فـي ظلال ما يُراق من دماء، وفـي كونٍ سُلب أمنه وسلمه، وفـي رحاب توحّش الأقوى وعربدته، تُعلَن جائزة نوبل للآداب، وكأنّها تنزع السلام من الكون وتردُّه إلى الذات، إذ مُنحتها كاتبة آثرت سلامها الفردي، واجتهدت أن تنعزل عن كون الزيف والتشهير، وأن تقلّل ظهورها على منابر الإعلام وضجيج الخوارزميات وأبواق الحوارات.

استقرّت نوبل للآداب هذه السنة عند آن كارسون، وبدّدت بذلك طموحات وتوقّعات عربيّة تخبط خبط عشواء، وتأمل أمل ابن أبي الصلت، طموحات تتجدّد كلّما اقترب وقت الإعلان عن الجائزة ذات الوقع الكونيّ، وبقي نجيب محفوظ الاسم العربيّ الوحيد الذي ارتضته ورضيت عنه نوبل للآداب، ولعلّه من حقّ كلّ مبدع أن يصبو إلى هذا التتويج وأن يسعى خلفه، دون أن يتحوّل الأمل إلى سعي لاهث لإرضاء مدبّري الجائزة. ت

أتي نوبل للسلام هذه السنة في عالم مليء بالدماء والحروب، لا سلام في أساريره ولا أمان ولا اطمئنان، عالم يشعر فيه الفرد بالتيه والعجز وفقدان الأمل، الموتُ جملةً وتفصيلا، والإبادة تقع كل حين أمام أنظار عالم عجز عقلاؤه عن التحكّم فيه وعن كبح جماح سفّاحيه وقتَلَته ومجانينه، لا سلام في البرّ ولا في البحر ولا في الجوّ، وقتلٌ كلّ لحظةٍ وحين، وكيْل بمكيالين دوليين.

مكيالان صارا واقعًا وحقّا، ما يفعله الكيان المغتصب من إبادة جماعيّة لشعبٍ أعزل مُحاصَر، هو دفاع عن نفس، وإن أُطلقت حَجَرة على دماغ إسرائيلي عُدَّ ذلك عملا إرهابيّا يقتضي إبادة شعب. استُبيحت الحياة، وفقد الإنسان كرامته وما أمكن من حقّه في الوجود. في هذا العالم ما زالت أصواتٌ تأمل في السلام، تؤسس له، ترى فيه أمل الإنسان وجوهره.

مُنحت نوبل للآداب إلى كاتبة آثرت نغَم النفس وإيقاع الوجود، بمنأى عن صخب ما يحدُث، كاتبة ابتعدت عن الجدل والهرج والمرج ووازنت بين فردانياها وإبداعها، ووازت بين حاضرها وتاريخها، وجدت في التاريخ اليوناني وآثاره مأوى تركن إليه وتهنأ به عملا وعلما وإبداعا، منْه ومن نَفْسِها الأمَّارة بالشعر قراءةً وتذوّقًا وابتكارًا، التوّاقة إلى أعماق الوجود الإنسانيّ اهتدت إلى رفع الحُجُب عن أجناس الكتابة، وتذويب الحدود الفاصلة بينها، فبانت نصوصها حاملة وجوها عددًا، ولا نوع يحدّها، تمزج شعرا بنثر، وسيرةَ ذات بسيَر أغيارٍ، وصور بكتابة، وسردٍ بتخييل، وتاريخ بحاضر، في كأس مزاجه أدبُ.

أدبُ آن كارسون أدبٌ منفتحٌ، يستند إلى الشعر أرضيّةً وإلى مشاعر الإنسان موضوعًا، إلاّ أنّه يجول بحريّة بين أجناس الأدب وأنواعه، وهو الأمر الذي يدعونا إلى إعادة التفكير الجديّ في الالتزام القاطع الذي ننحوه -نحن العرب- في التعصّب التجنيسي، وفي البحث عن جنس النصّ وتحديده، ولعلّه من أبكر النصوص العربيّة تحديثًا في مزج الشعر بالنثر، وكتابة نوع يعسر تصنيفه، هو كتاب الجواشن لأمين صالح وقاسم حداد الذي صدر في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، ولم يلق من النقد العربي اهتماما كبيرا. رفْع الحجب عن تجنيس الأدب يُطلقُ من جهة خيال الأديب ليجول في الكتابة دون قيد، ويُبدي في الآن ذاته مقدرة الكاتب الذي يلعب بالأجناس على اختلاف مظاهرها ومآتيها.

نقطة أخيرة أردتُ إثارتها احتفاء بفوز الكندية آن كارسون بنوبل 2026، وهي الصلة بين الإبداعي والأكاديمي، في ظلّ تخيّر أديبة جامعيّة، ذات أرضيّة فلسفيّة، وصاحبة كتاب له وقعٌ وأثر وهو كتابها «أيروس الحلو، المر»، الكتاب الأطروحة، الذي نالت بأصله الدكتوراة في الفلسفة، وكان عنوانه في الأصل «أنا أكره وأحب»، وفيه عملت على دراسة مفهوم الشوق والرغبة في الشعر اليوناني القديم، وأساسا في شعر الشاعرة الإغريقية سافو، إذ أثارت فيه طرائق تفاعل الأدب الكلاسيكي مع مفارقة الحب شعورا جامعا بين اللذّة والألم والوصال والغياب.

وهي الأرضية التي توزّعت في باقي أعمالها الأدبيّة. الصفة الأكاديميّة البحثيّة للفائزة بنوبل استدعت تاريخًا منه يُمكن أن نثير علاقة الأكاديمي بالإبداعي، ومدى تقدير المبدعين في الفضاء الأكاديمي الوسيع، وأن نقف على جملة من النقاط: أهمّها: ما راج من تذكّر حادثة عدم تثبيت آن كرسون منذ أربعين سنة في درجة أستاذ مساعد للدراسات الكلاسيكية من قبل جامعة برينستون الأمريكية العريقة، بعد أن عملت معها لسبع سنوات، وهو أمرٌ عاديّ وممكن، غير أنّ غير العاديّ أن تُسارع هذه الجامعة إلى نسبة الكاتبة إليها بعد فوزها بالجائزة وأن تفتخر بأنّ الكاتبة انتسبت إليها، وهو أمرٌ يدعونا إلى التفكير في العقل الأكاديميّ الجافّ أحيانا، الذي يُعطِّل الإبداع وقد يقف في مواجهته، الأمر الثاني أنّ آن كارسون قد اعتُرف بها من قبل جامعات أخرى، وكرِّمت بالتدريس بحرية، دون انتساب إلى قسم التاريخ أو الفلسفة أو اللغات القديمة، لتتعهّد بتدريس الإبداع والأدب في جامعات عريقة وهامة، وهو أمرٌ دعاني إلى النظر في الجهود الصِفريّة للجامعات العربيّة في تقدير المبدع الجامعي، بل يُمكن أن يقع العكس تماما وأن يُستَهجَن المبدع، ولا يُنظَر إليه قيمة خاصة مائزة، وإنّما يُعادَى، ويُقاوَم، وكأنّه جسم غريب، وطرف دخيل، وهي عقلية أكاديمية عربيّة قد آن أوان تغييرها.

الجامعة فضاءٌ للتميّز وتغذية الإبداع، والجامعات التي تضمّ من بين هيكلها التدريسي مبدعين متحقّقين، وجب أن تفخر بهم وأن تساعدهم على مواصلة إبداعهم، فالمبدع يُعلي اسم بلده وتاريخه وحضارته، وهو علامة إشهارية لا تذوي ولا تتداعى.