لا أدري إن كان يحق لي تشبيه كثير مما نقرؤه اليوم من أخبار وتقارير ومقالات بالوجبات السريعة الرديئة؛ سهلة التحضير، ولا تحتاج إلى طباخ ماهر لإعدادها، لكن ينقصها الكثير من المذاق.

وهذه المقارنة بين الإعلام السريع الطبخ وبين الأكل الرديء السريع التحضير كانت حاضرة منذ زمن في دراسات الإعلام والاتصال، فيما عُرف بـ«صحافة الماكدونالدز».

فكما يمكن إعداد وجبة باتباع وصفة جاهزة، يمكن إنتاج مادة صحفية بالطريقة نفسها، دون أن تحمل شيئا من مهارة كاتبها أو معرفته.

ولأنني درست الإعلام أكاديميا، فربما يعطيني ذلك بعض الحق في وصف نفسي بالمتعصب لقواعد هذه المهنة وأسسها ونظرياتها وأخلاقياتها.

ولأنني أيضا مارستها سنوات طويلة، فقد عاصرت كثيرا من مراحلها، حين كانت الصحيفة تُطبع بالوسائل التقليدية من الجمع والصف، وعملت إلى جانب جيل أصيل من الصحفيين والإعلاميين الممارسين لقواعد الصحافة، بكل تفاصيلها الدقيقة الفاصلة بين صنف صحفي وآخر.

كان للخبر مصدر يجري التحقق منه، وللمعلومة سياق، وللرأي مكان يعرفه القارئ. وربما لهذا نستعيد تلك الفترة بوصفها مرحلة ذهبية؛ فقد كانت أسس المهنة حاضرة في تفاصيل العمل اليومي، من جمع المعلومات إلى تحريرها ونشرها.

وعند المقارنة بتلك المرحلة، يمكن تتبع بدايات التدهور الصحفي، إن كان يحق لي تسميته بهذا المصطلح، مع ظهور صحافة المأكولات السريعة الطبخ، السريعة التحضير، السريعة الاستهلاك، السريعة الذوبان. بدأت ملامحها مع تسارع صناعة الأخبار ونقلها وتداولها، وتحديدا بعدما أخذت الإنترنت تزحف تدريجيا إلى عالم الإعلام بصفة عامة، وعالم الصحافة على وجه الخصوص.

وفي تقديري، كانت الصحافة غالبا أول المتضررين من التطور التقني؛ فكل تقنية حديثة تبدأ موجاتها التسونامية بضرب الصحافة والمشتغلين فيها، ثم تتوالى موجاتها الارتدادية لتؤثر في بقية الوسائل الإعلامية.

ومع ذلك، فإن السرعة والسهولة في جمع الأخبار وكتابتها ونشرها في المواقع الإلكترونية خففت كثيرا من أعباء المهنة، وسرّعت وتيرة النشر. وقد حافظت الصحافة الحقيقية، مع استخدام تلك التقنية، على أسسها المتينة وجوهرها المهني، فيما جمّلت وسائل النشر الحديثة بعضا من وجهها.

أما الانحدار الحقيقي لكثير من القيم في الإعلام الحديث، فأرى أن بداياته ارتبطت بظهور وسائل التواصل الاجتماعي، حين رُفع شعار «كلنا إعلاميون»، وبات كثيرون يستسهلون وصف أنفسهم بالإعلاميين، ويساوون أنفسهم بممتهني المهنة، دون معرفة بأسس الإعلام والصحافة.

يكفي أن يمتلك أحدهم صفحة شخصية يمارس فيها هواياته، ويكتب وينشر ويبث ما يشاء من أفكار وآراء، حتى يجد من بعض الأصدقاء تشجيعا على الاعتقاد بأنه بات يقارع الإعلاميين القدامى، ولا فارق بينه وبينهم.

ولن أتجنى على الجميع بهذا الحكم؛ فهناك الكثير من التجارب الحقيقية الجادة التي خرجت من عباءة الإعلام التقليدي إلى فضاء جديد، واستطاعت أن تفرض نفسها على ساحة ما يسمى اليوم بالإعلام الجديد.

وحتى هنا، ظلت الكتابة والمهنة بشرية في جوهرها، وإن دخلتها بعض لمسات الآلة الناعمة.

لكن التحول الجذري في الصحافة والإعلام والكتابة بصفة عامة بدأ مع دخول الذكاء الاصطناعي من أوسع الأبواب. وكانت الصحافة في مقدمة من واجهوا هذا الواقع الجديد واختبروه وتعاركوا معه، قبل أن يمتد أثره إلى بقية الصنوف الإعلامية.

وفي تقديري، أضعف هذا التحول من زند الصحافة؛ فقد أتاح إنتاج النصوص لكثير ممن كانوا ينأون بأنفسهم عن دخول المهنة، لعدم إلمامهم بتفاصيلها وقيمها وقواعدها. فالصياغة التي كانت تتطلب معرفة وممارسة أصبحت متاحة بطلب يُكتب للآلة، فتتولاها. واتسعت بذلك دائرة من يستطيعون إرسال الخبر والمعلومة بعدما كانوا يكتفون باستقبالهما.

وحتى في هذه المرحلة، ما زال الإنسان هو من يطلب من الآلة أن تكتب، ويقرر ما يُنشر من كتابتها. إلا أن ملامح المرحلة القادمة توحي بأن الآلة قد تستغني عن تدخله في الكتابة والنشر، ليعود البشر إلى موقع المتلقي فقط.

في هذا الاحتمال، يغيب المرسل البشري، وتتولى الآلة إنتاج الرسالة وصياغتها وإرسالها، وفق ما تراه مناسبا للبشر وما يلائم احتياجاتهم، التي قد تتولى هي أيضا تحديدها.

وهنا يظهر التخوف الأكبر: أن يتبنى الإنسان روايات الآلة، ويعيد نشرها كأنها حقائق، دون العودة إلى الأساس الذي تحدثنا عنه، حين كان الخبر يخضع للتحقق بواسطة المحرر البشري المختص. وهنا، في رأيي، يكمن الخطر؛ عندما يستسهل الإنسان ما يُنتج له، ويعتبره رفاهية وراحة.

بين الماضي والحاضر مسافة قصيرة، لكنها فارقة في تغيير المشهد الصحفي والإعلامي؛ تبدلت فيها الكثير من الأسس والمفاهيم والقيم. يقول البعض إن هذه التحولات جاءت لخدمة البشر، وصبت في مصلحتهم واستنارتهم وزيادة وعيهم. وإن كانت كذلك بالفعل، فإنها زادت في الوقت نفسه من معاناتهم مع كثافة التدفق وسهولة الحصول على المعلومة.

فهذا الطوفان من الأخبار، بقدر ما أتاح المعرفة، زاد من عبء الفرز والتحقق، ومن الحيرة أمام الروايات المتضاربة. أصبح الوصول إلى المعلومة أسهل، لكن الاطمئنان إليها أصعب. وربما هنا نعود إلى المقارنة الأولى: كثرة الوجبات وسهولة إعدادها لا تضمنان جودة ما نستهلكه، ولا تعفياننا من السؤال عمن أعدها وماذا وضع فيها.