ترجمة: أحمد شافعي 

مرَّ أكثر من عام منذ أن بدأ ما عرف بوقف إطلاق النار في غزة في العاشر من أكتوبر 2025. وعلى مدار ذلك الوقت لم يحقق الاتفاق وما يفترض أنه خطة سلام مؤلفة من عشرين نقطة طرحها الرئيس دونالد ترامب إلا تقدما بسيطا في الإنهاء الجاد لحرب إسرائيل وحماس أو إبادة إسرائيل الجماعية في غزة.

وترسخ وضع قائم خطير يمثل فيه احتلال إسرائيل لأغلب قطاع غزة وحصارها المشدد للأراضي بجانب عدوان أوسع نطاقا على النظام القانوني الدولي تهديدا مباشرا لحياة الفلسطينيين؛ إذ تهدف إسرائيل في نهاية المطاف إلى تشريد سكان غزة بالقوة أو ضم الأراضي.

وترسم الحكومة الأمريكية بطبيعة الحال صورة مختلفة؛ فقد وصف البيان الصادر عنها بمناسبة مرور عام على ما يوصف بوقف إطلاق النار «تقدما» وفتحا تاريخيا أدى إلى نتائج «لافتة». ويتطابق هذا الخطاب تطابقا كبيرا مع تعليقات شخصيات بارزة في إدارة ترامب والدوائر المحيطة بها وما يعرف بمجلس السلام، وهو الكيان الذي أقيم ليحكم إعادة إعمار غزة في ما بعد الحرب. إذ يرى المسؤولون من أمثال جاريد كوشنر ـ صهر ترامب والمفاوض الأساسي في ملف غزة ـ أنه ينبغي الثناء على التقدم وإن كان ضئيلا بدعوى أنه أسهم مع بعض التطورات الأخرى في إنهاء العنف بشكل معتدل.

ولكن هذه العقلية على وجه التحديد هي التي تمثل الخطر الأفدح على الفلسطينيين في غزة اليوم؛ فما أبعد الأمر عن إنهاء العنف؛ إذ قتلت إسرائيل ألفا وخمسمائة وخمسة أشخاص، وتسببت في جروح لخمسة آلاف وثلاثمائة واثنين وثلاثين غيرهم منذ إعلان وقف إطلاق النار، ليضاف ذلك إلى قرابة مائتين وخمسين ألف ضحية منذ أكتوبر 2023. ولا تزال إسرائيل تقصف أهدافا في أرجاء القطاع وتمارس الاغتيال المستهدف لمسئولي حماس في انتهاك مباشر لشروط وقف إطلاق النار.

كما استمرت إسرائيل في تدمير أقسام من غزة تحتلها احتلالا مباشرا، فتمحو من الخريطة مدنا كبرى من قبيل رفح في جنوبي غزة في عمل يمثل إبادة حضرية كما أزالت بقايا عدد لا حصر له من المدنيين الفلسطينيين الذين قتلتهم خلال الحرب. وفي الوقت الذي أتاحت فيه إسرائيل وصول المزيد من المساعدات إلى القطاع، فإن هذه الزيادة تافهة في أفضل الأحوال، فقد حسنت قياسات الطعام من المجاعة إلى الأزمة أو ما هو أسوأ بالنسبة لـ1٫2 مليون من الفلسطينيين وفقا لآلية التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) الذي يشارك الأمم المتحدة في قياس الأمن الغذائي في العالم.

تستحق قيود إسرائيل المستمرة على معابر قطاع غزة الحدودية تركيزا خاصا إذ أنها أساسية في حصارها، وتعزز الجهود الرامية إلى جعل الحياة مستحيلة للفلسطينيين كلهم أو بعضهم. وقد دأبت إسرائيل على منع سلع أساسية من دخول غزة، منها الوقود والإمدادات الطبية والأجهزة المساعدة لذوي الاحتياجات الخاصة ومواد البناء. ولا تزال ترفض السماح بالإجلاء الطبي لأعداد كبيرة من الفلسطينيين المصابين والمعاقين لتلقي العلاج في الخارج برغم بلوغ قائمة الانتظار أكثر من واحد وعشرين ألف حالة وموت أكثر من ألفين وهم بانتظار الإجلاء.

وقد دأبت الأمم المتحدة والجماعات الإنسانية الكبرى وأكثر منظمات حقوق الإنسان الكبيرة على إدانة سياسات إسرائيل في غزة منذ أن بدأت الحرب في أكتوبر 2023، وهي سياسات صنفتها منظمات ذات وزن وباحثون كبار في الإبادة من شتى أرجاء العالم باعتبارها إبادة جماعية. وقد أصدرت محكمة العدل الدولية حكما ابتدائيا في يناير 2024 في قضية رفعتها جنوب أفريقيا بأن الفلسطينيين يواجهون خطرا حقيقيا بوقوع ضرر غير قابل للإصلاح وبأن أفعال إسرائيل في القطاع قد تنتهك حقوق الفلسطينيين وحمايتهم من الإبادة الجماعية. وأصدر ذلك الحكم أمرا لإسرائيل بإيقاف عملياتها وأي أفعال قد ترقى إلى جريمة الإبادة الجماعية بإنهاء الحياة الفلسطينية كليا أو جزئيا في غزة.

صدر ذلك الحكم بعد أربعة أشهر فقط من هجمات حماس في السابع من أكتوبر 2023، وبدء غزو إسرائيل لغزة. وبعد ثلاث سنوات من الإبادة الجماعية وعام على وقف إطلاق النار اسميا وحسب، يبقى ذلك الحلم إنذارا لم يلق أذنا مصغية، سواء من إدارة رئيس الولايات المتحدة السابق جو بايدن أو إدارة ترامب الآن. ويمثل تواطؤ أمريكا، وقسم غير قليل من العواصم الأوروبية، بمساعدة إسرائيل في ارتكاب جرائمها لطخة كريهة مستهجنة لما يوصف بالديمقراطية الليبرالية التي تزعم تقديرها لحقوق الإنسان وكرامته الأساسية.

والحق أنه في ظل حكم الرئيسين [الأمريكيين] والكثير من الحكومات الأوروبية، يسَّرت الولايات المتحدة فعليا إبادة إسرائيل الجماعية بلا تحفظ. فقد باعت لإسرائيل أسلحة بعشرات مليارات الدولارات فقتلت من الفلسطينيين نساء وأطفالا وشيوخا. ومن المرجح أن يكون مجلس السلام راميا إلى مساعدة إسرائيل في تطهير غزة عرقيا من خلال تخصيص الأراضي، عن طريق سرقة الأراضي الفلسطينية باسم «التنمية» و«أمن إسرائيل».

كما وفرت واشنطن الغطاء الدبلوماسي في المحافل الدولية من قبيل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وفعلت دول أوروبية مثل ذلك إلى حد كبير، فأصدرت بيانات باهتة تعرب عن «الأسف» و«القلق» مع اجتناب إغضاب راعيتها الولايات المتحدة خشية فقدان دعمها لأوكرانيا. وبذلك، فإن كلا من هذه الحكومات و«زعمائها» المزعومين اختاروا السلطة والسياسة لا حياة الإنسان.

هذا التواطؤ يضع هذه الدول في وضع انتهاك القانون الدولي؛ فبدلا من احترام الالتزامات الدولية الرامية إلى ألا يسمح النظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية بتكرار ما سبقه مطلقا بغض النظر عن كل ما شهده هذا النظام من حروب وما اعتراه من أخطاء، فإن الولايات المتحدة ضاعفت من هجومها على النظام القانوني الدولي. ومن أمثلة هذا العدوان العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب في التاسع من أكتوبر على المحكمة الجنائية الدولية بسبب إصدارها أوامر اعتقال لقادة إسرائيليين من أمثال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مايو 2024، فضلا عن ضغطها على عدد من الدول من أجل «حل» المحكمة.

تمثل هذه الإجراءات سياسة عامة رامية إلى تقويض سيادة القانون دعما للحقبة الغابرة التي حكمها مبدأ «السيادة للقوة». ولقد قال مسئولون في إدارة ترامب هذا بوضوح، مثلما قاله ترامب نفسه دونما خجل قي قمة الجمعية العامة للأمم المتحدة في أواخر سبتمبر. وعبر تبني هذا النهج الأيديولوجي الضار، تضاعف واشنطن وحلفاؤها تصعيدهم للجرائم ونشرها من غزة إلى غيرها في أنحاء العالم، من أفغانستان وإيران إلى الصومال واليمن.

يتبين من هذا الواقع، ومن أفعال إسرائيل المستمرة، أن الوضع القائم في غزة سوف يستمر على الأرجح؛ فالعالم الذي نعيش فيه اليوم لا يعلي حقوق الإنسان على استعراض القوة الفج، وهو ما يعلن وفاة ما يعرف بـ ”النظام القائم على القواعد” الذي استفادت منه فعليا أكثر الدول ثراء وأشدها قوة. وبوفاته يموت القانون وفكرة أن جميع البشر والبلاد سواسية وجديرة بالحقوق الأساسية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان. وفي حين أن لكل دولة مصلحة في دعم النظام القانوني الدولي، فإن مصالح السلطة القريبة هي التي تسود في نهاية المطاف.

ولكن يبقى بصيص أمل في أن ينشأ عالم أفضل من رماد العالم القديم القائم منذ سنوات قليلة. فالناس في أرجاء العالم يزدادون رفضا للنزعات الاستبدادية والإجرامية لحفنة الدول التي يسرت اقتراف هذه الجرائم؛ إذ يستمر تزايد دعم فلسطين والاعتراف بالإبادة الجماعية في غزة واستنكارها، وتتغير بالفعل السياسات المحيطة بإسرائيل-فلسطين. وبرفقة هذا، يتزايد الأمل في أن السياسات الانتخابية قد تطرح مسارا لتغيير إيجابي يطالب بالعدالة لعشرات آلاف الفلسطينيين الذين لقوا مصرعهم بسبب سياسات ذميمة يجب رفضها، ويجب أيضا تذكرها.

لن يحدث هذا التحول بالسرعة الكافية للخاسرين، ولكن لا يزال بوسعه أن ينقذ مستقبلا للفلسطينيين في غزة وجميع أرجاء الأرض الفلسطينية المحتلة ممن يستحقون السلام والعدل وتقرير المصير. وفي الوقت الراهن سوف يظل الوضع القائم على حاله، مما يستلزم استمرار عمل منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية في الدعوة إلى إنهاء الإبادة الجماعية، وممارسة ضغط حقيقي من واشنطن على إسرائيل لتحقيق هذا الهدف.

الترجمة عن ناشونال إنتريست

ألكسندر لانجلوا: محلل السياسات الخارجية ورئيس تحرير (DAWN)