عائشة بنت يوسف المجيني، مديرة مدرسة متقاعدة، تُعدّ نموذجًا مشرّفًا للمرأة العُمانية المعطاءة، كرّست سنوات من حياتها لخدمة التعليم، وتدرّجت في مسيرتها المهنية حتى تولّت الإدارة المدرسية، فكانت مثالًا في العطاء والقيادة وتحمّل المسؤولية.

وقد جمعت في مسيرتها بين النجاح في العمل والاهتمام بالأسرة، وأسهمت في تربية وتعليم أجيال من الطالبات، تاركةً أثرًا طيبًا في الميدان التربوي والمجتمع. ولم يتوقف عطاؤها بعد التقاعد، بل واصلت رسالتها من خلال العمل التطوعي وخدمة المجتمع وتعليم القرآن الكريم

وقالت: بدأت مسيرتي في مهنة التعليم عام 1994، ولم أكن متزوجة حينها. وفي السنة الثانية من عملي تزوجت، وواصلت عملي معلمةً لمدة عام، ولم يكن لديّ أطفال. وفي العام التالي تم ترشيحي للعمل مديرةً لمدرسة في منطقة بعيدة، في منطقة الأبيض بولاية نخل، وكان الطريق إليها وعرًا، وكنا نقطع الرحلة على مرحلتين بواسطة حافلتين، كما كان العمل في الفترة المسائية.

وبعد ذلك رُزقت بمولودتي الأولى، والحمد لله، وبفضل حبي الكبير للعمل استطعت أن أجمع بين مسؤولياتي المهنية والأسرية. وكانت والدتي العزيزة، رحمها الله، سندًا كبيرًا لي؛ فقد كانت تساعدني في تربية ابنتي وترعاها في المنزل، وكنت أشعر بالاطمئنان عليها وهي في أيدٍ أمينة. وحتى عندما تمرض، لم أكن أضطر إلى الانشغال بالسؤال عنها والاتصال للاطمئنان عليها؛ لأنني كنت أعرف أنها تحظى برعاية والدتي.

كنت أقضي ساعات طويلة في العمل بحب وشغف، دون أن أشعر بمرور الوقت. ومع مرور السنوات رُزقت بأطفال آخرين، وكانت أعمارهم متقاربة، الأمر الذي جعل مسؤولياتي الأسرية أكبر، خاصة في متابعتهم دراسيًا، ومساعدتهم في حل واجباتهم والاستعداد للاختبارات.

كنت أُجهد نفسي كثيرًا، وأحيانًا على حساب راحتي، لكنني كنت أؤمن بأن متابعة الأبناء والوقوف إلى جانبهم في مراحل تعليمهم أمر يستحق كل هذا الجهد. والحمد لله، جاءت ثمار ذلك في أبنائي؛ فمنهم الطبيب، ومنهم المعلم، ومنهم المهندس، وشعرت أن كل تلك السنوات من التعب والعطاء لم تذهب سدى.

وكان لوالدتي الغالية دور كبير في هذا النجاح. فلم تقتصر مساعدتها على رعاية أبنائي، بل كانت كلماتها الدائمة لهم تشجعهم وتدفعهم إلى الجد والاجتهاد والنهوض بمستواهم. كانت كلماتها صادقة ونابعة من القلب، وكانت تمنح أحفادها الحافز والثقة وحب الدراسة والتعلم، وهو أثر لا يزال حاضرًا في حياتهم حتى اليوم.

كما كان زوجي، بتفهمه لظروف عملي وانشغالي الكبير، خاصة في أيام استخراج النتائج، حيث كنت أمضي في العمل إلى وقت متأخر من الليل، وحضوري لمعسكرات العمل، سندًا مهمًا في نجاحي.

وكنا نتفق على أسلوب واحد في تربية أبنائنا، فلا نختلف أمامهم، وإذا كان هناك أمر يتعلق بأحد الأبناء وكان على الأب متابعته، كنت أحرص على عدم التدخل حتى لا تتشتت أفكارهم.

وكنا نكمل بعضنا بعضًا؛ فأنا أتابع دروسهم ومتطلبات المدرسة، وهو يتولى بعض الأغراض والأنشطة المدرسية، ويتابع بعض الأمور بحكم عمله في القطاع الخاص وساعات عمله الطويلة. ورغم انشغاله، كان حاضرًا وحريصًا على القيام بدوره في مختلف شؤون الأسرة.

وكنت دائمًا أحاول أن أكون قريبة من أبنائي، وأن أتبادل الحديث معهم؛ لأن التقارب بيننا يقرّب العقول والقلوب. وكنت حريصة كذلك على ألّا أُظهر لهم أي مشكلة قد تحدث بيننا، وأن أُشعرهم بأن البيت مكان للحب والألفة والاستقرار.

فالمرأة العاملة تحتاج إلى دعم أسري، خصوصًا في مسألة تربية الأطفال، ووجود الأبناء حولها يطمئنها، أما بقية الأمور فيمكن الموازنة بينها مع الوقت والتنظيم.

وكان العمل يأخذ وقتًا طويلًا من يومي، وأحيانًا كان الأبناء يشعرون بذلك، خصوصًا عندما تولّيت المسؤولية الإدارية، لكن أسلوب التعامل مع الزوج، ووجود حياة هادئة وجو أسري مستقر، يمنح الأبناء الثقة بالنفس وحب الاجتهاد.

وكان وجود الناصح الأمين، كوالدتي الغالية، رحمها الله، نعمة كبيرة في حياتهم. كانت أمهم الأولى بعدي؛ تتحدث معهم عن الاختبارات والمنهج، وكانت، رغم أنها غير متعلمة، تستقبلهم وهم يتحدثون عن يومهم الدراسي، وعن مدى صعوبة الاختبارات أو سهولتها، وتستمع إليهم باهتمام ومحبة.

وقد علّمني أسلوب أمي التعامل مع طلابي وأولياء الأمور. فكنت عندما يقف ولي الأمر أمام مكتبي أحرص على السلام عليه والسؤال عن حاله، وأستقبله بابتسامة، فهذه الأمور البسيطة كانت تُنسيه المشكلة وتجعله عونًا لنا لا متذمرًا علينا. وحتى عند المغادرة، كنت أحرص على اصطحابه إلى باب المدرسة. وقد تكون هذه الأمور بسيطة في نظرنا، لكنها كانت كبيرة في نظر ولي الأمر.

وساعدني هذا الأسلوب في كسب ثقة المجتمع، والسيطرة على المدرسة وسير العمل فيها بصورة منظمة، كما ساعدني في إدارة طالباتي ونجاح المدرسة.

ومن المواقف العالقة في ذهني أننا كنا نتحضّر للمشاركة في مسابقة النظافة المدرسية على مستوى سلطنة عُمان، وكان لديّ عدد من الأطفال الذين لم يحلقوا شعرهم، ومن بينهم طالب وحيد والديه، وكان غاليًا عليهما. وقد أعطيته إنذارًا أول وثانيًا وثالثًا، ولكن ولي الأمر لم يهتم.

فاضطررت إلى إحضار حلاق إلى المدرسة وحلق شعر الطلبة الذين لم يلتزموا. وللأسف، ذهب الطالب إلى المديرية العامة، وكان ذلك في أيام معالي الدكتورة ليلى النجار.

وكان الأمر صعبًا، وعندما استذكرت موضوع ولي الأمر، قلت لها: «اتركي الأمر عليّ، وأخبري ولي الأمر بالحضور إلى المدرسة». وتم الحديث معه، وتفهّم ولي الأمر الموقف، بل وعرض خدماته علينا، وكان يشغل منصبًا في إحدى الدوائر الحكومية، فجزاه الله خيرًا.

وقد سهّل لنا المطالبة برصيف لطريق المدرسة، ومواقف متعددة أمام مبنى المدرسة. وكان الجميع يسأل: من أحضر لكم هذا؟ ومن أين حصلتم عليه؟

وهكذا قد يكون الموقف بسيطًا، لكنه يترك أثرًا كبيرًا، ويحوّل ولي الأمر من شخص متذمر إلى شريك في خدمة المدرسة والمجتمع.

القطاع التعليمي

وتشير: الحمد لله على أيامنا الجميلة، وعلى كل ما تحقق لنا، وخاصةً لأبنائنا.

إن وصفي كإدارية هو مصدر فخر واعتزاز لي ولأهلي وأجيالي، فهذا التحول الذي حدث جاء نتيجة ثقة مجتمعنا، وإيماننا بدور المرأة وقدرتها على العطاء والإسهام في بناء المجتمع وتطويره.

وما تحقق هو ثمرة جهود متواصلة، ودعم مستمر، وإيمان بأن المرأة قادرة على أن تكون شريكًا فاعلًا في مسيرة التنمية والعطاء.

فالمرأة العُمانية امرأة معطاءة، تحب العمل والتفوق والإنجاز. وما وصلت إليه المرأة اليوم لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة دراسة واجتهاد، ونظرة ثاقبة لدورها وأهمية عطائها في جميع القطاعات.

وقد أثبتت المرأة قدرتها على النجاح والتوفيق بين العمل والمنزل، وإثبات حضورها في مختلف المجالات.

ومن أبرز ما أعتز به في مسيرتي العملية أنني تمكنت من العطاء وخدمة عدد كبير من الطالبات والمعلمات والعاملين في المدرسة، وكان ذلك بالنسبة لي مصدر فخر وسعادة.

وقد كان عملي فرصة لأقدّم ما أستطيع من علم وخبرة، وأُسهم في تربية أبنائنا وبناتنا وتعليمهم، ومساندتهم في مسيرتهم الدراسية، إيمانًا مني بأن التعليم رسالة عظيمة وأمانة ومسؤولية.

وأنا اليوم أفتخر بنفسي عندما أتحدث عن المواقف والتجارب التي مررت بها خلال مسيرتي العملية. فقد كانت لديّ خبرة في التعليم والإدارة، وساعدتني هذه الخبرات على إدارة الأمور بطريقة سلسة، والتعامل مع مختلف المواقف بحكمة ومرونة.

وأؤمن أن العطاء الحقيقي هو أن تترك أثرًا طيبًا في المجتمع، وأن تسهم في نجاح الآخرين، وأن تمنحهم الأمل والطموح والحافز لمواصلة الطريق.

وأشعر بالفخر عندما أرى ثمرة ما قدّمته من جهد وعطاء، وأرى أبناءنا وبناتنا يواصلون مسيرتهم بنجاح، محمّلين بالأمل والطموح والحلم بمستقبل أفضل.

ولله الحمد، كانت نظرة المجتمع لي دائمًا مصدر اعتزاز، فقد منحني الناس ثقتهم، وأصبحوا يرون فيّ إدارية ناجحة قادرة على تحمّل المسؤولية وإدارة الأمور بحكمة واقتدار.

وأحمد الله على ما وصلت إليه، فما تحقق لم يكن بجهدي وحدي، وإنما هو توفيق من الله تعالى أولًا، ثم ثمرة سنوات من العمل والتجربة والتعلّم.

بعد التقاعد... عطاء مستمر

بعد التقاعد، لم أتوقف عن العطاء، بل انخرطت في العمل التطوعي، وأصبحت متطوعة في مجال خدمة المجتمع، ومن ذلك المساهمة في تعليم وتحفيظ القرآن الكريم.

ويتم التدريس وفق خطة منهجية محددة، وتستغرق سنوات الدراسة أربعة مستويات، بما يضمن التدرج في اكتساب المعرفة والمهارات.

كما أنني عضو في مجلس إدارة فريق بركاء التطوعي، وأتولى مسؤولية متابعة المساكن والحالات التي تحتاج إلى الدعم، حيث نعمل على المساهمة في بناء مساكن للأيتام وذوي الدخل المحدود، وتوفير السكن الملائم لهم بما يحفظ كرامتهم ويوفر لهم حياة أكثر استقرارًا.

إن صور النجاح والعطاء كثيرة، ولا تعتمد على الظروف المتاحة فقط، وإنما تعتمد على الإرادة والعزيمة والإصرار على تحقيق الأفضل.

وأحمد الله على هذه النعمة الكبيرة، وعلى ما منحني من قدرة وفرصة للعطاء، وأسأله أن يوفقني دائمًا لأكون عونًا لكل من يحتاج إلى دعمي، وأن يجعل ما قدّمته وما أقدّمه في ميزان حسناتي.