في العام الماضي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام مجموعة من القادة الأفارقة أن الولايات المتحدة ستنتقل من تقديم المساعدات إلى تعزيز التجارة. وكانت واشنطن قد بدأت بالفعل تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، أكبر وكالة للتنمية في العالم، فيما اتبعت دول حليفة لها النهج نفسه، وقلصت برامج مساعداتها لإفريقيا.

في الوقت الذي تتراجع فيه المساعدات الإنسانية، يتزايد اهتمام الشركات الدولية بالقارة الإفريقية، التي تمتلك احتياطيات ضخمة من المعادن الحيوية التي يحتاج إليها العالم. كما تجذب المستثمرين بفضل قوتها العاملة الشابة، وقاعدتها الاستهلاكية المتنامية، وموانئها المطلة على طرق التجارة العالمية الرئيسية.

تسهم المنافسة بين الصين والولايات المتحدة وأوروبا والهند ودول الخليج في جذب مزيد من المستثمرين إلى القارة. من المتوقع أن تمثل الاقتصادات الإفريقية نحو نصف الاقتصادات العشرين الأسرع نموًا في العالم هذا العام.

لكن هذه المكاسب لن تتوزع بالتساوي في أنحاء القارة؛ فعدم الاستقرار والتخلف والفساد في العديد من الدول يعرقل تدفق رؤوس الأموال الأجنبية، ويهدد بإبقائها في حالة من الركود. في المقابل، قد تحقق الدول التي تنجح في جذب استثمارات أجنبية مستدامة وتنمية اقتصاداتها المحلية نموًا هائلًا، وتتاح لها فرصة اتباع نماذج التصنيع التي حولت سنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان إلى أسواق رائدة في القرن العشرين.

وإذا واصلت الدول الإفريقية الإصلاحات مدة كافية، فقد تتمكن من توفير فرص جديدة واسعة لشعوبها واكتساب نفوذ جيوسياسي حقيقي.

لا تزال إفريقيا لاعبًا محدود الوزن في الاقتصاد العالمي؛ فعلى الرغم من أنها تضم نحو 20% من سكان العالم، لا تتجاوز مساهمتها 3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي و3% من التجارة العالمية. وخلال ربع القرن الماضي، ظل الاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى مستقرًا نسبيًا، عند ما بين 2% و3% من الناتج المحلي الإجمالي، وتركز معظمه في استخراج النفط والماس والذهب والمعادن الأخرى.

ومع ذلك، تشهد بعض الدول والمناطق نموًا سريعًا، خاصة في جنوب القارة، حيث تتمتع ببنية تحتية جيدة نسبيًا وتبادل للكهرباء بين 12 دولة عبر شبكة إقليمية. وتضم المنطقة أيضًا اتحادًا جمركيًا عريقًا يضم بوتسوانا وإسواتيني وليسوتو وناميبيا وجنوب إفريقيا، وتنسق دوله سياساتها التجارية وتتقاسم عائدات الجمارك وتطبق تعريفة موحدة على الواردات من خارج الاتحاد، رغم استمرار بعض العوائق غير الجمركية.

تربط شبكات الشحن والخدمات اللوجستية المتطورة مناطق التعدين بوسط وجنوب القارة بموانئ الساحلين الشرقي والغربي، ما يتيح للمستثمرين التعامل مع المنطقة كسوق متكاملة رغم استمرار بعض العقبات. وتؤتي جهود الربط والإصلاح ثمارها، إذ يتوقع نمو اقتصادَي بوتسوانا وزامبيا بنسبة 4.7% و4.3% على التوالي هذا العام.

في غرب إفريقيا، توفر نيجيريا سوقًا ضخمة تجذب المستثمرين، بينما تشكل كينيا وتنزانيا وأوغندا محورًا تجاريًا مهمًا في الشرق. كذلك، نجحت موريشيوس في ترسيخ مكانتها مركزًا ماليًا دوليًا، وجذبت بوتسوانا ورواندا الاستثمارات بفضل الاستقرار السياسي رغم محدودية أسواقهما.

تتمتع إفريقيا بفرص هائلة في المستقبل، بفضل تركيبتها السكانية المواتية التي تمنح العديد من دولها ميزة تنافسية. فبينما تشهد الاقتصادات المتقدمة شيخوخة سكانية خلال العقود المقبلة، ستدخل أعداد كبيرة من الأفارقة سن العمل. كما أشار عالم الديموغرافيا نيكولاس إيبرستادت في مقال نشر في Foreign Affair في عام 2024: «بحلول عام 2040، ستنخفض أعداد السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و49 عامًا في جميع أنحاء العالم تقريبًا، باستثناء إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى».

يتيح التوسع الحضري فرصة أخرى للنمو؛ فوفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، سيعيش نحو ثلثي الأفارقة في المدن بحلول عام 2050. ومن شأن ارتفاع مستويات الدخل وزيادة التحضر أن يجذبا استثمارات تتجاوز بكثير قطاعات استخراج الموارد الطبيعية التي هيمنت تقليديًا على تدفقات رأس المال الأجنبي إلى القارة.

حقق الشباب الأفريقي بالفعل تقدمًا كبيرًا في مجالات مثل التكنولوجيا المالية وتوسيع نطاق الوصول إلى الخدمات المالية. تزخر إفريقيا أيضًا بالموارد التي يحتاج إليها العالم؛ إذ تضم منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى نحو 30% من الاحتياطيات المعروفة للمعادن الحيوية.

أدركت الصين مبكرًا الأهمية الاستراتيجية لهذه الموارد، وأمضت عقودًا في ترسيخ هيمنتها على صناعة المعادن الحيوية في أجزاء واسعة من القارة. انضمت جميع دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تقريبًا إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية، وهي أحد أكبر مشروعات البنية التحتية العالمية في التاريخ الحديث.

في إطار المبادرة، مولت بكين ممرات تجارية إفريقية، من بينها خطا السكك الحديدية بين أديس أبابا وجيبوتي، وبين مومباسا ونيروبي.

تجاوز إجمالي الاستثمارات الصينية في القارة خلال العقدين الماضيين 350 مليار دولار. لكن دور بكين تغير في الآونة الأخيرة، إذ انتقلت من كونها أحد كبار المقرضين إلى تحصيل الديون من الدول النامية على نطاق واسع.

تسعى الولايات المتحدة وشركاؤها بدورهم إلى تعزيز حضورهم في إفريقيا. ففي العام الماضي، أعلنت إدارة ترامب اتفاقيات تهدف إلى ضمان وصول الولايات المتحدة إلى المعادن في جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، بالتزامن مع الكشف عن اتفاق يستهدف إرساء السلام بين البلدين. كما دعمت واشنطن ودول مجموعة السبع مشروعات من بينها ممر لوبيتو، وهو خط سكة حديد يربط جمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا بالساحل الأطلسي لأنجولا.

عند اكتماله، سيتيح الممر نقل كميات كبيرة من النحاس، المستخدم في تصنيع الألواح الشمسية ومضخات الحرارة والبطاريات والمركبات الكهربائية. كذلك، مددت الولايات المتحدة مؤخرًا العمل بقانون النمو والفرص في إفريقيا، الذي يتيح لدول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تصدير منتجاتها إلى الأسواق الأمريكية معفاة من الرسوم الجمركية حتى عام 2028.

يمنح موقع إفريقيا الاستراتيجي، المطل على قناة السويس ومضيق باب المندب، أهمية متزايدة لطرق التجارة العالمية، خاصة بعد هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر، التي دفعت شركات الشحن إلى تغيير مساراتها والمرور حول رأس الرجاء الصالح، ما عزز أهمية الموانئ الإفريقية. تتنافس قوى أجنبية على هذه الموانئ؛ إذ أسهمت شركات صينية في بناء أو تمويل أو تشغيل 78 ميناءً على الأقل في 32 دولة إفريقية، فيما تدير تركيا ميناء مقديشو، وتشغّل شركات إماراتية موانئ في أكثر من 12 دولة.

كذلك، تتزايد الاستثمارات الخليجية في إفريقيا بهدف الحصول على الأراضي الزراعية والمعادن الحيوية، وتعزيز النفوذ السياسي وتنويع طرق التجارة. وبين عامي 2019 و2023، خصصت الإمارات نحو 110 مليارات دولار للاستثمارات الأجنبية المباشرة الجديدة في القارة، لتصبح، وفقًا لبعض المقاييس، أكبر مصدر منفرد لها.

تستثمر السعودية وقطر عبر صناديق ثروتهما السيادية في العقارات والتعدين والبنية التحتية الرقمية. ومع تراجع الإقراض الصيني، تسد دول الخليج جزءًا من الفجوة بفضل رؤوس أموالها طويلة الأجل وسرعة اتخاذ القرار. وتفضل حكومات إفريقية هذا النموذج؛ لأنه يمنح المستثمرين حصصًا في المشروعات بدلًا من زيادة أعباء الديون.

لا تستفيد جميع الدول الإفريقية بالقدر نفسه من تزايد الاهتمام الخارجي بالقارة؛ إذ تستحوذ 15 دولة على أكثر من 80% من الاستثمار الأجنبي المباشر. ويظل التحدي تحويل التنافس على الموارد إلى نمو مستدام ومكاسب للمواطنين، في ظل عدم الاستقرار السياسي، مثل الانقلابات في بوركينا فاسو ومالي والنيجر ومدغشقر، إلى جانب أعباء الديون التي تحد من الإنفاق الحكومي في دول مثل مصر وموزمبيق.

كذلك، لا تستغل المدن الإفريقية الكبرى إمكاناتها الاقتصادية بالكامل بسبب ضعف الترابط بينها، وقصور الجمارك والبنية التحتية وأنظمة الدفع. لذلك، لا تكفي الزيادة السكانية وحدها لتحقيق نمو اقتصادي على مستوى القارة. الزيادة الكبيرة في أعداد الشباب الأفريقي لن تتحول إلى ميزة اقتصادية إلا إذا أتيحت لهم، خلال العقود المقبلة، فرص التعليم والعمل الرسمي، وعملوا في ظل مؤسسات فعالة.

وإلا فقد يتحول ارتفاع البطالة بين الشباب إلى مصدر لعدم الاستقرار. وسيتوقف نجاح الدول الإفريقية على قدرتها على إعداد الأجيال المقبلة لسوق العمل وتوفير وظائف منتجة لها.

في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، لا تتجاوز نسبة الإلمام بالقراءة والكتابة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا 75%، فيما تعاني مناطق واسعة من القارة من هجرة الكفاءات. ومع ذلك، توجد مؤشرات إيجابية؛ إذ يلتحق جميع الأطفال تقريبًا بالتعليم الابتدائي في رواندا. يعد استقرار الحكم وموثوقية المؤسسات عاملين حاسمين في تحديد قدرة الدول على الاستفادة من موارد النفط والغاز والمعادن. فزامبيا وجارتها الأكبر، جمهورية الكونغو الديمقراطية، تمتلكان احتياطيات معدنية ضخمة، لكن مساريهما يختلفان.

فمنذ تعثر زامبيا في سداد ديونها عام 2020، أسهمت الإصلاحات الهيكلية، بما فيها التعديلات على النظام الضريبي، في استعادة الاستقرار وتعزيز اهتمام المستثمرين. أما جمهورية الكونغو الديمقراطية، فلا تزال تواجه مخاطر سياسية وأمنية أكبر بسبب الصراع المستمر فيها.

في بعض مناطق إفريقيا، تزداد العقبات أمام الاستثمار الأجنبي. فمنذ عام 2020، شهدت القارة تسعة انقلابات ناجحة على الأقل. ويقع نحو 40% من صراعات العالم في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ولا سيما في منطقة الساحل والسودان، حيث تتواصل أزمة إنسانية تعد من الأسوأ في العالم.

وفي المناطق التي سحبت منها الولايات المتحدة وفرنسا قواتهما، تحركت الجماعات الجهادية والميليشيات الروسية لملء الفراغ. حتى في الدول التي تتمتع بحكومات مستقرة، لا يزال الفساد وانتهاك القانون يمثلان مشكلة واسعة النطاق. ففي عام 2025، رصدت منظمة فريدوم هاوس تراجعًا في الحقوق السياسية والحريات المدنية في 18 دولة إفريقية، مقابل تحسن الأوضاع في 11 دولة فقط.

تدور الأسئلة التي يطرحها المستثمرون في إفريقيا حول عوامل أساسية تنطبق على أي سوق أخرى: هل تحمي الحكومات حقوق الملكية وتنفذ العقود وتسمح بتدفق رؤوس الأموال؟ وهل تستثمر في مواطنيها وتوفر البنية التحتية الأساسية التي تحتاج إليها الشركات؟ وهل يمكن نقل البضائع عبر الحدود بكفاءة؟ وهل تظل القوانين واللوائح مستقرة رغم التغيرات السياسية؟ إجابات الحكومات الإفريقية عن هذه الأسئلة، لا مجرد امتلاك المعادن أو غيرها من الموارد، هي التي ستحدد قدرتها على استغلال الفرص المتاحة.

تمثل الكهرباء أحد أبرز عوائق التنمية في إفريقيا، إذ يفتقر نحو 600 مليون شخص في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى خدماتها، رغم امتلاك القارة موارد طاقة هائلة. حققت دول مثل رواندا وكينيا وأوغندا تقدمًا في توسيع الوصول إليها؛ إذ ارتفعت نسبة الأسر المتصلة بالشبكة في رواندا من 6% عام 2009 إلى 75% عام 2024. يمثل توفير كهرباء موثوقة وميسورة التكلفة شرطًا أساسيًا للنمو الصناعي؛ إذ يساعد المصانع على زيادة الإنتاج، ويعزز فرص الاستثمار.

لكن ضعف البنية التحتية والعوائق التجارية يواصلان تجزئة الأسواق وسلاسل التوريد، ما يحد من استفادة القارة من نمو مدنها ومواردها.

حتى الخطوة البسيطة المتمثلة في توفير الكهرباء لساعات أطول، بما يسمح لمزيد من الشركات والأسواق بمواصلة العمل ليلًا، يمكن أن تعزز الروابط التجارية والفرص الاقتصادية داخل القارة. لتحقيق ذلك، يتعين على الحكومات الاستثمار في محطات توليد الكهرباء، وخطوط نقل الطاقة، والمحولات الكهربائية.

يعد تفعيل اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي صادقت عليها 50 دولة، خطوة أساسية لربط الأسواق وتوحيد القواعد والتعريفات والإجراءات الجمركية، بما يدعم تنويع الاقتصادات ورفع القيمة المضافة وتحقيق نمو مستدام. ولن تتبع دول القارة نموذجًا اقتصاديًا موحدًا، لكن الدول الأكثر انفتاحًا على التجارة البينية والتمويل الخارجي يرجح أن تحقق نتائج أفضل.