العُمانية/ إن العلاقات السياسية والدبلوماسية بين سلطنة عمان والمملكة المتحدة من أعرق العلاقات الثنائية في المنطقة، إذ تمتد جذورها إلى أكثر من قرنين من الزمن. وتوصف هذه العلاقة بأنها “عميقة وتاريخية وراسخة”، وتقوم الصداقة بين البلدين على “معاهدة عام 1800” التي أرست دعائم الشراكة الاستراتيجية بينهما.

وتتواصل العلاقات الدبلوماسية بين البلدين من خلال الزيارات رفيعة المستوى وآليات منتظمة، حيث تمثل الزيارة السامية لجلالة السلطان المعظم /حفظه الله ورعاه/ إلى المملكة المتحدة أول زيارة "دولة" منذ عام 1982 كما شكلت الآليات المنتظمة عاملًا مهمًّا في تطور العلاقات الدبلوماسية؛ ومن أبرزها مجموعة العمل العمانية البريطانية المشتركة، التي عقدت دورتها الثامنة عشرة بمسقط في شهر سبتمبر 2025.

كما وقّع البلدان في عام 2019 اتفاقية التعاون الشامل التي وُصفت بأنها مؤشر قوي على الالتزام المتبادل بالارتقاء بالعلاقات الثنائية الممتدة منذ قرون إلى حقبة جديدة من التعاون.

إن العلاقة بين البلدين تتجاوز البعد الثنائي لتشمل التنسيق إزاء قضايا الأمن الإقليمي والاستقرار. كل هذه المؤشرات تؤكد أن العلاقة العمانية-البريطانية ليست مجرد إرث تاريخي، بل شراكة سياسية ودبلوماسية فاعلة ومستمرة، تتجدد عبر الزيارات رفيعة المستوى والآليات المؤسسية والتنسيق المستمر إزاء التحديات الإقليمية والدولية.

وفي تصريحات لوكالة الأنباء العُمانية، أكد عدد من الباحثين والمختصين في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية على أن الزيارة السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم /حفظه الله ورعاه/ إلى المملكة المتحدة تعكس مستوى العلاقات التاريخية الراسخة بين البلدين الصديقين في العديد من المجالات، خاصةً الدبلوماسية والسياسية، مشيرين إلى أن أبعاد هذه الزيارة سوف تنعكس بشكل إيجابي على مستقبل التعاون الثنائي بين الجانبين خلال المرحلة المقبلة.

**media[3548882]**

وقال المكرم عوض بن سعيد باقوير، عضو مجلس الدولة أن العلاقات العمانية البريطانية علاقات تاريخية راسخة تمتد لأكثر من قرنين من الزمن، حيث ترتبط سلطنة عمان والمملكة المتحدة بعلاقات صداقة من خلال اتفاقية الصداقة والتعاون منذ عام ١٧٩٨ في عهد السلطان سلطان بن أحمد البوسعيدي، مبينًا أن مسقط ولندن حافظتا على تلك العلاقات الوثيقة على صعيد التشاور والتنسيق السياسي، ومن خلال الزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين في البلدين.

وأشار إلى أن الموقع الاستراتيجي البحري للبلدين ساهم بشكل محوري في التواصل التجاري بشكل خاص خلال العقود الماضية، خاصة منذ مطلع عهد النهضة العمانية عام ١٩٧٠، وكذلك خلال عهد النهضة المتجددة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه.

وبيّن أن سلطنة عمان تمتلك موقعاً استراتيجياً على البحار المفتوحة، حيث بحر عمان ومضيق هرمز الاستراتيجي في الشمال، وبحر العرب والمحيط الهندي شرق ووسط وجنوب سلطنة عمان، كما أن المملكة المتحدة ذات موقع بحري فريد حيث بحر الشمال، مؤكداً أن الربط بين البلدين على الصعيد البحري كان له دور كبير في التواصل التجاري والحضاري.

وأوضح أن السياسة الخارجية للبلدين الصديقين تشهد انسجاماً وتشاوراً سياسياً متواصلاً، سواء على صعيد قضايا المنطقة الجيوسياسية، أو على صعيد دور سلطنة عمان الإيجابي في قضايا تأمين الملاحة البحرية، أو على التواصل الدبلوماسي في كافة القضايا الإقليمية والدولية، خاصة وأن الإرث السياسي والتاريخي للبلدين الصديقين كبير وممتد طوال أكثر من قرنين.

وأشار إلى أن جمعية الصداقة العمانية البريطانية تقوم بدور بارز في تواصل التعاون، كما أن الزيارات المتواصلة بين مسؤولي البلدين وعلى صعيد دعم مجالات التعاون الدفاعية والاقتصادية والتعليمية وفي مجال نقل التكنولوجيا جعلت من علاقات التعاون والصداقة نموذجاً مميزاً في علاقات البلدين.

وقال: "إن مسار العلاقات التاريخية بين البلدين ساهم في إيجاد الاستقرار والسلام في المنطقة لعقود طويلة، ولا شك أن النظام الدولي شهد متغيرات كبيرة، ومن هنا فإن البلدين الصديقين يسهمان في مسألة خفض التصعيد وإيجاد حلول سياسية لكل الصراعات وخاصة القضية الفلسطينية وأيضاً الوضع في منطقة الخليج العربي."

وبيّن أنه على ضوء ذلك، تواصل مسقط ولندن المشاورات والاتصالات بين القيادتين وعلى صعيد وزراء الخارجية في إيجاد حلول سياسية، خاصة وأن الدبلوماسية أصبحت هي الخيار الأول لإنهاء الصراعات الإقليمية، وهو ما تؤكد عليه سلطنة عمان والمملكة المتحدة، مشيرًا إلى أن التطورات الجيوسياسية في المنطقة تدخل في إطار التحديات الكبيرة التي تحتاج إلى حكمة الدبلوماسية والحوار، الأمر الذي يتطلب تنسيق الجهود الدبلوماسية والسياسية المتواصلة.

**media[3548880]**

من جانبه، أشار الدكتور عبدالله بن صالح باعبود، وهو أكاديمي مختص في العلاقات الدولية وشؤون الخليج والشرق الأوسط إلى أن الزيارة السامية لحضرة صاحب جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم /حفظه الله ورعاه/ إلى المملكة المتحدة هي تعبير واضح عن عمق العلاقة التاريخية بين البلدين الصديقين وأهميتها وتمثل فرصة مثالية وسانحة لتعميق وتطوير العلاقات الاستراتيجية وتطوير أدواتها.

وأوضح أن العلاقة العُمانية-البريطانية فريدة من نوعها في نسيج التحالفات الإقليمية، فهي ليست تحالفاً تقليدياً ولا ارتباطاً تاريخياً بسيطاً، بل شراكة تاريخية متجذرة تعكس فهماً متطوراً لكيفية حماية السيادة الوطنية وسط ضغوط إقليمية متزايدة.

وبيّن أن العلاقات بين البلدين الصديقين تشمل التعاون في العديد من المجالات السياسة الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية والعسكرية، التي توجت في عام 2019 بتوقيع البلدين على اتفاقية الدفاع المشترك، كما أن لهذه العلاقات الثنائية عمقاً قانونياً يمتد لأكثر من قرنين.

ولفت إلى أن عام ٢٠١٩ شكّل نقطة تحول في مسار العلاقات الثنائية مع اتفاقية الدفاع المشترك، ثم اتفاقية التعاون الشامل والصداقة الدائمة، حيث انتقلت العلاقة إلى بنية مؤسسية متعددة الأبعاد تشمل التكنولوجيا والتعليم والصحة والثقافة والاقتصاد والابتكار، وفي يناير ٢٠٢٢ جاءت شراكة الاستثمار السيادي، مؤكداً أن كل اتفاقية جديدة تعني أن العلاقة ليست جامدة بل قائمة على مصالح مشتركة فعالة وحيوية.

وأوضح أن سلطنة عُمان والمملكة المتحدة تتفقان في العديد من الملفات والقضايا الإقليمية الراهنة إذ أن مسقط ولندن تدعمان الجهود الأممية نحو حل سياسي ودبلوماسي لهذه القضايا. وقال في هذا الشأن: "في الملف الفلسطيني، استقبلت سلطنة عُمان قرار بريطانيا الاعتراف بدولة فلسطين كخطوة نحو العدالة، وفي الأزمة الإقليمية الراهنة أشادت بريطانيا بالجهود العُمانية لإيجاد حلول دبلوماسية."

ويعتقد أن علاقة سلطنة عٌمان مع المملكة المتحدة قد تكون أوضح مثال على الطريقة العُمانية في إدارة العلاقات الدولية، القائمة على الحياد الإيجابي وعدم التدخل في شؤون الغير ودعم الحوار والإبقاء على قنوات الاتصال مع الجميع، وهو نهج تتبعه السياسة العمانية.

وأشار إلى أن الخصوصية العُمانية في إدارة العلاقات الدولية تكمن في القدرة على الفصل بين الشراكة والاصطفاف، فشراكة دفاعية واستراتيجية وثيقة مع قوة كبرى لا تعني تبني سياساتها أو خصوماتها، وعُمان تقيم هذا التمييز بدقة، إذ تمنح بعض الدول تسهيلات عسكرية ولوجستية لكنها ترفض تحويل أراضيها إلى منصة لأي طرف ضد آخر، فالصداقة مع طرف في الفلسفة العُمانية لا تعني العداء لطرف آخر.

وبيّن أن الانتقال من عهد النهضة المباركة إلى عهد النهضة المتجددة أضاف بُعداً اقتصادياً واضحاً للعلاقات الثنائية بين سلطنة عٌمان والمملكة المتحدة، فبريطانيا تعد الآن أكبر شريك استثماري لسلطنة عمان بأكثر من ٥٠٪ من الاستثمار الأجنبي المباشر، والشركات البريطانية تقود خمسة من ثماني امتيازات للهيدروجين الأخضر، وهذا يربط الشراكة برؤية عُمان ٢٠٤٠ ربطاً مباشراً، فلا تعود العلاقة عسكرية أو سياسية فحسب بل هي متوسعة ومتعمقة في كل المجالات والأصعدة.

وقال إنه في لحظة حرجة من تاريخ المنطقة عندما تتصدع المنظومات القديمة وتظهر تحالفات جديدة، تلعب الشراكة العٌمانية البريطانية دوراً استراتيجياً، منوهًا إلى أن سلطنة عمان من الدول التي تسعى دائمًا إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع كافة أطراف الصراعات الإقليمية من أجل حل القضايا الشائكة عبر السبل السياسية والدبلوماسية. ويرى في هذا الجانب أن تعزيز الشراكة العُمانية البريطانية ليست ترفاً دبلوماسياً بقدر ماهي ضرورة استراتيجية.

وبيّن أن العلاقة العُمانية-البريطانية لا تدور حول الإرث التاريخي وحده، بل تعكس فهماً متطوراً لكيفية محافظة دولة على استقلالية قرارها السياسي في نظام دولي يتغير بسرعة، وكيف تحافظ قوة أخرى في عالم يتجه نحو التعددية القطبية على أهميتها من خلال الشراكات التي تحترم الاستقلالية بدلاً من المطالبة بالولاء-على حد وصفه.

**media[3548879]**

وقال الدكتور عمران بن محمد العبري، رئيس قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة السلطان قابوس، أن العلاقة العمانية-البريطانية من أقدم العلاقات المتصلة في المنطقة، لكنها لم تكن علاقة واحدة بل علاقات متعاقبة تغيّر مضمونها بتغيّر موازين القوة.

ونوه إلى أن العلاقة بين البلدين الصديقين كانت مرآة للنظام الدولي، ففي عصر الهيمنة البريطانية كانت لندن الشريك شبه الوحيد، ومع الحرب الباردة تحوّلت إلى شراكة أمنية، ثم جاء الانسحاب البريطاني من شرق السويس خلال الفترة بين أعوام 1968-1971 كنقطة تحوّل حقيقية في مسار العلاقات الثنائية.

ولفت إلى أن النهج العماني مع بريطانيا يعد مثالًا واضحًا على ما أسماه بالحياد الإيجابي والتحوّط المركّب. وأن ملامح هذا النهج تتمحور في ثلاثة أمور: وهي الفصل بين الملفات، فالخلاف في قضية لا يعطّل التعاون في أخرى؛ والصمت الاستراتيجي، أي إدارة التباينات بعيداً عن الإعلام؛ وتحويل العلاقة إلى رصيد وساطة، كما حدث في ملفات المحتجزين البريطانيين، وبهذا أصبحت سلطنة عُمان بالنسبة لبريطانيا شريكاً استراتيجيًا.

وقال أنه ينظر للمستقبل بتفاؤل واقعي، فبريطانيا اليوم- بحسب رأيه- قوة تبحث عن شركاء موثوقين، وعُمان دولة تبحث عن تنويع اقتصادي ضمن رؤية 2040، وهذا يسهم في إيجاد نقاط التقاء حقيقية، والمجالات الواعدة في تقديره هي الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة، والدقم كمنصة لوجستية وصناعية، والأمن البحري في ظل اضطراب الممرات، والتعليم والبحث العلمي، والخدمات المالية والتقنية.