تشير بيانات التجارة الخارجية إلى ارتفاع حجم التبادل التجاري بين سلطنة عُمان ودول مجلس التعاون الخليجي بشكل ملحوظ خلال العام الحالي، وعلى سبيل المثال ارتفعت قيمة الصادرات العُمانية غير النفطية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في الفترة من يناير حتى يوليو إلى نحو 1.4 مليار ريال عُماني مقابل 690 مليون ريال عُماني في الفترة المماثلة من العام الماضي.

وسجلت الواردات نموًا بنسبة 23٪ لتصعد إلى 2.8 مليار ريال عُماني مقابل 2.3 مليار ريال عُماني في الفترة المماثلة من العام الماضي، وهناك أيضًا العديد من البيانات الأخرى التي تشير إلى ارتفاع قيمة المبادلات التجارية مع باقي دول المجلس.

كما أن الاستثمارات الخليجية في سلطنة عُمان تسجل نموًا لافتًا، وبحسب بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات بلغ إجمالي استثمارات الكويت والإمارات وقطر والبحرين حتى الربع الثاني من العام الجاري أكثر من 3.3 مليار ريال عُماني مشكلةً 10.4٪ من إجمالي الاستثمارات الأجنبية حتى يونيو والبالغة 32.2 مليار ريال عُماني مع الإشارة إلى أن المملكة المتحدة تأتي في المرتبة الأولى بأكثر من 16.7 مليار ريال عُماني، وتحتل الولايات المتحدة الأمريكية المرتبة الثانية بـ 8.6 مليار ريال عُماني.

وفي حقيقة الأمر تكشف هذه الأرقام طبيعة الترابط الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي وما تتطلبه المرحلة المقبلة من تعميق الشراكات الاقتصادية في ظل التجاذبات التي يشهدها العالم حاليًا وما تفرضه من تحولات في حركة التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد، وكما نعلم، فإن العلاقات بين دول المجلس لا تستند فقط إلى الجوار الجغرافي والروابط التاريخية، بل تقوم أيضًا على تشابك المصالح الاقتصادية وما يتيحه ذلك من فرص عديدة لمزيد من النمو الاقتصادي، وزيادة فرص الاستثمار المتاحة أمام القطاع الخاص، وحضور المنتجات الخليجية بدول المجلس، وهي مكاسب عديدة من شأنها توسيع الشراكات القائمة بين مختلف الشركات الخليجية.

وعلى الرغم من ارتفاع حجم الاستثمارات، وزيادة المبادلات التجارية بين دول المجلس، إلا أن هناك مجالات أكبر لتعزيز استفادة الشركات الخليجية من النمو الاقتصادي.

ولعل النشاط الذي تشهده الموانئ العُمانية حاليًا يشير إلى تنامي الدور الذي تلعبه سلطنة عُمان في سلاسل الإمداد الخليجية مستفيدةً من موقعها الجغرافي المطل على بحر عُمان وبحر العرب والمحيط الهندي، ومن علاقاتها المتوازنة مع مختلف دول العالم، وهذه المزايا من شأنها تعزيز دور سلطنة عُمان في ربط الأسواق الخليجية بالأسواق الإقليمية والدولية، وإتاحة فرص عديدة للشركات العُمانية الراغبة في توسيع أنشطتها الاقتصادية، وزيادة صادراتها الصناعية، ويتطلب ذلك تعزيز الشراكات مع المستثمرين الخليجيين، وتطوير المشروعات المشتركة، كما يتطلب أيضًا تسهيل الإجراءات التجارية أمام الشركات العُمانية، ومعالجة التحديات التي قد تحول دون تحقيق هذه الأهداف.

إن تنامي التبادل التجاري بين سلطنة عُمان ودول الخليج لا يمكن اعتباره مجرد زيادة في حركة السلع وتدفق الصادرات والواردات، بل يعكس حجم العلاقات القائمة بين دول المجلس، كما أنه من المهم ألا ننظر إليه على أنه استجابة مؤقتة للظروف المحيطة، بل بوصفه خيارًا استراتيجيًا يرتبط بفرص النمو والتنويع الاقتصادي على المدى الطويل، وما يعنيه ذلك من أهمية بناء شبكة اقتصادية أكثر ترابطًا وقدرة على تحقيق تطلعات دول المجلس نحو تنويع اقتصاداتها وتعزيز تنافسيتها للاستفادة من الفرص المتاحة، والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية، وبناء شبكة متكاملة من المصالح الاقتصادية المتبادلة التي تعزز الترابط بين اقتصادات دول المجلس، وتُسهم في توسيع فرص النمو أمام الشركات الخليجية في مختلف القطاعات الإنتاجية.