لماذا لم يعد المقهى مكانًا مفضلًا للكتّاب لكتابة نصوصهم ونقاش أفكارهم وكتبهم؟ ما الذي أبعد الكاتب العربي عن المقهى ليلوذ ببيته أو مؤسسته أو مكتبه، يصنع قصيدته أو قصته على إيقاع الصمت؟ وحين يقرر هذا الكاتب أو المثقف أن يعقد أمسية لصديقه الشاعر، لا يختار المقهى، كما كان يحدث، يختار قاعة تابعة لمؤسسة، مؤسسة تحرص على استدعاء الفضائيات ومراسلي الصحف ليغطوا الحدث تمهيدًا لرفع تقرير إلى ممولي المؤسسة حتى يبقى التمويل ثابتًا.
حين أقول مقهى فأنا أقصد الشعبية منها والمفرطة في شعبيتها، ذات الضجيج وصوت الأرجيلة وصياح النادل الفوضوي الجميل وهو ينادي بأنغام مختلفة: واحد قهوة سادة يا أسطى، واحد شاي كشري، وليست تلك الكافيهات ذات الموسيقى الهادئة والهدوء وهمس النادل، وتحركه المضبوط بين المقاعد.
في قهوة البستان الشهيرة في القاهرة، أظن أن الكتّاب والشعراء المصريين والضيوف العرب ما زالوا هناك يتفاعلون ويكتبون ويتناقشون ويقرؤون، هناك ترى شاعرًا غارقًا في زاوية وقصيدة، وروائيًا يحرر مسودة روايته، وشلة أصحاب يتناقشون بصوت عالٍ حول نص فلسطين مثلًا، الجديد الملتبس المربك.
لكن المقاهي بشكل عام في العالم العربي لم تعد فضاءً للثقافي والسياسي، ولم تعد تصنع أحداثًا وتغير مصائر وتقدم أدباء.
في رام الله لم أعد أرى أحدًا من كتّاب فلسطين يجلس في مقهى شعبي، يكتب أو يقرأ، ذهبت أيام الشاعر الراحل فيصل قرقطي ودخان سيجارته يتصاعد مع تصاعد أفكاره الإبداعية.
أتذكر العزيز الإعلامي والكاتب حسن البطل وهو يقلب جريدة الأيام صباح كل يوم في مقهى رام الله، تمهيدًا لمقال دسم يخلط فيه السياسة بالأدب بالتاريخ بالفلسفة.
كم بردت قهوتك يا حسن وأنت تقرأ كتبًا وصحفًا على رصيف المقهى، وحين كان الجميل (ولاء)، النادل اللطيف، ينبهك إلى قهوتك كنت تتجاهله لأنك غارق حتى الذوبان في فكرة مقالك اليومي الساحر الذي طبقت شهرته الآفاق، والذي تعلم من جرأته وبنيته الجمالية الغريبة الشعراء والمسرحيون والقصاصون والإعلاميون وطلاب ومدرسو الإعلام في جامعة بيرزيت.
زمان كان للمقهى فضاء ثقافي مختلف، نحضر إليه لنخرج ونحن لسنا بالضبط الذين حضروا، إضافات معرفية وعلاقات صداقة ثقافية حقيقية، وتفتح ذهني وتعلم لقيمة الإصغاء والتعرف على اتجاهات جديدة في الكتابة وفرص لنشر كتاب.
كان المقهى ورشة أدب وثقافة جاهزة، تغني عن عشرات ورشات الكتابة العصرية التي تنظمها مؤسسات المجتمع المدني، ويغلب عليها الطابع الرسمي الكالح السطحي، البعيد عن حركة الناس وهمومهم.
كانت قيمة الاعتراض مهمة جدًا في نقاشات مثقفي مقاهي زمان، اعتراض مؤدب لا يخلف غيرة أو وجعًا أو قهرًا أو نميمة أو حقدًا، ومعظم الكتّاب تعرفوا على بعضهم في المقاهي وليس في قاعات اتحاد الكتّاب أو أمسيات النوادي الأدبية.
في المقهى وبشكل عفوي كان الشعراء يحضرون نسخًا من كتبهم الجديدة ويوزعونها بالمجان على الحاضرين. في المقهى زمان كان الكتّاب يعيشون الأدب والثقافة، ذلك العيش الذي يجعل من المثقف معلمًا وملهمًا ومرجعًا للعديد من القضايا.
ثمة مقاهٍ صُنعت فيها أفكار كبيرة هزت القصائد والبلد، يحكي لنا تاريخ المقاهي قصصًا عظيمة. هناك مقهى الزهاوي في بغداد أوائل القرن العشرين، ارتبط بالشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي وبعدد من الشعراء الكبار كمعروف الرصافي، كان فضاء المقهى هو الصراع بين التراث وتجديده، مما أغنى الثقافة العربية ونقلها إلى فضاءات نقاش حضارية غنية.
أما مقهى هورس شو في بيروت، وهو من المقاهي الثقافية المعروفة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في شارع الحمراء، فكان تجمعًا لكثير من طلاب الأدب في العالم العربي.
وهناك قهوة الفيشاوي في خان الخليلي بالقاهرة التي ارتبطت بالروائي الراحل نجيب محفوظ، وهي من علامات نهضة مصر ثقافيًا، لم تكن مجرد مكان لشرب الشاي والقهوة وتدخين الأرجيلة، كانت مكانًا تتصادم فيه الأفكار، وتتغير الذائقة، وتنفجر فيه أساليب كتابية جديدة، وقد جلس فيه المئات من مثقفي العالم العربي وتحدثوا عن ذكرياتهم مع نجيب محفوظ.