في الاحتفاء باليوم الدولي للمرأة تحت عنوان (الحقوق والعدالة والعمل من أجل جميع النساء والفتيات) الذي يوافق الثامن من مارس من كل عام وجَّه المدير العام لليونسكو في رسالته الخاصة بهذا اليوم «دعوة إلى عدم الاكتفاء بإعلان المبادئ بل تحويل الأقوال إلى أفعال»؛ فدعم المرأة وصون حقوقها وتمكينها لتقوم بدورها التنموي، والمساهمة في تحقيق أهداف وطنها واجب على الدول التي تعي أهمية هذا الدور، وتسعى لتمكين أفراد مجتمعها وتعزيز الأدوار التنموية التي تمكِّنهم من المشاركة بفاعلية، إلاّ أن ذلك يجب ألا يكون أقوالا وشعارات وحسب، بل في صيغة أفعال وبرامج قابلة للتنفيذ.
إن الوعي العالمي والوطني بأهمية الدور التنموي الذي تقدمه المرأة في خدمة مجتمعها دفع إلى تخصيص مثل هذه الأيام للتذكير بأهمية هذا الدور من ناحية، وتعزيزه بمبادرات ورؤى ومشروعات تدعم توجهاته وتقوده نحو آفاق رحبة من ناحية أخرى؛ لذلك فإن الاحتفاء بيوم المرأة العمانية من كل عام يوجب العمل الفعلي والمساندة والمشاركة بكل ما من شأنه تحقيق الأهداف التي من أجلها خُصِّص هذا اليوم؛ فالاحتفالات الشكلية لا تعبِّر عن وعينا بقضايا المرأة العمانية، خاصة تلك التي تواجه مغبات الحياة وتحدياتها، فتقع في مشكلات تتطلَّب المساندة والدعم.
فعلى الرغم من البرامج الكثيرة التي تقدمها الدولة ضمن منظومة الحماية الاجتماعية، وما خصصته من مزايا في قانون العمل إضافة إلى ما تقدمه وزارة التنمية الاجتماعية من جهود ودعم متواصل، وما تتيحه برامج دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة من إمكانات، وكذلك ما تقدمه الجمعيات والمراكز الخيرية وبرامج الأوقاف، إلاَّ أن هناك الكثير من النساء يعانين التحديات خاصة المرأة المعيلة التي تواجه الحياة ومتطلباتها المتعددة لا سيما في ظل المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة.
ولذلك فإن الاحتفاء بيوم المرأة العمانية فرصة سانحة لتقديم الدعم والمشاركة بفاعلية في الأخذ بيد المرأة التي تواجه تحديات ما، أو تلك التي قست عليها الظروف المعيشية، أو تلك التي تحتاج إلى تمكين وظيفي أو دعم للمهارات أو غير ذلك، فتكاتفنا المجتمعي يضيف بعدا جديدا إلى تلك الجهود التي تقدمها الدولة، وتفتح مجالات لمساعدة المرأة لتكون قادرة على إعالة نفسها وأسرتها، وتوفر لها فرص المشاركة في تنمية مجتمعها.
ولعل المبادرات المتعددة التي تم إطلاقها من العديد من مؤسسات القطاع الخاص والمدني احتفاء بيوم المرأة العمانية، تكشف مثل ذلك الوعي؛ إذ ترمي إلى دعم المرأة والمشاركة في تأهيلها وتمكينها، ومن بين تلك المبادرات تبرز (مبادرة أفق حيث يولد الأمل) التي أطلقتها جمعية الرحمة لرعاية الأمومة والطفولة بالتعاون مع جمعية المحامين العمانية ومجموعة من المؤسسات وبدعم مجتمعي ومؤسسي، وتهدف إلى تفريج كربة (100) سجينة عمانية معسرة وقعت في مغبة الديوان بسبب ظروفها الاقتصادية.
تنطلق هذه المبادرة من الإيمان بأن (خلف كل قضية إعسار إنسانة تنتظر فرصة، وأسرة تنتظر عودتها، وحياة يمكن أن تبدأ من جديد) - حسب وثيقة المبادرة -، وهي رسالة إنسانية ومجتمعية مهمة جدا تتأسَّس على فعل المواطنة الإيجابية التي تقوم على المشاركة والمساندة والدعم، فهذا احتفاء يحوِّل القول إلى فعل من خلال فتح أفق للمرأة السجينة لتعود إلى أسرتها، وتفتح لها آفاق حياة جديدة وبداية ملؤها الثقة والتمكين من خلال تلك البرامج التي تقوم عليها المبادرة.
إن مبادرة (أفق) لا تهدف إلى الإفراج عن السجينات وحسب، بل تقدِّم لهن برنامجا متكاملا من الرعاية الصحية والنفسية والتدريب المهني والمهاري يساعدهن للمضي قدما نحو بداية جديدة ليست على المستوى الاجتماعي وحسب، بل أيضا على مستوى العمل الريادي، لتخطو بخطوات واثقة نحو الاستقلال المادي، وتعزيز قدرتهن على تأسيس مشروعاتهن وتنميتها ودعم استدامتها، فهذه المبادرة ذات رؤية واضحة وفكر يقوم على المشاركة من أجل التنمية.
توفِّر هذه المبادرة من خلال برامجها المتكاملة خدمات متعددة للنساء اللائي يُفرج عنهن بدءا من الدعم النفسي والاجتماعي الذي يساعدهن في استعادة التوازن النفسي؛ ذلك لأن دخول المرأة إلى السجون يُعد أمرا جللا على المستوى الاجتماعي والنفسي، وعليه فإن الحاجة إلى مثل هذا الدعم يُعد أساسا لتقبُّل الذات واكتساب الثقة بالنفس؛ فإعادة بناء الثقة مهم للمضي قدما إلى البرامج التالية المتمثلة في (اكتشاف القدرات) والمهارات التي تعزِّز بناء تلك الثقة، وتوفِّر إمكانات الرؤية للأفق الذي يمكن لكل منهن الانطلاق نحوه، ليبدأ بعدها (التأهيل والتدريب).
إن فرص التأهيل التي توفرها هذه المبادرة تقوم على احتياجات هؤلاء النسوة وإمكاناتهن والمهارات التي يمكن أن يقمن بها إضافة إلى رغباتهن ومدى استعدادهن للمرحلة المقبلة من حياتهن؛ لأنها ستكون المرحلة الأهم للبداية القادمة (الأكثر استقرارا)، ليتمكنَّ من التقدُّم بثقة وتحدي للظروف والعقبات. فلكي تتحقق أهداف هذه المبادرة يجب أن تكون المرأة نفسها مقبلة على الحياة ومصرِّة على التغيير وماضية بإقدام إلى النجاح؛ ولهذا فإن هذه المبادرة لن تنتهي بدعم المشروعات ووضعها على المسار الصحيح وحسب، بل إنها تستمر بعزم النساء وقدرتهن نحو النمو المستمر.
لقد مثَّلت هذه المبادرة نموذجا لجوهر الاحتفاء بيوم المرأة العمانية الذي لا ينشد الزهو والحفلات، بل يعي الدور المجتمعي الذي يجب أن تقوم به المؤسسات الخاصة والمدنية بأنواعها المختلفة، وما يمكن أن تقدمه في مجالات دعم المرأة والفتاة العمانية؛ فهناك مجالات عدة يمكن أن تتكامل فيها الجهود للدعم والتمكين خاصة في القضايا المجتمعية والاقتصادية إضافة إلى التعليم والتدريب والتأهيل، وغير ذلك من جهود يمكن أن توفَّر آفاق رحبة للتطوير والدعم، والتكامل مع تلك الجهود المتواصلة التي تقدمها الحكومة.
إن الاحتفاء بيوم المرأة العمانية فرصة للتركيز على قضايا المرأة وتقديم المبادرات والبرامج والرؤى التي ترصد التحديات التي تواجهها، وتفتح منافذ جديدة للدعم والتمكين، وتُسهم في تحسين مستوى عيش الأسر؛ فكم هي المبادرات التي يمكن أن تفرِّج كربة امرأة تنتظرها أسرتها، أو تفتح فرص ريادة مشروعات صغيرة، أو تلك التي تتكفَّل بتعليم مجموعة من الفتيات ممن لم تتوفَّر لهن فرص تعليمية، أو غير ذلك الكثير مما يمكن أن نقدمه جميعا كل في مجاله وحسب إمكاناته! فكل ذلك يتكامل ويتعاضد لبناء مجتمع يقوم على مواطنة فاعلة، ويتأسَّس وفق رؤية تقوم على التراحم والتشارك والتعاون.
ولأن الاحتفاء بيوم المرأة العمانية يؤكد العناية الرشيدة بالمرأة ودعمها وتمكينها في كافة المجالات؛ فإن الوعي بأهمية هذا اليوم يبرز من حيث توجيهه إلى المفاهيم التي انطلق منها من ناحية، وترجمته إلى مبادرات وبرامج تخدم المرأة خاصة تلك التي تحتاج إلى الدعم من ناحية أخرى؛ الأمر الذي سيوفِّر إمكانات كبرى يمكن الاستفادة منها في خدمة المجتمع والمساهمة الفعلية في تحقيق الأهداف الوطنية.
عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.