تزاحم الناس على مدخل دار الفنون الموسيقية قبيل بدء حفل "كلثوميات"، مع اختلاف أعمارهم ومستوياتهم وجنسياتهم، كان الكل نهِما لعيش لحظة من لحظات "الزمن الجميل" - كما يطلق عليه-، وكأن الأغاني الطربية هي مفتاح الدخول لذاك الزمن، لتنفض الغبار عن الذاكرة، ويعاد بث الروح في صوت الطرب الأصيل.
تراءى لي وأنا أدخل مساء أمس  لمسرح دار الفنون أن الجمهور قد يكون مرتبط بإرشيف الموسيقى العربية لهذا كانت الأعداد كبيرة، ولكني اكتشفت أن هذا الجمهور كان مولعا وشغفا بالغناء الطربي، والموسيقى الكلاسيكية، حيث كانت الأصوات تعلو هتافا ما إن تبدأ الفرقة بعزف أول نوتة موسيقية لكل أغنية، وكان التفاعل بالغناء مع معظم أغاني الحفل يفوق المتوقع، ليثبت هذا الجمهور أن الذائقة الموسيقية لكلاسيكيات الموسيقى العربية ما زالت تنبض بالحياة حتى اليوم.
بدأ الحفل في جزئه الأول بغناء الفنانة التونسية يسرى محنوش، التي استطاعت أن تأسر الجمهور بصوتها الذي يحمل عمقا يعيدك لتلك الحفلات الغنائية التي كان كوكب الشرق تأسر فيها جمهورها، صوتها الذي يظهر إحساسها العميق، لتجبر المستمع لعيش شعور الأغنية لحنا وكلماتا، فأطربت يسرى الجمهور بـ"أنت عمري"، وهي من روائع ألحان محمد عبدالوهاب، لتليها بألحانه فتصدح بأغنية "دارت الأيام"، التي ترجمت فيها الشعور الداخلي العميق كقصة تروى لا أغنية فقط، ثم بدأت المقطوعات الموسيقية من ألحان بليغ حمدي لتأخذ الجمهور في حالة من الشعور المختلف، فلم تكن كلمات أنساك هي ما يردده الجمهور، بل الاستطراب مع اللحن الذي يتفاعل معه الحاضرين، وهو الحال مع أغنية "فات الميعاد" التي غنتها بكل جمالية، لتختتم مشاركتها بغناء "الأطلال" من ألحان رياض السنباطي، وكأنها تريد للجمهور أن يقف على أطلال الراحلة "كوكب الشرق"، ولكن بإحساس يسرى محنوش.
وقدمت الجزء الثاني من الحفل الفنانة المصرية مروى ناجي مجموعة من أشهر أغاني أم كلثوم بدأتها بهدوء "أغدا ألقاك"، وكسبت بعدها تفاعل الجمهور في أغنية "غنيلي شوية"، وأكدت على حب الطرب الأصيل من جمهور الدار حين غنت "سيرة الحب" وهي تقدمها على حيرت قلبي، وكأنها استطاعت أن تقرأ ذائقة الغناء والموسيقى لديهم، ولم تكن تعلم أن الختام مع أجمل ألحان بليغ حمدي بغنائها "الف ليلة وليلة" لن تترك فيها المجال لتكون حاضرة لوحدها بالغناء على المسرح، فقد كانت أصوات الجمهور المتعايلة وهي تردد كلمات الأغنية، وتصفيقهم المتناغم مع اللحن، بانتقال سلس بين كل "كوبليه" أو مقطع والآخر، لتحيي الجمهور الذي كان عنصر نجاح الحفل، مع قدرة جمالية على أداء الموسيقيين بقيادة المايسترو مصطفى حلمي.