كانت الأنسام تتوالى نقية عليلة في ذلك الصباح الندي، وكانت قرية سرور تتضوّأ بنور الفجر الباكر. وغابات النخيل الباسقة، الممتدة في نظامها البديع، تخلع قبعاتها الضخمة السوداء، لتظهر للوجود كأيادٍ ساحرة مرفوعة إلى عنان السماء في ابتهالات صامتة.


كانت الطمأنينة تأتي هدية إلهية صباحية، مفعمة بالسكينة. وأخيرًا، أخذت الشمس تنشر شلال أشعتها الدافئة، لتغتسل النباتات وأديم الأرض بما تبقى من قطرات الندى. دبّت الحياة فجأة في الكائنات؛ فترى أسراب الطيور، باختلاف أنواعها، تتطاير نشطة مرحة، مؤذنة بمهرجان صباحي حافل. بينما مياه فلج الحيلي، الصافية بغزارة تدفقها، تجري في جدولها الملتوي الممتد بين بساتين القرية.


كان المكان بمجمله يدعونا، نحن أطفال القرية، إلى اللعب والصخب، ونحن نترقب إطلالة العم حسن، الذي كان يأتينا غالبًا من بين ثنايا الحقول، عبر الشارع الترابي المتعرج، مارًّا بين أكوام المنازل الصغيرة المتراصة، المتواضعة في بنائها آنذاك.


بلهفة وشغف بالغين، كانت أرواحنا تنتظر وصوله منذ الصباح الباكر، على مشارف قريتنا سرور، ونحن نحمل مصروفنا في أيدينا.


كان العم حسن يقود سيارة بيكاب خضراء، تجر خلفها عربة بيضاء كبيرة، يُخيّل إلينا لو دخلها أطفال قريتنا جميعًا لوسعتهم. كانت العربة هائلة الحجم في أعيننا الصغيرة، ونحن نرقب وصولها بأعين متلهفة، وهي محمّلة بشتى أنواع الحلوى والسكاكر، ومختلف البضائع التي أوصى بطلبها أهالي القرية؛ إذ لم تكن المحلات التجارية متوفرة في قريتنا في أيام السبعينيات.


ولهذا كان لقدومه فرحة وسعادة بالغتان لدى جميع أطفال القرية. كان كل يوم جمعة بالنسبة لنا يومًا للفرح، ولهفة للحصول على كل ما يتمناه أطفال القرية، بل وما يحتاج إليه سكانها أيضًا.
كانت هيئة العم حسن توحي بمزيج عجيب من العطف والحزم والوقار. ولم تكن ضخامة جسمه تخيف أطفال القرية، بل كانت توحي لهم بالأمن والأمان والكثير من الحنان، على عكس ما كان يخيف الأطفال عادة من الرجل ذي البنية الضخمة.


وكانت رؤيته بعمامته البيضاء، المرتبة بشكل مميز على قمة رأسه، تجعلنا نقف له بأدب، ونصطف طابورًا نخشى غضبه ونحسب له ألف حساب. فقد كان يعاقب الأولاد المشاغبين بعدم بيعهم السكاكر إذا رأى منهم سوء السلوك، أو إذا اشتكت منهم إحدى الأمهات.


كان ذا مكانة وسلطة وهيبة لدى الصغار والكبار.


وفي فترة راحته، عند الظهيرة، كنا نجلس حوله، مفترشين بساط الأرض في حلقة واسعة. كنت أجلس في آخر طرف الحلقة، أستمع ولا أتكلم؛ فقد كنت غير قادر على الكلام في حضرة العم حسن. كنا نستمع بأنفاس مبهورة إلى حكاياته المثيرة التي كان يحكيها لنا.


كانت أغلب حكاياته تدور حول الأنبياء والرسل، وما أيدهم الله به من معجزات مذهلة، خارقة لحدود العقل، تلهب خيالاتنا الصغيرة افتتانًا. وكان أحيانًا يسرد لنا القصص العجيبة عن الطائر المسحور الذي يحلق عاليًا بالأولاد العاصين والمشاغبين، بعيدًا عن أهاليهم إلى مكان مجهول، حتى يتوبوا ويعودوا إلى الصواب.


كل ذلك ملأني بهجة حلوة، وأذاب عن عقلي شيئًا كالضباب. لقد كنا نستمتع كثيرًا بما يحكيه لنا العم حسن، فقد كانت حكاياته تجد صدى كبيرًا في قلوبنا، وتعمل في تقويم سلوكنا عمل السحر.
كان يُخيّل إليّ أنه أحد الملائكة الذين ينزلون من السماء ليرشدوا أبناء القرية إلى طريق الصواب.


اكتشف أبي ما كان يدور في خاطري، فضحك كثيرًا، وسرعان ما شاع الخبر في القرية الصغيرة، ليصل إلى العم حسن. نظر إليّ بابتسامته الطيبة، ثم نلت شرف الجلوس بجانبه، ليحدثني عن رب العالمين.
أفهمني أن ملائكة الله، جل جلاله، لا يراهم أحد، وكيف أن الله أنزل كتبه على من اختارهم من صفوة عباده الصالحين، ليبلغوا رسالاته إلى الناس أجمعين.
ثم قصّ عليّ قصة أحد الجبارين الطغاة، الذي أغواه الشيطان وأوهمه بأنه إله يُعبد، وأنه القادر على كل شيء، حتى انتهت حياته بسبب بعوضة أكلت لبّ رأسه.


كنت مسكونًا بالأفكار، وكانت أفكاري في تلك الأيام بحجم سذاجة طفولتي. نشدت الوحدة لأفكر فيما سمعته، وقام في نفسي صراع بين ما أسمعه من العم حسن وما كنت أعتقده من أفكار.
وعندما أنظر إلى وجه العم حسن، كان يتملكني شعور خفي بأنه ليس كباقي البشر، لكثرة ما رأيت وسمعت عن صدقه وتقواه.


فقد كان معلمًا كبيرًا، وكنا نحن أطفال القرية ننال تعليمًا طيبًا على يد ذلك البائع المتجول، دون أن نعرف، أو حتى يدرك آباؤنا ذلك.
لم يعد في هذا الزمان مثل العم حسن، الذي كان يمارس عمليتين في آن واحد: بيع الحلوى، وتقديم جرعة من الأدب وحسن الكلام.


كان يعلّمنا دون أن يدري أنه يطبق أساليب تربوية أُفردت لها الكتب والمراجع، لأنه، في حقيقة الأمر، كان يقدم لنا كلام الله عز وجل، ذلك النور الذي بدأ مع بداية الخليقة.
لقد كنت فخورًا لأن هذا الرجل الفذ علّمني الكثير. ويكفيني أنني تعلمت على يده حب الخير، والصبر حين الضيق أو الغضب، وتعلمت منه الكثير مما أعرفه الآن، وما أتقنه، وما أحبه، وما أرفضه.
علّمني عن روعة الحياة وجمالها، وعن قسوتها، وعن سوء الواقع والظلم الاجتماعي.


كان يخبرنا بأسلوبه هو، وبطريقته الخاصة، الخالية من الانفعال والمواعظ الطويلة وإلقاء الحكم العصماء؛ وكأنه كان يرسم لنا حكاياته بالكلمات.
وليتني أكون مثل العم حسن؛ حليمًا مع الناس، بارًّا بمن حولي، محبًّا ومتسامحًا وحنونًا مع الأطفال الصغار.
رحم الله العبد الصالح... العم حسن.


لقد رحل الرجل، وبقي أثره. رحلت العربة البيضاء، وبقيت في الذاكرة حكاياتها. ورحلت أيام الجمعة القديمة، لكن فرحتها ما زالت تسكن في قلوب من عاشوها.
لم يكن العم حسن مجرد بائع حلوى يأتي إلى قريتنا كل يوم جمعة؛ كان يحمل معه شيئًا أكبر من السكاكر والبضائع. كان يحمل إلينا الحكاية، والكلمة الطيبة، والنصيحة، والقدوة.
كان يبيع الحلوى، لكنه كان يزرع فينا الأخلاق الطيبة.


ولعل أجمل ما بقي من تلك الأيام أنني، كلما تذكرت العم حسن، لم أتذكر عربة الحلوى وحدها، بل تذكرت رجلًا علّمني، دون أن أدرك وأنا طفل، أن بعض الناس يمرون في حياتنا كأنهم عابرون، ثم نكتشف بعد سنوات أنهم تركوا في أرواحنا أثرًا باقيًا لا يزول.


رحم الله العم حسن، وجزاه عنا خير الجزاء، فقد كان بائع حلوى، لكنه كان في الحقيقة معلمًا للحياة.