احتفلت وزارة التنمية الاجتماعية بيوم المرأة العُمانية مُكرِمَة 30 امرأة عُمانية من العاملات في قطاعات الطاقة والمعادن والبيئة؛ تقديرا لإنجازهن، وهو تقليد بدأته وزارة التنمية الاجتماعية منذ أعوام في تكريمها مجموعة من نساء عمان في قطاعات مختلفة تأكيدا على شراكتها في التنمية المستدامة.

وبما أن قطاعات الطاقة والمعادن والبيئة أصبحت خلال العقود الأخيرة محورا رئيسا للتنافس الاقتصادي العالمي لارتباطها المباشر بالأمن الطاقي والتحول نحو الاقتصاد الأخضر وإدارة الموارد الطبيعية؛ فقد برزت مشاركة المرأة فيها بوصفها مؤشرا على قدرة المجتمعات على الاستثمار الأمثل في رأس مالها البشري.

وتؤكد الدراسات التنموية الحديثة أن تحقيق التنمية المستدامة يتطلب توسيع مشاركة النساء في القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية، خصوصا في مجالات العلوم والهندسة والتكنولوجيا والموارد الطبيعية، وفي هذا السياق تبرز التجربة العمانية باعتبارها نموذجا متناميا لمشاركة المرأة في القطاعات غير التقليدية لتشمل الطاقة والمعادن والبيئة مدعومة بسياسات التمكين الوطني والتوجهات الاستراتيجية لرؤية «عمان 2040».

تعرفت خلال الاحتفال على مجموعة من المبدعات العمانيات، ومع فخري والحضور بنجاحات عمانية متحققة في هذا المجال، فإن المتابع للمشهد الإعلامي يلاحظ وجود فجوة واضحة بين حجم الإنجاز وحجم الظهور الإعلامي للمرأة العمانية في هذه القطاعات. هذه الفجوة يمكن تفسيرها بعوامل مختلفة كمحدودية التغطية الإعلامية المتخصصة؛ إذ تميل وسائل الإعلام إلى التركيز على القطاعات التقليدية الأكثر قربا من الجمهور بينما تحظى التخصصات التقنية والهندسية بتغطية أقل، مما يقلل إبراز إنجازات النساء العاملات فيها.

استمرار بعض الصور النمطية؛ حيث تطغى بعض التصورات المجتمعية التي تنظر إلى قطاعات التعدين والطاقة بوصفها مجالات ذكورية بطبيعتها، الأمر الذي يحد من انتشار النماذج النسائية الناجحة في الوعي العام.

ضعف التوثيق المؤسسي؛ فحين تنجز القيادات النسائية أعمالا نوعية في هذا القطاع لا تتحول هذه الإنجازات إلى قصص نجاح وطنية متداولة ملهمة الأجيال الجديدة.

وأخيرا محدودية الدراسات المتخصصة؛ فلا تزال الدراسات الكمية والنوعية التي توثق مساهمة المرأة العمانية تحديدا في الطاقة والمعادن والبيئة محدودة نسبيا مقارنة بأهمية هذه القطاعات.

تكشف التجربة العمانية أن المرأة لم تعد طرفا هامشيا في قطاعات الطاقة والمعادن والبيئة، بل أصبحت فاعلا أساسيا في مسارات الإنتاج والابتكار والاستدامة وصنع القرار.

وقد انعكس ذلك في تزايد أعداد النساء العاملات، وارتفاع معدلات مشاركتهن الاقتصادية، واتساع حضورهن في الوظائف العلمية والتقنية والقيادية.

ولا ينبغي النظر إلى مشاركة المرأة في قطاعات الطاقة والنفط والمعادن والبيئة من زاوية الأدوار الهندسية والفنية فقط؛ فنجاح هذه القطاعات لا يعتمد على الكفاءة التقنية وحدها، بل يرتكز أيضا على منظومة متكاملة تشمل إدارة الموارد البشرية، والمسؤولية المجتمعية، والإعلام والاتصال المؤسسي، وتُعد مشاركتها في هذه المجالات رافدا استراتيجيا يعزز استدامة المؤسسات ويربطها بالمجتمع مسهما في بناء ثقافة مؤسسية أكثر ابتكارا وشمولا.

وفي مجال المسؤولية المجتمعية تحديدا فأهمية مشاركة المرأة فيها أحد المعايير الرئيسة لقياس نجاح هذا القطاع؛ إذ لم يعد دور هذه الشركات مقتصرا على الإنتاج وتحقيق الأرباح، بل امتد إلى الإسهام في تنمية المجتمعات المحلية، إضافة إلى فهم المرأة الأعمق لاحتياجات المجتمع؛ إذ تمتلك قدرة مهمة على استشعار الاحتياجات الاجتماعية والتنموية للمجتمعات المحلية خصوصا في مجالات التعليم والصحة وتمكين المرأة والشباب، وتعزيز الاستدامة الاجتماعية لما يسهم به الحضور النسائي من تصميم وتنفيذ مبادرات تنموية أكثر ارتباطا بالاستدامة طويلة الأمد بدلا من الأنشطة الموسمية ذات الطابع الدعائي، وبناء الثقة مع المجتمعات المحلية؛ فعندما تشارك المرأة في تصميم وتنفيذ برامج المسؤولية المجتمعية تنجح في بناء جسور أكثر فاعلية بين الشركات والمجتمعات المستفيدة، خاصة في المناطق القريبة من مواقع الإنتاج والمشروعات الصناعية، وربط المسؤولية المجتمعية بأهداف التنمية الوطنية؛ حيث تسهم المرأة في توجيه المبادرات المجتمعية نحو أولويات وطنية كالتعليم والتدريب والتشغيل والتمكين الاقتصادي والاستدامة البيئية بما يزيد من أثر هذه المبادرات وقيمتها التنموية.

أما في مجال الموارد البشرية فتؤدي المرأة دورا محوريا في استقطاب الكفاءات الوطنية وتطويرها، وتعزيز بيئات العمل الداعمة للإبداع والإنتاجية، وصياغة سياسات أكثر شمولا وتوازنا إسهاما في إعداد قيادات المستقبل للقطاع.

كما يسهم حضورها في ترسيخ ثقافة التنوع والتمكين المهني بما يعزز كفاءة المؤسسات وقدرتها على مواكبة التحولات المتسارعة في مجالات الطاقة والاستدامة؛ كل ذلك بما تملك من مهارات التفاوض والإقناع.

وفي مجال الإعلام والاتصال المؤسسي تلعب المرأة دورا أساسيا في إبراز إنجازات المؤسسات، وتعزيز سمعتها وتبسيط المعلومات الفنية للجمهور إضافة إلى نشر الوعي بقضايا الطاقة والاستدامة والبيئة، كما تسهم في إدارة التواصل خلال الأزمات وتعزيز ثقة المجتمع والشركاء بالمؤسسات، وهو ما أصبح عاملا حاسما في نجاح شركات الطاقة والموارد الطبيعية، وقد أثبتت المرأة العمانية حضورا متناميا في هذه المجالات داخل مؤسسات الطاقة والمعادن والبيئة؛ حيث تشارك في إدارة رأس المال البشري، وقيادة مبادرات المسؤولية المجتمعية، وصناعة المحتوى الإعلامي والمؤسسي بما يدعم مستهدفات رؤية «عمان 2040» في بناء اقتصاد قائم على المعرفة والاستدامة وتنمية الموارد البشرية الوطنية.

ختاما، إن أهمية مشاركة المرأة في هذه القطاعات لا تقتصر على كونها شريكا في العمل المؤسسي، بل تتجاوز ذلك إلى كونها شريكا في صناعة الأثر التنموي وتعزيز الاستدامة، وبناء الصورة المؤسسية، وربط قطاع الطاقة والمعادن والبيئة بمتطلبات المجتمع وتطلعاته المستقبلية.

ومع ذلك، فإن التحدي الحالي لا يكمن في إثبات قدرة المرأة العمانية على العمل في هذه القطاعات لتجاوزها هذا الاختبار بنجاح، وإنما في تعزيز الوعي المجتمعي بإنجازاتها، وتحويل قصص نجاحها إلى رأسمال رمزي ومعرفي داعم للتنمية الوطنية، ومن ثم فإن الاستثمار في إبراز المرأة العمانية في قطاعات الطاقة والمعادن والبيئة يمثل ضرورة تنموية لا تقل أهمية عن الاستثمار في تعليمها وتأهيلها وتمكينها المهني. 

حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية