من يمنع الإنسان أن يتحدث بصدق؟ ومن يعترض عليه في أن يختار اللون الذي يريده؟ من يكف يديه عن الإحسان؟ من يقول له لا تستمع إلى ما ينفعك؟ من يطلب منه أن يرتكب ممارسة ما غير مقتنع بها ويستجيب؟ من يجبره على أن يتخذ موقفا مغايرا لما هو مقتنع به؟ وغير ذلك من الأمور المتخيلة والتي تتقاطع مع قناعات الفرد التي يؤمن بها، فهذا كله وأكثر منه هو (بين أيدينا..) ونحن من نملك زمام المبادرة بالقبول أو بالرفض،

وليس لأحد يمارس أمرا مجبرا على آخر يخالف ما هو مقتنع به، إلا في الحالات العامة الخاضعة للقوانين والأنظمة، فهذا شأن آخر، ولا تتناوله هذه المناقشة إطلاقا.

تذهب الفكرة هنا أكثر إلى البعد الأخلاقي عند الفرد، وهو البعد المتأصل في الفطرة البشرية السليمة غير الملوثة بسرديات «اغمض عينيك واتبعني» وإنما تنطلق من قوة التحقق أو السيطرة الذاتية «اليقين» وأننا لا ننطلق من فراغ فمحصلنا الاجتماعي الأخلاقي المكتسب منذ البدايات الأولى لعمر التنشئة متحقق بلا جدال، ويتم توظيفه بما يحقق التوازن النفسي، وقوة الشخصية،

سواء أكان ذلك أمرا ماديا ملموسا في صورة تبادل المنافع بين الناس، أو أمرا معنويا محسوسا يترجمه الفرد عبر ممارساته اليومية؛ سواء فيما يعينه من شؤون حياته، أو ما يخص علاقاته بمن حوله، ومن يكن على هذا المستوى من التحقق؛ فإنه -يقينًا- ينطلق من قاعدة ثابتة تظل نسبة خطأ ارتكابها قليلة جدا، ولذلك نقول: «هذا الأمر بين أيدينا» أو «الأمر محسوم» أو «لا تحاتي» أو «تم» فهذا اليقين الذي يعبر عنه بألفاظ متنوعة لا ينطلق من فراغ وإنما من حصيلة معنوية متجذرة باليقين، وهذا يؤكد قوة الشمولية في الإحاطة بالأمر ذاته أو غيره، وهو ما نحسب أنفسنا أننا نملك ناصيته أي (بين أيدينا ..) ولكن على الرغم من هذا اليقين؛ إلا أن نسبة الخطأ واردة بكل قوة، فمقاييس البشر في كثير من أمور حياتهم هي مقاييس نسبية ومتفاوتة، بمعنى ما ينطبق على أمر ما يخص حياتنا؛ يختلف عمّا يخص أمرا آخر، وإن كان متعلقا بحياتنا كذلك، فتربيتنا لأولادنا نحسب أن أمرها محسوما، فنحن -وفق قناعاتنا أننا نملك ناصية هذه التربية- نوجه أولادنا وفق رؤانا المتحصلة من خبرة الحياة،

ولكن هل سيظل أبناؤنا على وتيرة تربيتهم نفسها التي نشأوا عليها منذ نعومة أضفارهم؟ الجواب: لا، فمكوّنهم الاجتماعي يتوارد عليهم من كل حدب وصوب، بدءا من المدرسة ــ بعد البيت ــ ثم المجتمع الواسع المحيط، وكلما كسبوا عمرا ممتدا من السنوات، تغيرت قناعاتهم ومواقفهم بناء على كثير من المكتسبات التي تحصلوا عليها طوال فترات سنهم،

وسيظلون كذلك إلى أن يكونوا هم في الموقع ذاته الذي تلقوا منه تعليمات الآباء، حيث يقومون بالدور ذاته، وهذا يعطي مؤشرا على أن العلاقة مع الآخر لا يمكن الجزم بخضوعها للمناخات الخاصة لكل فرد، ولذلك لا يمكن أن تراهن على فلان من الناس وفق مفهوم (بين أيدينا ..) فذلك تحرره قناعاته ومواقفه وتقييماته عن الخضوع وفق هذا المفهوم الخاص جدا.

والمسألة ليست متوقفة على تربية الأولاد الذين هم (بين أيدينا ..) في مرحلة ما، بل تذهب الرؤية بعيدا إلى كل ما هو لنا علاقة به، وله علاقة بنا في مجالات العمل، في مجالات العلاقات، في مجالات العبادات، في مجالات الأنشطة والخدمات، وفي مجالات التعاطف الإنساني كالمشاركات الوجدانية مع القريب والبعيدين عنا جغرافية وشعوبية، وعرقية، في كل هذا الاتساع الميداني (ببعديه المادي والمعنوي) خاضع لما (بين أيدينا..) من القناعات، والرؤى، واتخاذ المواقف،

فلا أحد يمكنه أن يجبرنا على تبني مواقف لسنا مقتنعين بها، ولا ممارسات لا نرى فيها مصالحنا، أو مصالح عامة، وفي كل ذلك فعقدة التسيير ليست واردة هنا إطلاقا، وهذا الأمر في حالتنا الطبيعية كبشر، أما من يخضع لعمليات توجيه، وتسيير، خارجة عن مفهوم (بين أيدينا ..) فذلك غير معني هنا في هذه المناقشة.