاملة لكل ما يجري في الدولة من أنشطة مرتبطة بالأداء والإنتاجية، وصفة أساسية تتصف بها كافة المدخلات والعمليات والمخرجات.
إن مفهوم الإتقان يتحقق حين يعم كافة المستويات الإدارية وفي كل قطاعات العمل، بحيث يتم إنجاز المهام والأعمال وفق المواصفات وبالمستوى الذي يرضي المواطن والمقيم المستفيد من الخدمة.
- يعتمد مفهوم الإتقان على المعلومات والحقائق التي تصف كل ما يجري داخل مؤسسات الدولة وخارجها، والتعامل الواعي مع تلك المعلومات والحقائق لاستخراج المؤشرات الدالة على مستوى الإتقان في تقديم الأداء في مختلف المجالات.
- يعتبر التطوير والتحسين المستمر الأداة الأساسية لتطبيق الإتقان، بحيث يتم التطوير والتحسين في كل وقت وليس عند مواجهة المشكلات أو العقبات؛ فذلك يتيح للجهاز الإداري للدولة أن يكون في موقف أفضل عند التعامل مع الأزمات أو الحوادث أو التحديات، ويكون الإتقان هو الصفة الملازمة لتقديم الخدمات والأداء بما يكفل كسب رضا المستفيدين من الخدمة.
- إن الأداة الحقيقية والقوة الفاعلة في تحقيق غايات وأهداف مؤسسات الدولة المتعلقة بالإتقان يعتمد وبشكل أساسي على الموارد البشرية الذين تم اختيارهم بعناية فائقة، ووفرت لهم فرص التدريب والتنمية المستمرة الهادفة إلى تحسن قدراتهم ومهاراتهم، واستثمار قدراتهم الفكرية والمعرفية والعملية في تطوير الأداء والخدمات وتقديمها بشكل متقن.
إن الإتقان هو السعي المستمر للوصول إلى أعلى مستويات الجودة والكمال في العمل والسلوك، وتحويل الجودة من مجرد «مهمة تؤدى إلى «أسلوب حياة وثقافة متجذرة»؛ وهو باختصار الانتقال من عقلية «إنجاز العمل «إلى عقلية «صناعة الأثر وترك بصمة تدوم».