أصبح الحصول على رخصة السياقة أمرًا ضَروريًا للتنقل بالسيارة، حيث أسهمت قلة البدائل المتاحة من وسائل النقل العام في أن تكون السيارة هي الوسيلة المفضلة لدى الجميع. ولعل الظروف المناخية وارتفاع درجات الحرارة تُعد أيضًا من الأسباب الرئيسية في قلة استخدام الحافلات للتنقل بين المحافظات والولايات، رغم أن الحافلات أصبحت أكثر راحة بل وأكثر أمانًا من السيارات. كما أن سهولة الحصول على رخصة السياقة والمقدرة المالية لأغلب الأسر ساهمتا في اقتناء أكثر من سيارة للأسرة الواحدة، مما أدى إلى زيادة مطردة في أعداد السيارات مقارنة بعدد السكان.

في هذا المقال لسنا بصدد بيان إيجابيات وسلبيات شروط الحصول على رخصة السياقة في سلطنة عُمان ومقارنتها بالدول الأخرى، ولكن الواقع الحالي يتطلب النظر في الشروط الحالية نظرًا لمتغيرات كثيرة، منها الزيادة الملحوظة في أعداد السيارات والازدحام المروري - وخاصة في محافظة مسقط - والتصرفات غير المسؤولة التي يرتكبها بعض سائقي المركبات بالاستهتار بأنظمة المرور، مما يستلزم معه إعادة النظر في المنظومة المرورية بشكل شمولي، وليس فقط في شروط الحصول على رخص السياقة الخفيفة والثقيلة.

تجدر الإشارة إلى أن الحاجة لمراجعة اشتراطات الحصول على رخص السياقة قد تم التطرق إليها في مقال سابق في جريدة عُمان بعنوان «معًا للحد من حوادث المرور» نُشر في العام (2024).

حوادث الشاحنات كثيرة ومتنوعة، ولعل من أكثرها إيلامًا مؤخرًا حادثة سمائل؛ حيث تفاجأ سائق الشاحنة بحادث على الطريق ولم يستطع التعامل مع الموقف نظرا للحمولة الثقيلة التي يحملها من لفائف الحديد الصلب، مما نتج عن تلك الحادثة المؤلمة خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات. وكذلك حادثة تدهور الشاحنة داخل نفق العق والتي أعاقت حركة السير لساعات طويلة. ولعل أغلب حوادث الشاحنات تكمن أسبابها في عدم التقيد والامتثال لمعايير الأمن والسلامة وأنظمة المرور.

الجهات الحكومية المختصة أصدرت لوائح للنقل البري منذ فترة طويلة تجاوزت ثمانية أعوام، غير أن معظم تلك الضوابط لم يتم الامتثال لها بسبب إهمال السائقين. ومنها على سبيل المثال: التقيد بمستويات الأمان فيما يخص أحمال وأوزان الشاحنات، وفترات الراحة التي يجب أن يأخذها سائقو الشاحنات عند قيادتهم لأكثر من ثماني ساعات متواصلة في اليوم، وتشغيل الأنوار أثناء فترة النهار بالنسبة للشاحنات، علمًا بأن عدم تشغيل الأنوار نهارًا يُعد مخالفة يُعاقَب عليها في بعض الدول.

ومن الجوانب اللافتة أن معظم قائدي الشاحنات الكبيرة ينتمون إلى جنسيات آسيوية يجدون صعوبة في التحدث باللغة العربية أو الإنجليزية، وبالتالي أنّى لهؤلاء أن يتعرفوا على الأنظمة المرورية التي غالبًا ما تكون مكتوبة باللغة العربية، وفي أحيان أخرى باللغة الإنجليزية؟

شروط منح رخص السياقة بأنواعها المختلفة ينبغي ألا يُكتفى فيها باجتياز المتقدم للاختبارات الحالية وفهمه لقوانين السير والإشارات الأساسية، بل يجب خضوعه لاختبار نظري كشرط أساسي للحصول على الرخصة.

تُعد الاختبارات النظرية من الممارسات الدولية المعتمدة للتأكد من أن الحاصلين على رخص السياقة لديهم معرفة عميقة - وليست سطحية - بالأنظمة المرورية وقوانين السير.

كما تكمن أهمية الاختبار النظري في تمكين قائد المركبة من استيعاب وفهم اللوحات التحذيرية والعلامات الأرضية. واجتياز هذا الاختبار يُسهم بلا شك في تكوين معرفة نظرية شاملة لدى السائق للأنظمة المرورية وكيفية تعامله المهني أثناء قيادة المركبة، مما يحد من المخالفات وتقليل الحوادث المرورية.

قد تكون هناك اختلافات في شروط منح رخص السياقة بين الدول العربية والخليجية - ومنها سلطنة عُمان - وبين الشروط والممارسات المعمول بها في دول أخرى.

فمن حيث درجة الصرامة في شروط منح رخص القيادة بناءً على اجتياز الاختبارات النظرية، جاءت اليونان في المرتبة الأولى عالميًا؛ إذ يتطلب الحصول على الرخصة نسبة نجاح قدرها (97%) في الامتحان النظري المكون من أسئلة ذات خيارات متعددة. وجاءت اليابان في المرتبة الثانية بنسبة نجاح تبلغ (95%) في الامتحان ذاته. كما تُعدّ اليابان من أكثر الدول صرامة في الاختبارات العملية - والتي يقابلها اختبار الشارع في سلطنة عُمان - من حيث دقة التفاصيل، ولذلك فإن معدلات النجاح من المحاولة الأولى تكون عادة منخفضة جدًا.

كما يبرز «اختبار إدراك المخاطر» (Hazard Perception Test) كشرط أساسي ينبغي اجتيازه للحصول على رخصة القيادة؛ حيث يُوضع المتقدم في غرفة محاكاة وكأنه يقود سيارته في الواقع. والهدف من اختبار المحاكاة هو قياس السرعة الذهنية لدى قائد المركبة عند اقترابه من مخاطر محتملة، كدخول سيارة أمامه مفاجأة، أو اقتراب مشاة من الرصيف لعبور الشارع، أو تباطؤ السيارة التي أمامه بشكل مفاجئ.

هذه الحالات تتكرر كثيرًا أثناء القيادة؛ من وجهة نظري فإن هذا الاختبار مفيد جدًا للجميع، وخاصة للنساء اللاتي قد يجدن صعوبة في بعض الأحيان في التعامل مع المواقف الحرجة والظروف المفاجئة أثناء القيادة.

تُعد المملكة المتحدة من أوائل الدول التي طبقت هذا الاختبار، وهو آخذ في الانتشار في أكثر من ثلاثين دولة حول العالم، كما يعمل الاتحاد الأوروبي على تحديث شروط الحصول على رخص القيادة ليكون اختبار إدراك المخاطر ضمن الاختبارات الملزمة. وهناك دول خليجية بدأت بالفعل في تطبيقه كمرحلة تدريبية تسبق أو تعقب الاختبار العملي على الطريق.

إن التطوير المستمر الذي تجريه شرطة عمان السلطانية في ضوابط وشروط منح رخص السياقة - ومنه منح الرخصة المؤقتة خلال السنة الأولى من اجتياز الاختبارات - يحمل جوانب إيجابية؛ فهو يولد شعورًا لدى صاحب الرخصة بأنها ما زالت مؤقتة، وبالتالي ينبغي عليه التقيد التام بأنظمة المرور والحد من المخالفات. ويُستحسن أيضًا دراسة ربط المخالفات بنظام نقاط إلكتروني يتيح لحاملي رخص السياقة التعرف على عدد المخالفات ودرجة جسامتها (مقسمة إلى مستويات: بسيطة، متوسطة، وعالية الخطورة). كما يمكن تغليظ العقوبات بسحب رخصة القيادة لمدد زمنية معينة حسب جسامة المخالفة، على سبيل المثال، تجاوز الإشارة الحمراء أو قيادة السيارة بسرعات عالية جدًا.

هناك دول تسمح قوانينها بسحب رخصة القيادة مدى الحياة في حال التسبب في حوادث مميتة بسبب القيادة الطائشة أو القيادة تحت تأثير الكحول رغم التحذيرات المتكررة، ومن تلك الدول: المملكة المتحدة، والولايات المتحدة، وكندا، وأستراليا، وبولندا، وألمانيا. وفي المقابل، ومهما بلغت درجة الصرامة في شروط الحصول على رخص السياقة، فإن قيادة المركبات بمختلف أنواعها تتطلب ضميرًا إنسانيًا يستحضر تداعيات مخالفة معايير الأمن والسلامة، وما ينجم عنها من مخاطر جسيمة تؤثر في الأنفس والأموال.

تشير الدراسات والإحصاءات إلى وجود علاقة تأثير إيجابية بين الصرامة في تطبيق معايير الأمن والسلامة وتغليظ العقوبات، وبين ارتفاع مستوى انضباط قائدي المركبات؛ فكلما خضع المتقدمون لاختبارات صارمة ومتنوعة للحصول على رخصة السياقة تقيس كفاءتهم الحقيقية، ساعد ذلك في توخي الحيطة والحذر أثناء القيادة. وبناءً على ذلك، يتطلع الجميع بثقة إلى أن الخطوات الرائدة التي تتخذها شرطة عمان السلطانية نحو مراجعة شروط منح رخص السياقة واشتراطات الأمان للمركبات الثقيلة، سُتسهم في ترسيخ مبادئ السياقة الآمنة، وضبط سلوك السائقين، وضمان التقيد بمعايير الأمن والسلامة، بما ينعكس إيجابًا على خفض معدلات الحوادث المرورية وحماية الأرواح والممتلكات.