يُشكل السابع عشر من أكتوبر من كل عام محطة وطنية يستحضر فيها المجتمع العُماني مسيرة التمكين والعطاء التي خاضتها المرأة العُمانية، والتي أثبتت من خلالها حضورًا فاعلاً وبصمة استثنائية في كافة ميادين العمل الوطني والتنموي. وفي القطاع الصحي، تتجلى هذه المسيرة في نماذج طليعية استطاعت خوض التحدي في أدق التخصصات الجراحية وأكثرها تعقيدًا. وفي هذا الملحق الخاص بـ "يوم المرأة العُمانية"، تسلط "جريدة عُمان" الضوء على تجربة الدكتورة ريما بنت أحمد الشنفري، استشارية ورئيسة قسم جراحة العظام بمستشفى السلطان قابوس بصلالة؛ للوقوف على مسيرتها العلمية والمهنية، وكيف أسهمت كفاءتها في إحداث نقلة نوعية في الخدمات الجراحية المتخصصة بمحافظة ظفار.

**media[3546340]**


رحلة التحدي من فرنسا إلى أرض الوطن
تستهل الدكتورة ريما الشنفري حديثها لـ «عُمان» بالتعريف بالبدايات الشغوفة التي قادتها لارتداء معطف الجراحة، موضحةً أن رحلتها المهنية كانت مسيرة حافلة بالطموح والعمل الدؤوب والتحدي؛ فمنذ لحظة تخرجها من كلية الطب، وضعت نصب عينيها هدفًا أسمى يتمثل في تقديم إضافة فارقة للمنظومة الصحية في سلطنة عُمان. وأوضحت أنها اتجهت إلى فرنسا لنيل تدريب متقدم ومتخصص، حيث نجحت في الحصول على "البورد الفرنسي" في جراحة العظام، أتبعته بـ"زمالة متقدمة" ركزت على جراحات الركبة، والإصابات الرياضية، وقسطرة واستبدال المفاصل.
وحول عودتها إلى أرض الوطن، تؤكد الدكتورة : أن الدافع الأساسي لعودتها كان نقل هذه الخبرات العالمية والتقنيات الحديثة لخدمة أبناء محافظة ظفار، وتطوير الخدمات الجراحية الميدانية في مستشفى السلطان قابوس بصلالة، ليتسنى للمريض تلقي أفضل مستويات العلاج بالقرب من أسرته ودون تكبد مشقة السفر إلى العاصمة مسقط أو الخارج. وتُعرب عن فخرها واعتزازها بقيادة قسم جراحة العظام بالمستشفى والعمل جنباً إلى جنب مع فريق طبي وفني متكامل يسعى دومًا لتقديم رعاية صحية آمنة ومتقدمة.

**media[3546335]**


الكفاءة والثقة.. هما أهم ركائز التميز الطبي والقيادة
وحول دوافع اختيارها لتخصص جراحة العظام تحديدًا، رغم كونه يتطلب جهدًا بدنيًا وتركيزًا عاليًا وممارسة دقيقة، توضح الدكتورة ريما الشنفري أن هذا التخصص يمنح الطبيب فرصة فريدة لتغيير حياة الإنسان بشكل مباشر وملموس؛ إذ قد يصل المريض إلى العيادة وهو يعاني من عجز عن الحركة أو المشي، وعقب التدخل الجراحي والبرنامج التأهيلي، يعود لممارسة حياته الطبيعية، مشيرةً إلى أن هذا الأثر الإنساني العميق كان المحرك الأكبر لشغفها، إلى جانب أن طبيعة التخصصات الجراحية الدقيقة والمتطورة باستمرار مع التقنيات الحديثة، يجعل الطبيب في حالة تعلم دائم.
وعن نظرة المجتمع والوسط الطبي لدخول طبيبة عُمانية تخصصًا غلب عليه الحضور الذكوري لعقود، تُشدد الشنفرية على أنها آمنت منذ البداية بأن التميز المهني لا يرتبط بالجنس إطلاقًا، بل بالكفاءة، والتحصيل العلمي، والعمل الجاد. وتوضح الدكتورة أنها ركزت على تطوير مهاراتها العلمية والميدانية، والمشاركة المستمرة في المؤتمرات الدولية، مؤكدة أن ثقة المرضى وتقدير زملاء المهنة يُكتسبان بالنتائج الجراحية الناجحة والالتزام المعرفي. وتعتبر قيادتها لأحد أهم الأقسام التخصصية في مستشفى السلطان قابوس شرفًا ومسؤولية مضاعفة تجاه المرضى والفريق الطبي والمجتمع، معربة عن أملها في أن يظل القسم نموذجًا للعمل الجماعي والجودة الصحية.

**media[3546336]**


250 عملية رباط صليبي ومئات التدخلات الجراحية
وتنتقل الدكتورة ريما الشنفري بالحديث إلى المحور الفني والعمليات الجراحية؛ حيث تكشف أنها أجرت منذ انضمامها لكادر مستشفى السلطان قابوس بصلالة مئات العمليات الجراحية المتنوعة، والتي شملت إصابات الملاعب، واستبدال المفاصل، وجراحات المناظير، وتثبيت الكسور المعقدة. مؤكدةً أن الأهم بالنسبة لها لا يكمن في الأرقام والتعداد بقدر ما يتجلى في جودة المخرجات وسلامة المرضى وتحسين نمط حياتهم. وعن جراحات الركبة والأربطة، تذكر الدكتورة ريما أنها أجرت أكثر من 250 عملية جراحية معقدة لإعادة بناء الرباط الصليبي، ومناظير الركبة، ومعالجة عدم استقرار الرضفة (عظمة الركبة)، وإصلاح الأربطة المتعددة، مؤكدة أن هذه العمليات تحقق نسب نجاح مرتفعة للغاية عندما يتم اختيار الحالة بدقة وإجرائها وفق المعايير الطبية الدولية، مع التزام المريض بالبرنامج التأهيلي.
وعند سؤالها عن الحالات الإنسانية التي تركت أثرًا في ذاكرتها المهنية، تروي الشنفرية قصة مريض كان يعاني من إصابة قديمة في الركبة منذ الصغر تسببت في عجز كامل عن ثني المفصل لأكثر من 15 عامًا. وتضيف أنها أجرّت له عملية جراحية مفتوحة تم فيها استئصال الالتصاقات والنتوءات العظمية الزائدة، وبفضل إصرار المريض والتزامه بالعلاج الطبيعي، استعاد قدرته على ثني الركبة والصلاة بشكل طبيعي. وتشير إلى أن جراحات إعادة بناء الأربطة المعقدة والعمليات التصحيحية للركبة تعتبر بصمتها المهنية الخاصة، لكونها تتطلب تخطيطًا دقيقًا ودراسة متكاملة لميكانيكية الحركة.
توطين العلاج وتقليص التحويلات خارج ظفار
وفيما يتعلق بالتطور المؤسسي داخل قسم جراحة العظام بمستشفى السلطان قابوس، توضح الدكتورة ريما الشنفري أن القسم شهد إدخال تقنيات وأجهزة حديثة في جراحات المناظير المتقدمة، واستبدال المفاصل، وإعادة بناء الأربطة، مما رفع من جودة الخدمة وقلل فترة التعافي للمرضى. وتؤكد أن القسم أصبح اليوم يُجري عمليات دقيقة كان المرضى يضطرون سابقًا للسفر من أجلها إلى مسقط أو خارج الوطن، مثل جراحات الكتف بالمنظار، وترميم إصابات الحوض المعقدة، والترميم المفصلي، واستبدال مفصل الركبة. وتشير الدكتورة إلى أن هذا التوسع الجراحي أسهم بشكل مباشر وملموس في تقليل التحويلات الطبية خارج المحافظة، مما خفف الأعباء المادية والنفسية عن المرضى وأسرهم، وسرّع من حصولهم على الرعاية الطبية دون الحاج للسفر خارج المحافظة. وعن آليات التعامل مع قوائم الانتظار، أشارت إلى أن إدارة المستشفى والكادر الطبي يعملون على رفع الكفاءة التشغيلية لغرف العمليات وتنظيم القوائم حسب الأولوية الطبية، مشيرة إلى أنه تم تنظيم قوائم عمليات إضافية خلال العطلات الأسبوعية لتقليص فترات الانتظار واستيعاب أكبر عدد من الحالات.
جاهزية طوارئ "خريف ظفار"والحد من إصابات الملاعب
وحول استعدادات القسم لموسم «خريف ظفار» السياحي الذي يتوافد إليه أعداد كبيرة من الزوار إلى محافظة ظفار، توضح الدكتورة ريما أن الموسم يشهد كثافة في أعداد المراجعين، مما يستدعي تعزيز جاهزية الطواقم الطبية وتنسيق جداول المناوبات بالتعاون مع أقسام الطوارئ والتخدير وغرف العمليات. وتُبين الشنفرية أن أكثر الاصابات الشائعة خلال موسم الخريف تتنوع بين كسور الأطراف، والتواء المفاصل، وإصابات الكاحل، إضافة إلى الحوادث المرورية والانزلاقات في المواقع الجبلية والسياحية. وتهيب بجميع الزوار والسياح ضرورة أخذ الحيطة والحذر، وارتداء الأحذية المناسبة للمشي في المناطق الجبلية والرطبة، ومراقبة الأطفال، والالتزام بقواعد السلامة المرورية على الطرق الزلقة.
أما فيما يخص إصابات الركبة والرباط الصليبي بين الشباب والرياضيين، فتذكر الدكتورة أن هناك زيادة ملحوظة في هذه الحالات نتيجة ممارسة الرياضات التنافسية دون الالتزام ببرامج الإحماء والوقاية البدنية ، وتحذر من أخطاء شائعة يقع فيها المصابون، مثل العودة المبكرة للملاعب قبل اكتمال الشفاء، أو إهمال العلاج الطبيعي، أو الاعتماد على تشخيصات غير متخصصة، موضحة أن برنامج تأهيل الرباط الصليبي للرياضيين يستغرق عادة بين 9 إلى 12 شهرًا لضمان العودة الآمنة للمنافسات.
التوعية الصحية ومخاطر "التجبير الشعبي"
وتتطرق الدكتورة إلى الجانب التوعوي، مبينة أن أمراض العظام الأكثر انتشارًا تتمثل في خشونة المفاصل، وهشاشة العظام، وآلام أسفل الظهر، والإصابات الرياضية. وتؤكد أن الوقاية منها تعتمد بالأساس على ممارسة النشاط البدني المنتظم، والحفاظ على الوزن المناسب، والتغذية المتوازنة. وعن التعامل مع «المجبرين الشعبين»، تعرب الشنفرية عن احترامها للتراث والموروث الشعبي، لكنها تحذر بشدة من اللجوء للطب الشعبي في علاج الكسور والإصابات المفصلية المعقدة.
وتوضح أن التعامل مع الجهاز الحركي يستلزم تشخيصًا علميًا بصور الأشعة والفحص السريري المعمق؛ إذ إن التجبير غير العلمي قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة كالتئام العظام بشكل خاطئ، أو حدوث تشوهات دائمة، أو إلحاق الضرر بالأعصاب والأوعية الدموية، مما يجعل التدخل الطبي اللاحق أكثر تعقيدًا وصعوبة. كما تنبه إلى ضرورة تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة الشائعة، كمفهوم أن "الراحة المطلقة" هي العلاج الأمثل لكافة إصابات العظام، أو أن العلاج الطبيعي أمر ثانوي، مشددة على أن التشخيص الدقيق هو الحاكم الأساسي لوضع الخطة العلاجية لكل حالة.
إعداد الكوادر الوطنية ورؤية المستقبل
وحول إدارة الوقت والعمل المهني، تذكر أنها توفق بين مسؤولياتها الإدارية والعمل الجراحي وحياتها الأسرية من خلال التنظيم المسبق، وتحديد الأولويات، والاعتماد على العمل الجماعي وتفويض المهام داخل الفريق الطبي، مؤكدة أن أسرتها هي مصدر الدعم الحقيقي والقوة التي تمنحها الطاقة للاستمرار.
وعن دور القسم في تأهيل الكوادر الوطنية، توضح ريما الشنفري أن القسم يولي أهمية قصوى لتدريب الأطباء العُمانيين الشباب من خلال الإشراف المباشر، والاجتماعات العلمية، والمشاركة في برامج المجلس العُماني للاختصاصات الطبية، وتشجيع البحث العلمي لحث الأطباء على مواكبة المستجدات العالمية.
وتختتم الدكتورة ريما الشنفري حديثها لـ جريدة «عُمان» بالحديث عن الرؤية المستقبلية، مؤكدة السعي لتحويل قسم جراحة العظام بمستشفى السلطان قابوس بصلالة إلى مركز مرجعي متقدم في محافظة ظفار، مع التوسع في التخصصات الدقيقة وإدخال التقنيات الحديثة.
وبمناسبة «يوم المرأة العُمانية»، توجه الدكتورة ريما الشنفري رسالة ملهمة إلى الفتيات والشابات الراغبات في خوض غمار التخصصات الجراحية والدقيقة، تدعوهن فيها إلى الإيمان بقدراتهن، والثقة بإمكاناتهن، واتخاذ العلم والصبر والمثابرة جسورًا نحو التميز والريادة؛ فالأحلام الكبيرة لا تقف أمامها صعوبة التخصص، ولا تحدّها الصور النمطية، وإنما تصنعها الإرادة الراسخة والعمل الدؤوب. وتؤكد أن المرأة العُمانية أثبتت جدارتها في مختلف الميادين، وأن أمامها آفاقًا رحبة لتواصل مسيرة الإنجاز والإبداع، مشددةً على أن الوطن لا ينهض إلا بتضافر سواعد أبنائه وبناته، وأن الاستثمار في الكفاءات الوطنية، وتمكينها من بلوغ أعلى مراتب التخصص والتميز، هو استثمار في صحة المجتمع ومستقبله. فكل امرأة تشق طريقها بالعلم والعزيمة لا تحقق حلمًا شخصيًا فحسب، بل تفتح نافذة أمل لجيل جديد، وتضيف إلى مسيرة الوطن قصة نجاح تؤكد أن الطموح حين تسنده المعرفة والإرادة يتحول إلى إنجاز، وأن العطاء المخلص هو الأثر الذي يبقى.