رام الله - محمـد الرنتيسي
بينما ينشغل العالم بأسره في حروب ونزاعات إقليمية، فيتابع حركة السفن عبر المضائق، وتداعيات الحروب "الروسية الأوكرانية" و"الأمريكية الإيرانية" و"الإسرائيلية اللبنانية" بدت غزة في طي النسيان، ولم تعد تلك القضية تحظى بالاهتمام العالمي كما كانت في السابق، وبات الواقع الذي فرضه الاحتلال على قطاع غزة يفتك بسكانها، ويجعلهم يعيشون في معاناة لا تنتهي.


في غزة، تتواصل الضربات الدامية، حتى في ظل حديث مُكرر عن استئناف اتفاق التهدئة، إذ شهدت الأيام الفائتة التي تزامنت مع مرور عام على "إعلان وقف الحرب" تصاعداً كبيراً في استهداف الأماكن المكتظة بمراكز الإيواء، التي يلوذ بها النازحون، ما أسال دماء جديدة.


عدد من الشهداء قضوا بنيران المقاتلات الحربية الإسرائيلية، في ظل إسقاط جيش الاحتلال للمنظومة الصحية في قطاع غزة، فالمستشفيات دُمرت، والمستلزمات الطبية باتت معدومة، والأطقم الطبية لا حول لها ولا قوة، ما يقافم المأساة الإنسانية.


أما على الصعيد الإغاثي، فقد تراجعت عمليات الدعم والإغاثة، ولم تعد منظمات دولية كبرى تعمل في غزة كما السابق، ويصطف في مقدمتها "منظمة المطبخ العالمي" التي أوقفت نشاطها، وأغلقت مطابخها، وسرّحت مئات العمال والموظفين ممن كانوا يعملون لديها، كما تراجع الدور الإغاثي لوكالة الغوث الدولية "الأونروا" إلى أدنى مستوى منذ تاريخ إنشاء المنظمة، إضافة إلى تراجع المساعدات الواردة من الخارج، سواء لأفراد أو مؤسسات أو مبادرين، وكل ذلك بفعل الحصار الخانق الذي يطبق على قطاع غزة.


في الوجهة السياسية، تبدو مفاوضات تثبيت التهدئة والدخول في المراحل الأخرى للاتفاق شبه مجمدة، في ظل تعنت الاحتلال، وعدم إبدائه رغبة في الانسحاب من أراضي القطاع، بل على العكس يبدو الكيان مهتماً بتوسيع سيطرته في غزة، مستغلاً تراجع الاهتمام العالمي بها، حيث لا يمر يوم دون تقديم "الخط الأصفر" سواء شمال أو جنوب القطاع.
هل توقفت الحرب؟..


مرّ عام على إعلان "وقف الحرب" دون الشعور بأنها توقفت للحظة، فتتواصل على مدار الساعة، خروقات اتفاق وقف إطلاق النار، بعدما أكد كيان الاحتلال تنصله من التزاماته حيال التهدئة، ومضيّه في حرب الاقتلاع التهجهير التي بدأها قبل 3 سنوات، وإن بوتيرة أقل من الحرب التقليدية.


الوضع كارثي في قطاع غزة، كما يصفه النازح سالم عليان، بعدما بات هو وغيره من النازحين يعيشون في غياهب النسيان، فيرى أن العالم نسي غزة، بينما يستغل كيان الاحتلال هذا النسيان لمواصلة جرائمه.


يروي عليان: "الغارات الإسرائيلية لا تتم فقط من خلال الطائرات الحربية والمسيّرة، فالدبابات التي تحاصر قطاع غزة، تطلق قذائفها على خيام النازحين ومراكز إيوائهم" موضحاً أن خروقات اتفاق التهدئة، دخلت مرحلة جديدة بتوسيع رقعة القصف الجوي والبري، وفق الخطة الإسرائيلية بمواصلة الهروب من استحقاق المرحلة الثانية.


ويواصل: "لاحظنا أن جيش الاحتلال يركز في غاراته على المنازل المسكونة، وعندما شعرنا بذلك، حاولنا التمويه عليه بالإقامة في منزل متصدع وشبه مدمر، لكن المسيّرات الحربية ظلت تلاحقنا، ولم نعد ندري أيهما أفضل، المنزل أم الخيمة؟.. القصف يتواصل ويقتحم علينا بيوتنا وخيامنا".
هل عادت الحرب؟..


بينما يرى رمزي أبو عون، أن معاناة الغزيين أخذت تتضاعف مع تكثيف الغارات الجوية والمدفعية، مشدداً: "الأهالي ينزحون على غير هُدى، ولا قبلة معروفة لهم، فقط يريدون النجاة بأرواحهم، ولم يبق أماكن آمنة.. الحياة انطفأت في أحياء غزة، ولا تُسمع إلا صيحات الأطفال والنساء".


وفي الكيان الإسرائيلي يقولون إن الحرب على غزة ستتوقف رسمياً بعد تنفيذ "المرحلة الثانية" من اتفاق وقف إطلاق النار، والتي تتضمن نزع سلاح المقاومة، علماً بأن قادة الكيان وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو، سبق وأن صرحوا بأن الحرب ستنتهي مع تسليم آخر أسير إسرائيلي لدى المقاومة.


لكن، على الرغم من إتمام "تبادل الأسرى" عاد جيش الاحتلال للحرب، واحتل ثلثي مساحة قطاع غزة، مواصلاً إسالة الدماء وتقطيع الأشلاء، وقطع المساعدات الإنسانية والإمدادات الأساسية عن قطاع غزة، وكل ذلك تحت ستار هدنة هشة.


ويترتب على الاستهداف المستمر لخيام النازحين، موجات نزوح هائلة، مصحوبة بحالة غير مسبوقة من الخوف والهلع تنتاب اللائذين من جحيم الحرب، ومن دون أن تمنحهم المقاتلات الحربية، الفرصة لاصطحاب بقية من متاع أو مستلزمات حياة.


وما يمارسه جيش الاحتلال في قطاع غزة، حتى بعد مرور عام على اتفاق "التهدئة" يفوق توصيف الإبادة الجماعية، ويتعداه إلى كل ما يرمز إلى بقاء الفلسطينيين أينما نزحوا وحلوا، فيعيش السكان الجوعى ليال دامية وفصول مرعبة، وكلما أوى النازحون إلى مكان، ولّوا منه فراراً وأكثر رعباً، فالموت يدركهم ولو كانوا في بروج مشيّدة.
في عام التهدئة..


بقي أن نشير إلى أن كيان الاحتلال ارتكب خلال العام الآفل 5150 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار، وأسقط برصاصه وصواريخه وقذائفه 1500 شهيداً، و4990 جريحاً، واعتقل نحو 200 مواطناً.
وظل كيان الاحتلال يمنع دخول السلع الأساسية اللازمة للإبقاء على حياة النازحين المحاصرين، فيمنع دخول الوقود، ويقطع الدواء، ويحجب الغذاء.


وفي "خريف غزة" تساقطت الخيام المتهالكة كما أوراق الشجر، بعد أن تعاقبت عليها رحلة نزوح الشتاء والصيف، وظل مستقبل النازحين مجهولاً.
هذا في عام "التهدئة" ووقف النار.. سفك الدماء يتواصل، وسيطرة جيش الاحتلال تتوسع بفعل "المكبعات الصفراء" فيما مساحة غزة أخذت تتقلص، وفي عام وقف إطلاق النار، لم ير الغزيون غير النار.