في البداية، دعونا نضع بعض النقاط على الحروف لنعرف كيف نقرأ النص جيدًا، ولنبدأ بسؤال أنفسنا قبل الغير: لماذا الشخصيات المزعجة مكروهة أينما وُجدت؟
الإجابات قد تتفرق، لكنها تأتي في السياق نفسه. بعضنا يصاب بالضجر والملل من محاورة أشخاص يتعمدون تصويب أعمالهم الخاطئة على أنها صحيحة، لا يفتحون أبواب الحوار البنّاء أو يصغون إلى الرأي الآخر.


مثل هذه الفئة من الناس ترى أن الخطأ دائمًا هو الصواب!
لذا قد تتعجب من أفكارهم المجنونة وطريقة حديثهم وتفاعلهم مع الأحداث عندما يغوصون في أعماق الموضوعات ويدلون بدلوهم في النقاط الخلافية.


هناك دراسة علمية حديثة تؤكد أن الأشخاص المزعجين يسرعون في إصابة أقرانهم بالشيخوخة المبكرة، وربطت تلك الدراسة هذه النتيجة بزيادة نسب «الاكتئاب أو الإرهاق» في كل مرة يلتقي بهم القرين على المدى الطويل.


وليس بعيدًا عن هذا الإطار، فيمكن أن تسمع من أحد الأصدقاء يصف زميلًا آخر بأنه «شخصية مزعجة»، ويعلل ذلك الوصف من خلال ما يسببه من ضجيج في المكان الذي يتواجد فيه، أو نظرته إلى الحياة بوجه عابس محبط، أما سلوكه الشخصي فإنه يتآلف مع الاختلاف ويعتقد بأنها الطريقة المثلى ليقتنع الناس بأفكاره.


في أذهاننا، نؤمن دائمًا بأن الشخصية المزعجة كثيرة الكلام، غريبة الأطوار وغير مريحة في التعامل؛ لأنها لا تراعي أبدًا مشاغل الغير.


ليس كل المزعجين يأتون على شاكلة واحدة، فالبعض منهم لا يقصد إزعاج الآخرين، لكن أفعالهم أو أقوالهم قد تُحدث هذا الأثر السلبي في نفوس الآخرين. من المهم ملاحظة أنه على الرغم من أن الشخصية المزعجة قد لا تُحبها فئة من الناس، فإنها قد تكون أكثر حساسية وتعقيدًا، وأحيانًا مثيرة للشفقة والاهتمام.


بعض الأشخاص «المزعجين» لا يلتزمون بالوقت ولا المكان، فكل الظروف بالنسبة لهم مواتية لطلب أي خدمة شخصية، حتى لو كان ذلك على حساب راحتنا أو وقوعنا في إحراج مع الآخرين. ومن الغرائب في العصر الحديث أن تجد شخصًا يطلب منك تقديم المشورة والنصح له، وما إن تجتهد في إرشاده، وينفذ من الحيرة التي كان بها، «يستكثر عليك» قول كلمة شكر؛ لكي تشعر بأنه يشعر تجاهك بنوع من الامتنان، وهذا التصرف المجحف نراه يؤثر في نفوس الناس.


لذلك، الطريقة الصحيحة للعيش بهدوء هي أن تجعل حل مشاكلك الشخصية أولوية في حياتك، عوضًا عن حل مشاكل الأشخاص المزعجين.


في كتب التاريخ، ركز أرسطو على أثر الجليس في راحة البال، واعتبر أن المزعجين يكسرون التناغم الداخلي للإنسان، حيث قال: «الراحة لا تكمن في تجنب العمل، بل في تجنب الأشخاص المزعجين».


وعلى أرض الواقع، ألم يصادفك يومًا شخص تجده لا يقدم الاعتذار حتى إذا كان مخطئًا، ويرى نفسه دائمًا على حق؟ ألم يحزنك صنيع بعض الناس عندما يتوددون أمامك إلى الأشخاص من أجل استغلال طاقتهم لتحقيق أهداف شخصية، ثم يولون مدبرين دون اكتراث؟
لهذا علينا أن ننتقي من نصاحب، فكلما اقتربنا من الأشخاص المزعجين، كانت هناك فرصة لحدوث أمرين: إما أن ينقلوا العدوى إلينا ونصبح نسخة مكررة ومكروهة من الآخرين، أو نصاب بصداع مزمن لن يزول إلا بمفارقتهم.


من الاقتباسات المهمة التي تدعم فكرة العزوف عن مجالسة الأشخاص المزعجين ما عُرف عن الفيلسوف الألماني البارز شوبنهاور، الذي لُقّب بـ«فيلسوف التشاؤم» بسبب رؤيته القاتمة للحياة والوجود وتمجيده للعزلة، حيث كان يرى أن تجنب المزعجين ضرورة للحفاظ على الذكاء والهدوء - قد يكون الأمر مضحكًا - عندما تقرأه بتمعن، فقد كان شوبنهاور يرى أن «قدرة الإنسان على تحمل الإزعاج والثقلاء تتناسب عكسيًا مع قواه العقلية»، فكلما كان الإنسان أكثر ذكاءً وثقافة، قلّ تحمله لثرثرة وإزعاج الآخرين، واعتبر العزلة ملاذًا شريفًا من مجالسهم.


أمر البعد عن مخالطة «المزعجين» يُعدّ من الموضوعات التي تحتمل سردًا طويلًا وإضافة أمثلة كثيرة، لكن الخلاصة التي نقف عند ناصيتها تؤكد لنا بأن بيننا بشرًا مزعجين، سواء بأفعالهم أو أقوالهم، وفي كلا الأمرين هم أشخاص غير محبذ الجلوس معهم أو مصاحبتهم.


فالأشخاص المزعجون يجلبون لنا المشاكل ويختلقون لنا الصعاب، ومن الغريب أن يكونوا من نفس العائلة أو الأصدقاء أو الزملاء الذين نعيش ونتعايش معهم، فقد يكفي أن يكون لدى معظم الناس شخص مزعج واحد على الأقل في دائرتهم الاجتماعية حتى يشعروا بالضجر منه، وربما تنتقل العدوى إليهم إذا زادوا من مرافقتهم واعتناق أفكارهم المجنونة!