فـي مطلع أكتوبر وصلت الاعتداءات على المملكة العربية السعودية إلى مطار الرياض، وكانت هجمات أخرى قد طالت هذا العام منشآت حيوية في الخليج. وتضع هذه الأحداث المنطقة أمام مسؤولية حماية المدنيين ووقف الاعتداءات ومراجعة شروط الاستقرار الذي بنت عليه هذه الدول مستقبلها.
وتهتز الثقة اليوم في ثلاثة اتجاهات معا، هي ثقة أبناء الخليج في مستقبل ارتبط في أذهانهم بالوظيفة والمسكن والتعليم والعلاج والأمان، وثقة دول الخليج في ترتيبات الحماية التي اعتمدت عليها، وثقة مجتمعات الخليج بعضها ببعض. واهتزازها في الاتجاهات الثلاثة في وقت واحد يجعل الاطمئنان إلى المستقبل موضع نقاش كبير.
خلال العقود الماضية، استند جانب كبير من الاطمئنان الخليجي، مع اختلاف تجارب الدول، إلى مداخيل النفط والغاز التي تمول خطط التنمية وإلى ترتيبات أمنية وعسكرية مع الولايات المتحدة وشركاء غربيين يُنتظر منها احتواء الأخطار الكبرى. وأصبحت طموحات تحسن المعيشة جزءا أساسيا من التوقع العام. تتعرض هذه المعادلة اليوم لضغط متزامن، وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي لهذا الشهر إلى انكماشات تتجاوز عشرة في المائة في ثلاث دول خليجية، ما يثير أسئلة حول قدرة الدول على الوفاء بالتزاماتها وتوقعات الشعوب منها، وعن توزيع كلفة التحول داخل المجتمعات.
ورغم القدرات العسكرية الأمريكية، تظل قرارات واشنطن في المنطقة محكومة بمصالحها وحساباتها. وجلبت حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران أخطارا واسعة إلى المنطقة، بما يستدعي مراجعة النماذج الأمنية وما تتحمله دول الخليج من كلفة خيارات حلفائها. وحتى حين تدفع المصالح الأمريكية واشنطن إلى ردع الاعتداء أو صدّه، فإن حماية الاستقرار تبقى بحاجة ملحة إلى معالجة سياسية لمصادر العنف ومخاطر اتساع الحرب. وتتصل هذه المراجعة بحق المنطقة في تقرير شروط أمنها، وتقليص مصادر التهديد وإبقاء مسارات التسوية مفتوحة.
وتجعل حدود الحماية الخارجية مسؤولية دول الخليج عن أمنها المشترك أكثر إلحاحا، فأمن المملكة العربية السعودية مصلحة خليجية تستدعي التضامن والعمل على إنهاء أي تهديد يحيط بها، وكذلك أمن كل دولة خليجية. فمع تشابك اقتصادات المنطقة ومجتمعاتها، يصعب على أي دولة حماية ازدهارها بمعزل عن جيرانها ما يحتم تنسيق الجهود الخليجية لتقليص مصادر الخطر، وتعزيز قدرة المنطقة على حماية مصالحها والتأثير في القرارات التي تمس مستقبلها. ويتصل هذا الجهد بحياة الناس مباشرة، وبحماية فرص العمل والخدمات والمكتسبات التي بنت عليها المجتمعات اطمئنانها.
وعلى خطورة ما يجري، ما زال النقاش العام والمتخصص يمنح متابعة الأحداث اهتماما أكبر من تفسير آثارها الممتدة في أمن المنطقة واقتصادها وحياة مجتمعاتها، وكأنَّ ما يحدث عارض طارئ ينتهي غدا. وتستدعي هذه اللحظة جهدا تشترك فيه النخب السياسية والثقافية والاقتصادية والأكاديمية والإعلامية لفهم الخيارات المتاحة وتقدير كلفتها وبلورة مسارات تحمي مستقبل المنطقة. ويساعد النقاش المفتوح المؤسسات على مراجعة قراراتها وتدارك الأخطاء مبكرا.
وفي غياب هذا الجهد وما يصاحبه من استشعار للخطر والمسؤولية يتحول قلق الأفراد إلى خصومة بين شعوب المنطقة، ساحتها وسائل التواصل الاجتماعي التي تختلط فيها المعلومة بالشائعة، والرأي بالتحريض في وقت تراجع فيه دور وسائل الإعلام الخليجي عن بناء الوعي وتعزيز التماسك. وتُختزل المصالح المعقدة بين الدول في اتهامات تبدو متهافتة أمام فداحة الحدث، وما يصاحبه من تحولات، وتُستدعى من أجل ذلك خلافات قديمة لتفسير أخطار جديدة. وتفقد الأصوات الفكرية دورها حين تنشغل بتعبئة الجمهور ضد بعضه، وتغفل أثر الحرب في أمن المنطقة واقتصادها ومستقبل مجتمعاتها. وترفع خطابات الشماتة والإهانة الجماعية والتحريض كلفة التسويات وتضيّق مساحة الدبلوماسية، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى جمع قوتها، وصون وحدتها، وتعزيز وشائج الجوار الجغرافي والترابط الاجتماعي.
يحتاج الخليج إلى قراءة مشتركة للتحولات الإقليمية والدولية وأثرها في أمنه واقتصاده. ويساعد هذا الفهم على تحديد الأولويات وتنسيق السياسات، وبناء تعاون عملي يحمي المرافق الحيوية والإمدادات، ويحد من انتقال الأضرار بين اقتصادات دوله. كما يتيح إدراك المصالح والمخاطر المشتركة مجالا أوسع للتفاهم وخفض التوتر.
ومن مسؤوليات الخطاب العام في الخليج أن يعمّق هذا الفهم ويعزز التلاحم، وأن يخرج من خطابات التخوين والتأجيج التي ينجرف إليها بعضهم على وسائل التواصل الاجتماعي؛ لأنها مدعاة لمزيد من التباعد السياسي والاجتماعي. فما نواجهه في الخليج يستدعي تفكيرا أعمق في مستقبلنا المشترك، ونقاشا يستوعب اختلاف الرأي، ويصون الروابط بين مجتمعاتنا. والثقة التي تهتز اليوم في اتجاهاتها الثلاثة رصيد بنته سنوات الرخاء، ولن يحفظه في سنوات الشدة إلا الصدق مع الناس والتضامن بين الجيران.