حدثان مهمان ازدانت بهما صفحة العلاقات الثنائية بين السودان وسلطنة عُمان في الأيام القليلة الماضية في هذا الشهر؛ الحدث الأول كان وصول باخرة الحاويات التابعة للخط العماني أسياد إلى ميناء بورتسودان في أول رحلة لها للموانئ السودانية الأسبوع الماضي، والحدث الثاني تسلُّم فخامة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان أوراق اعتماد سعادة السفير يعقوب بن بدر الرقيشي، سفير سلطنة عُمان المعتمد لدى جمهورية السودان، وذلك بالقصر الجمهوري في الخرطوم، إيذانا بانطلاق نسخة جديدة من العلاقات المتميزة بين البلدين ينتظر أن تكون مثمرة وتعود بالنفع على شعبي البلدين الشقيقين.

وتتميز العلاقات السودانية العمانية بأنها قديمة وتاريخية وراسخة ونموذج لحسن العلاقات والإحترام المتبادل، ورغم التباعد الجغرافي بين مسقط والخرطوم، إلا أن التقارب الوجداني والتواصل المستمر الذي ما انقطع بين شعبي البلدين زَوَى هذه المسافة وطوى بُعدها وقرّب الشقة بينهما وأتاح لمسقط والخرطوم أن تتناجيا بالبر والتقوى لا بالإثم والعدوان طوال مسيرة من العلاقات بينهما امتدت أكثر من نصف قرن من الزمان دون أن تشوبها شائبة ولا شائنة، ولم تعكر صفوها خلافات أو تطيح بها تقلبات الأحداث على كثرتها، ولم تعصف بها رياح المصالح المتبدلة، ولا تغير الأحلاف شرقا وغربا، ولم يؤثر عليها تعاقب الأنظمة والحكومات في السودان بمختلف مشاربها ومرجعياتها الفكرية.

وهذا الثبات الحادث في علاقات البلدين لم يأتِ من فراغ ولا عفو الخاطر، وإنما هو نتاج طبيعي لمعطيات وقيم مشتركة ظلت حاكمة لهذه العلاقات المتميزة وعلى رأس هذه المعطيات والقيم المشتركة الاحترام المتبادل، ومبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والحياد الإيجابي، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، والالتزام بقواعد القانون الدولي واحترام مؤسسات الأمم المتحدة، وحل النزاعات بالطرق السلمية، وعدم الاعتداء على الدول، وسياسة حسن الجوار ومراعاة المواثيق والأعراف الدولية في العلاقات مع الدول.

هذه القيم والمبادئ المشتركة هي التي قيضت لعلاقات الخرطوم ومسقط أن تظل ليست فقط قوية ومتماسكة، بل علاوة على ذلك متطورة ومزدهرة.

وقد كان لموقف عمان من الحرب في السودان القائم على الحياد الإيجابي أثره البالغ في تمتين عُرَى الأخوة والمحبة والصداقة بين الشعبين؛ فكانت عُمان وجهة آمنة آوى إليها السودانيون بعد اندلاع الحرب في بلادهم فوجدوا فيها الملاذ الآمن والحضن الدافيء والترحيب الرسمي والشعبي دون أن يتبعوا ذلك بمن أو أذى أو مضايقة أو افتئات؛ بل حب وإيثار ومواساة، وفتحت أبواب مؤسساتها التعليمية بمختلف مستوياتها أمام أبناء السودانيين ليلتحقوا بها وليكملوا عدة ما انقطع من تعليمهم بسبب الحرب اللعينة.

لم توصد عُمان أبوابها في وجه السودانيين ولم تعضلهم بشروط تعجيزية في الإقامة وحرية التنقل داخل الدولة ولم تفرض عليهم قيود صارمة وأعفت من جاوز مدة الإقامة من الغرامة مراعاة للظرف الذي تمر به بلادهم ووطأة الحرب التي سلبت الكثيرين منهم أموالهم وممتلكاتهم، وتبدلت أحوال العديد منهم من الغنى إلى الفقر.

وفي ربوع عُمان الرحيبة وجدوا العزاء والمواساة والسكينة والطمأنينة وسط أهلها الطيبين المطبوعين بجبلة التهذيب والقول الحسن والذوق وحسن الضيافة وطلاقة الوجه؛ فطاب لهم المقام وكيف لا يطيب فقلوبهم مجبولة على حب الطيب من القول والفعل والمعاملة.

إن رسو الباخرة العمانية على مرسى ميناء بورتسودان لهو بادرة طيبة وبداية موفقة لتعاون يرجى أن يكون مستداما بين السودان وسلطنة عُمان في مجال النقل البحري، وتتويجا لجهود بذلت خلال الفترة الماضية، كان رأس الرمح فيها السفير عصام عوض أحمد متولي سفير السودان لدى سلطنة عُمان، وثمرة لمباحثات جرت بين مسؤولين سودانيين وعمانيين نتج عنها توقيع مذكرة تفاهم بين الجانبين في مجال النقل البحري الذي تتميز فيه سلطنة عمان بخط ملاحي مهم في المنطقة.

ويتميز ميناء بورتسودان بأنه يشكل معبرا مهما وبوابة للتجارة نحو إفريقيا ودوره المميز في تجارة الترانزيت، ويتوقع أن يكون وصول الباخرة العمانية لبورتسودان فاتحة لمشروع أكبر للتوسع في حركة الربط الملاحي مع القارة الأفريقية والعالم العربي بما يعود بالخير والنفع على البلدين خاصة، ودول المنطقة بالعموم.

ويأتي تسلم أوراق اعتماد سعادة السفير يعقوب بن بدر الرقيشي سفير سلطنة عمان لدى السودان من قبل رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان دليلا على تطور العلاقات الثنائية بين البلدين، ومؤشرا لمستقبل زاهر لهذه العلاقات في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية؛ حيث من المنتظر أن تمارس مسقط دورا فعالا وإيجابيا في إرساء دعائم الأمن والاستقرار والازدهار الاقتصادي في السودان بعد تعافيه من آثار الحرب وتداعياتها السالبة التي طالت جوانب عديدة.

وبطبيعة الحال فإن الحرب التي دخلت عامها الرابع قبل ستة أشهر من الآن أحدثت دمارا غير مسبوق في شتى المجالات من بينها البنى التحتية والبيئة ومؤسسات التعليم العام والعالي، وهي مجالات يمكن أن تكون محل تعاون بين الجانبين، وكذلك يمكن بناء شراكات ذكية في مجال الإستثمار الزراعي والتعديني؛ حيث يمتلك السودان مساحات واسعة شاسعة وصالحة للزراعة، وثروة معدنية بكميات هائلة. ويأتي معدن الذهب على رأس هذه الثروة التي يقول الجيولوجيون أنها متنوعة، ويبلغ عددها ثلاثين معدنا وبكميات كبيرة من معادن نفيسة وأحجار كريمة وخام الحديد والنحاس واليورانيوم وغيرها من المعادن الأخرى.

كما أن السودان يمتلك ساحلا على البحر الأحمر بطول حوالي 750 كيلومترا وترقد في أعماق مياهه الإقليمية ثروات معدنية مهولة تنتظر التمويل والخبرة في التعدين في أعماق البحار لاستخراجها والاستثمار فيها؛ ولسلطنة عُمان هاتان الميزتان، هذا فضلا عن وجود ثروة سمكية هائلة في هذا الساحل، بجانب الميزة السياحية التي يتمتع بها ووجود الشعب المرجانية النادرة والمحميات البحرية والجزر والخلجان التي تعد موطنا لأنواع نادرة من الأسماك والسلاحف والكائنات البحرية، ومكانا لممارسة أنشطة الغوص البحري والصيد والرياضات المائية واستكشاف الأعماق؛ حيث إن الساحل يتميز بصفاء المياه وثراء الحياة البحرية عموما.

إن مجالات الشراكة التي يمكن أن تجمع بين السودان وسلطنة عُمان عديدة لا حصر لها وليس هناك ما يقف عقبة بينها وبين أن تصبح واقعا ملموسا؛ فنصف قرن وأكثر من العلاقات المتينة التي لم يصبها تصدع، ولم يعترِها شقاق أو قطيعة، ولم يغشاها توتر أو فتور أو شيئا مما يصيب العلاقات بين الدول مما هو غير مرغوب فيه، أحق بأن تُحصّن بشراكات اقتصادية ذكية تحقق مصالح البلدين والشعبين الشقيقين.