سلمت منطقتنا العربية إرادتها لغيرها حتى باتت مصائرها رهنا بانتخابات إسرائيل وانتخابات أمريكية وربما لاحقا انتخابات الهند وباكستان وتركيا. وصلت الأمة لمرحلة باتت فيها تحت رحمة سياسي متطرف مثل نتنياهو مستعد لإشعال حرب إقليمية في إيران أو لبنان لكي يبقى في الحكم ويشد عصب معسكره الديني والصهيوني المتطرف، أو تحت رحمة صقور أمريكية تتبنى الصهيونية المسيحية، وتعتقد أن فوز حزب ترامب الجمهوري بالانتخابات النصفية يمر عبر العودة للحرب مع إيران أو توسيع الحرب في اليمن.
لهذا تواجه المنطقة العربية كلها، ربما باستثناء دول المغرب العربي «مؤقتا»، خطرا داهما بتحول الحرب في اليمن والحرب على إيران إلى حرب إقليمية شاملة ببعد دولي عسكري مباشر، قد تمتد إلى منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي وحوض النيل.
في سبتمبر الماضي ولأول مرة منذ بدء الحرب الأمريكية/الإسرائيلية على إيران التي كان الحوثيون فيها قد نأوا بأنفسهم عنها حدث توسيع لنطاق هذه الحرب، وجرى الربط بين جبهة إيران وجبهة اليمن والبحر استبق الحوثيون تصريحات الحكومة اليمنية الموجودة في عدن والرياض أنها ستقوم بهجوم شامل لاستعادة صنعاء وطرد الحوثيين- فقام أنصار الله «الحوثيون» بالاستيلاء على المخا وباب المندب على البحر الأحمر مما ضاعف من جراح أمن الطاقة العالمي.
فبعد ارتهان مضيق هرمز للصراع القائم بين واشنطن وطهران انضم الشريان الثاني لنقل النفط والتجارة وهو باب المندب إلى حلبة الصراع.
مع قيام الحوثيين باستهداف مطارات السعودية ومنشآتها النفطية والمدنية، وانضمام السعودية لدعم حرب فجر اليمن التي أعلنتها الحكومة اليمنية، تغير المشهد تغييرا خطيرا في الانتقال إلى خيار حرب شاملة ـ نسميه هنا خيار أم القنابل ـ إذا وقعت قد تأخذ المنطقة إلي نفق مظلم مجهول الوقت معلوم الخسائر والكوارث.
مؤشرات الخطر تبدت في:
-ارتفاع مستوى العنف المسلح:
شهدت الفترة الأخيرة واحدة من أعلى معدلات استهداف السفن التجارية خاصة ناقلات النفط في مضيق هرمز، وتركت بعضها محترقة بمقذوف أو لغم إيراني.
كما ارتفع معدل استهداف القوارب الإيرانية من قبل قوات «السنتكوم» الأمريكية.
في جبهة اليمن/ السعودية تم استهداف منشآت نفطية ومطارات سعودية في الرياض والدمام واستهداف مطار عدن من قبل الحوثيين وجرى استهداف مطار صنعاء ومخازن نفطية حوثية، من قبل قوات التحالف.
حقق التحالف تقدما نسبيا في اتجاه استعادة المخا وباب المندب ويحقق الحوثيون تقدما في تعز ومأرب ولكن الحسم بعيد.
اتساع نطاق الحرب:
ارتفاع وتيرة القتال وحدوث الارتباط بين جبهتي هرمز وباب المندب، واستهداف منشآت النفط السعودي اكبر منتج للنفط العالمي نقل المخاوف إلى العالم كله مع تسببه في ارتفاع أسعار النفط وأسعار الشحن ومضاعفة جراح الاضطراب في سلاسل الإمداد والغذاء، واعتبره الرئيس ترامب عملا موجها له وحزبه الجمهوري، وأن الضربات الحوثية تتفق مع المسعى الإيراني لزيادة أسعار النفط، أي لدفع الناخبين لإسقاط حزبه بسبب ارتفاع تكلفة الحياة على المستهلك الأمريكي ـ في محطات البنزين والمواد الغذائية ـ الذي لا يهمه من السياسة إلا هذه العوامل المباشرة.
وبدأ ترامب الذي عقد هدنة فعلية مع الحوثيين في التلويح للانضمام للسعودية، وتحدثت فرنسا وبريطانيا عن إرسال معدات دفاع جوي وطائرات استطلاع.
تتهم بريطانيا وأمريكا الجمهورية الإيرانية بنقل الحرب من الشرق الأوسط للداخل الأوروبي بالإعلان عن شكوك في عمل تخريبي إيراني في قاعدة فيرفورد الأمريكية الموجودة على الأراضي البريطانية ويتبادل الجميع اتهامات بشن هجمات سيبرانية صد البنية التحتية المدنية والعسكرية.
أنهت مصر عقودا من التحفظ عن الخروج عسكريا خارج حدودها وأعلن الرئيس المصري ومجلس الدفاع الوطني عن الوقوف عسكريا ودفاعيا مع السعودية، وحصل على تفويض مفتوح من البرلمان المصري لإرسال قوات وأسلحة مصرية للمملكة في مواجهة الهجمات الحوثية.
وهناك حديث عن انضمام قوات سورية وانضمام الإمارات ودول خليجية أخرى بصورة أو بأخرى مباشرة أو غير مباشرة عسكرية أو مالية.
استغل نتنياهو التصعيد في اليمن ليس فقط لعرض خدماته على السعودية على أمل استعادة مسيرة التطبيع الإبراهيمي التي أوقفها طوفان الأقصى، ولكن لاقتراح توجيه ضربة جديدة لإيران بالتعاون مع واشنطن. وهدد وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس باحتمال شن حرب جديدة على جنوب لبنان.
-التهديد بأسلحة أخطر وأكثر ضررا وبعثًا على الانتقام واستمرار دورة العنف الشريرة لأجيال وعقود: تحدث الرئيس ترامب لأول مرة عن احتمال استخدام أحد أكثر الأسلحة فتكا في ترسانة بلاده وهي أم القنابل التي لم تستخدم من قبل سوى مرة واحدة في أفغانستان. وتحدث الإيرانيون عن أسلحة جديدة أشد فتكا للأهداف والمصالح الأمريكية قاموا بتطويرها في الشهور الماضية.
تراجع دور الوسطاء الإقليميين:
من المؤشرات السلبية التي تزيد من مخاطر سيناريو الحرب الشاملة هو ما يبدو تراجعا في دور وسيطين إقليميين هما باكستان وقطر في الأسابيع الأخيرة؛ لدرجة أن الإيرانيين فضلوا نقل ردهم على المقترح التفاوضي الأمريكي عن طريق الرئيس الروسي وليس عن طريق إسلام آباد أو الدوحة.
يقابل ذلك الخيار الكارثي لحرب شاملة والتلويح باستخدام أم القنابل خيار آخر أفضل للجميع وهو العودة لمسار أم «المفاوضات» الذي تم بتهور دفعه للهامش رغم أنه يحقق مصالح متوازنة لجميع الأطراف للأسباب التالية:
- توسيع الحرب سيقود لنتائج عكسية: على سبيل المثال إذا سار الرئيس ترامب مرة أخرى وراء نصائح نتنياهو وقصف موقع رأس الفأس النووي الإيراني أو غض الطرف عن عدوان إسرائيلي جديد على لبنان أو شارك في تصعيد جديد للحرب في اليمن سيؤدي ذلك لمزيد من التوتر في هرمز وباب المندب، وسيقود ذلك إلى السيناريو الكارثي له وهو ارتفاع أسعار النفط والتضخم في أمريكا وهي وصفة شبه مؤكدة في إضعاف فرص الجمهوريين في الفوز بالانتخابات النصفية في ٣ نوفمبر.
- عودة غير منطقية لتجريب المجرب دون أي أمل في نجاحه هذه المرة أيضا: في حالة اليمن تتفق كل التحليلات الاستراتيجية أن عقدا ونصف من الحرب على الحوثيين لم تفلح إلا في إلحاق خسائر بشرية ومالية مخيفة؛ ولهذا عاد الجميع للقناة الآمنة محل ثقة الجميع وهي قناة مسقط، وعقدت هدنة وبدأ حوار مباشر بين السعوديين والحوثيين لمناقشة حل سياسي يجمع الأطراف اليمنية كلها.
وتتفق هذه التحليلات على أن هذا المصير سيكون مصير الحرب الحالية بين تحالف الشرعية والحوثيين؛ فالحوثيون باتوا أقوى من حيث نوع الأسلحة من مسيرات وصواريخ، وما زالت جغرافيا وتضاريس الجبال والأنفاق والتحصن بالمدن تقف حجر عثرة أمام أي انتصار حاسم.
اليمن مازال مستنقعا تغوص أقدام كل من يدخله منذ فجر التاريخ. هل يفسر هذا الوضع ظهور أصوات عاقلة في الخليج والمملكة تطالب بالتعامل مع الحوثيين كأمر واقع والمساعدة في حل سياسي بين اليمنيين لاستحالة الحل العسكري.
ينطبق نفس الفهم على الدعوة من تيارات رشيدة لمنع تحول الدعم الدفاعي من حلف مكة أو من مصر وبريطانيا وفرنسا وغيرهم من الدفاع عن السعودية إلى التورط في حرب مباشرة داخل أراضي اليمن، بكل ما يعنيه ذلك من انتقال حكام صنعاء إلى استهداف موانئ وعواصم الإقليم، وتهديد الملاحة عبر قناة السويس، أحد أهم ممرات الملاحة والتجارة العالمية.
الحيلولة دون إضاعة لحظة التنوير وكشف البصيرة بعد طوفان الأقصى، وحرب الإبادة في غزة، والتطهير العرقي في الضفة، والعدوان على سبع بلدان في وقت واحد، واحتلال أراض عربية جديدة في سوريا ولبنان التي اتضح فيها لمعظم الدول العربية باستثناء الذين انخرطوا في التحالف الأمني الإبراهيمي، أن الخطر الرئيس على الأمن القومي العربي وحتى على تركيا وإيران كدول إسلامية جارة وأصيلة هي دولة إسرائيل؛ إذ تعود للأسف تصريحات لنخب عربية معروفة إلى الانقلاب على انكشاف إسرائيل كدولة مدمنة على التوسع، ومدمنة على الحرب، وإعادة الحديث القديم عن أن إيران هي العدو الأساسي لدول الخليج.
إذا لم يتم الانتباه سيجري انزلاق سريع يحقق هدف نتنياهو من حرب الأربعين يوما، وهو تحويل الحرب إلي حرب عربية- إسرائيلية وسنية -شيعية تنهار فيه قوى الطرفين، وتصبح فيه إسرائيل القوة العظمى الإقليمية الوحيدة وسيدة الجميع عربا وأتراكا وإيرانيين.
- مع تراجع القنوات الأخرى جرى نوع من العودة للنافذة العمانية المفتوحة دومًا للحلول السلمية والتفاوض والحوار والوساطة؛ وهذا عنصر إيجابي يدعم الاتجاه لمسار التفاوض بدلا من مسار الحرب؛ فلقد شهدت الأسابيع الأخيرة اتصالات غربية وسعودية وباكستانية مع الدبلوماسية العمانية للاستفادة من موقعها المحايد المقبول من الجميع للتواصل مع صنعاء وطهران.
استعداد مسقط الدائم لدعم الحوار والوساطة بين المتحاربين يجعلها مؤهلة للمساعدة الجوهرية في نزع فتيل حرب «أم القنابل» ومساعدة الأطراف المختلفة على التزام ضبط النفس، وخفض التصعيد، والعودة لمائدة الحوار، وتفضيل مسار أم التفاوض الذي يمنع شبح الخراب عن المنطقة.
حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري