قبل نحو أسبوعين صار النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو «ترند» في صحافة العالم بعد الأزمة التي نشبت بينه وبين مدرب منتخب بلاده جورجي جيسوس، ثم مغادرته معسكر المنتخب متهمًا المدرب واتحاد الكرة في البرتغال بعدم معاملته بما يستحق كأحد أساطير العالم في كرة القدم. ورغم أن هذا الاتهام لا يخلو من الصحة، خصوصًا بعد اللغة العدائية التي أبداها جيسوس تجاه اللاعب، إلا أن الأمر يحتاج مع ذلك إلى شيء من النظر في مسيرة رونالدو نفسه.
في الحقيقة كلما شاهدت كريستيانو في السنوات الأخيرة، وتحديدًا بعد مونديال 2022 تذكرت الشيخ حسني بطل فيلم «الكيت كات» للمخرج داود عبد السيد المقتبس من رواية «مالك الحزين» لإبراهيم أصلان.
هذا الفيلم الذي عُرض لأول مرة عام 1991، أي حين كان عمر اللاعب البرتغالي ست سنوات فقط. في هذا العمل الفني مشهد مؤثر يصر فيه الشيخ الضرير على قيادة الدراجة النارية التي يسميها المصريون «موتوسيكل» دون أن يضع أي اعتبار لفقدانه بصره، وكأن العمى أمر عادي لا يمنع المرء من فعل أي شيء، أو أن اعتراف حسني بهذا العمى أشد عليه من خطر قيادة الدراجة! وهذا ما يفسر أنه حين واجهه أحدهم في الفيلم بأنه أعمى، رد عليه محتجًا: «راح النور يا حمار، مش عميت». فهل يشبه رونالدو الشيخ حسني حقًا؟
بعد أقل من أربعة أشهر يكمل كريستيانو عامه الثاني والأربعين، ومع ذلك ما زال مصرًا على قيادة دراجة الشيخ حسني، أعني أنه لا يزال يريد أن يلعب أي مباراة يشارك فيها من بدايتها حتى تنتهي التسعون دقيقة، سواء كانت مع ناديه النصر السعودي أو منتخبه البرتغال، وأن يكون هو محور اللعب الذي تتجه إليه تمريرات زملائه وعيون جمهوره، وأن يظل هو كريستيانو الذي عرفه العالم منذ أول مباراة رسمية له مع نادي سبورتينغ لشبونة عام 2002 حين كان عمره حينئذ 17 عامًا و6 أشهر تقريبًا. وهنا تكمن المعضلة.
لا أحد ينكر طبعًا أن رونالدو ما زال قادرًا على لعب كرة القدم؛ فهو إلى اليوم يسجل الأهداف، وإن لم يكن بالوتيرة نفسها، ويملك من اللياقة ما لا يملكه كثيرون أصغر منه سنًا، لكن المشكلة أن لسان حاله في الآونة الأخيرة أغنية أبي بكر سالم «مشى كل الزمن، وأنا في مكاني «...» تغيّر وقت.. وجاني وقت وأنا بعدي.. أنا ذاتي». هو، كما الشيخ حسني، لا يريد الاعتراف بما آل إليه من حال. وكلاهما يخوض معركة مع حقيقة يعرفها، لكنه لا يريد أن يعترف بها، ولا أن يمنحها حق تحديد ما يستطيع فعله في الحياة.
ويبدو أن رونالدو يرى أن صورته المثالية السابقة كلاعب فذ فاز بخمس كرات ذهبية تسمح له بامتيازات خاصة في الملعب، كأن يلعب أساسيًا حتى إن كان ثقيل الحركة وضعيف التهديف مقارنة بالسابق، وألا يشارك في أداء الواجبات الدفاعية ضد الفريق الخصم، وكل ما عليه فقط هو انتظار فرصة تهديفية في منطقة جزاء الخصم أو خلفها بقليل، حتى صار بعض المحللين يزعمون أن الفريق الذي يلعب له كريستيانو يلعب بعشرة لاعبين فقط!
وإذن، فإن مشكلة رونالدو الحقيقية هي عدم اعترافه بالزمن وما قد يفعله بالمرء، ويصبح هذا الاعتراف أكثر صعوبة إذا كان محاطًا بجمهور كبير لا يحتفظ له إلا بصورته الجميلة فقط؛ فمجموع متابعي حساباته على منصات التواصل الاجتماعي يتجاوز المليار بينهم 680 مليون متابع على إنستغرام وحده. وكلما نشر صورة أو مقطعًا انهالت عليه ملايين الإعجابات والتعليقات التي ما زالت تراه «الدون» و«الأسطورة»، وتستدعي صورته في قمة مجده: ذلك الفتى الذي يركض أسرع من الجميع، ويقفز أعلى منهم، ويحسم المباريات الكبرى بأهدافه التي يسجلها بكل الوضعيات، ثم يحتفل بقفزته الشهيرة صارخًا: «سييه».
وقد رأينا كيف أن مغادرة رونالدو معسكر المنتخب في كوبنهاغن غاضبًا من المدرب أثارت انقسامًا كبيرًا في البرتغال، وخرج بعض أنصاره لاستقبال المنتخب في مطار بورتو للاحتجاج على جيسوس، كما رأينا لافتات ولوحات في أكثر من مكان تضامنًا معه. وهذه نقطة تقودنا إلى أن هذا الجمهور الكبير في البرتغال، بل في العالم كله بما في ذلك عُمان، أصبح من حيث لا يقصد مرآة مشروخة تؤخر اعتراف صاحبها بأن الزمن مر سريعًا.
غير أنه ينبغي إنصاف رونالدو قليلًا؛ فالمشكلة التي يواجهها اليوم يمكن عدّها الوجه الآخر للصفة التي صنعت أسطورته. فقد أمضى هذا اللاعب حياته كلها وهو يرفض أن يصدق أن ثمة حدًا لا يستطيع تجاوزه. قيل له: إن ميسي أفضل منك، فلم يستسلم، وظل ردحًا كبيرًا من مسيرته الكروية يلاحقه بالأهداف والبطولات والكرات الذهبية. وكلما تقدم به العمر رأيناه يعتني بجسده أكثر، وظل يسجل الأهداف في سن اعتزل فيها كثير من أبناء جيله. ومن الطبيعي أن من عاش حياته وهو يتجاوز كل حد يوضع أمامه سيصعب عليه أن يدرك أن ثمة حدودًا يأتي وقت يصبح فيه الاعتراف بها أمرًا لا مناص منه. لعل رونالدو لم يصل إلى ما وصل إليه إلا لأنه كان دائمًا يرفض صوتًا يقول له: لن تستطيع. والمفارقة أن الصوت نفسه يقول له اليوم شيئًا مختلفًا بينما تعود هو طوال حياته ألا يصغي إليه. تمامًا كالشيخ حسني الذي لم يكن يجهل بالتأكيد أنه ضرير حين قرر قيادة الدراجة. المسألة إذن ليست معرفة الحقيقة بقدر ما هي قبول النتائج المترتبة عليها. أن تعرف أنك لم تعد الشخص نفسه شيء، وأن تسمح لهذه المعرفة بأن تغيّر مكانك ودورك وطريقة عيشك شيء آخر. وربما كان أصعب ما يفعله الإنسان في نهاية مرحلة عظيمة من حياته أن يعرف الفرق بين الاستسلام للزمن والتصالح معه.
سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني