وهذه المقارنة بين الإعلام السريع الطبخ وبين الأكل الرديء السريع التحضير كانت حاضرة منذ زمن في دراسات الإعلام والاتصال، فيما عُرف بـ«صحافة الماكدونالدز».
فكما يمكن إعداد وجبة باتباع وصفة جاهزة، يمكن إنتاج مادة صحفية بالطريقة نفسها، دون أن تحمل شيئا من مهارة كاتبها أو معرفته.
ولأنني أيضا مارستها سنوات طويلة، فقد عاصرت كثيرا من مراحلها، حين كانت الصحيفة تُطبع بالوسائل التقليدية من الجمع والصف، وعملت إلى جانب جيل أصيل من الصحفيين والإعلاميين الممارسين لقواعد الصحافة، بكل تفاصيلها الدقيقة الفاصلة بين صنف صحفي وآخر.
كان للخبر مصدر يجري التحقق منه، وللمعلومة سياق، وللرأي مكان يعرفه القارئ. وربما لهذا نستعيد تلك الفترة بوصفها مرحلة ذهبية؛ فقد كانت أسس المهنة حاضرة في تفاصيل العمل اليومي، من جمع المعلومات إلى تحريرها ونشرها.
وفي تقديري، كانت الصحافة غالبا أول المتضررين من التطور التقني؛ فكل تقنية حديثة تبدأ موجاتها التسونامية بضرب الصحافة والمشتغلين فيها، ثم تتوالى موجاتها الارتدادية لتؤثر في بقية الوسائل الإعلامية.
يكفي أن يمتلك أحدهم صفحة شخصية يمارس فيها هواياته، ويكتب وينشر ويبث ما يشاء من أفكار وآراء، حتى يجد من بعض الأصدقاء تشجيعا على الاعتقاد بأنه بات يقارع الإعلاميين القدامى، ولا فارق بينه وبينهم.
لكن التحول الجذري في الصحافة والإعلام والكتابة بصفة عامة بدأ مع دخول الذكاء الاصطناعي من أوسع الأبواب. وكانت الصحافة في مقدمة من واجهوا هذا الواقع الجديد واختبروه وتعاركوا معه، قبل أن يمتد أثره إلى بقية الصنوف الإعلامية.
وفي تقديري، أضعف هذا التحول من زند الصحافة؛ فقد أتاح إنتاج النصوص لكثير ممن كانوا ينأون بأنفسهم عن دخول المهنة، لعدم إلمامهم بتفاصيلها وقيمها وقواعدها. فالصياغة التي كانت تتطلب معرفة وممارسة أصبحت متاحة بطلب يُكتب للآلة، فتتولاها. واتسعت بذلك دائرة من يستطيعون إرسال الخبر والمعلومة بعدما كانوا يكتفون باستقبالهما.
في هذا الاحتمال، يغيب المرسل البشري، وتتولى الآلة إنتاج الرسالة وصياغتها وإرسالها، وفق ما تراه مناسبا للبشر وما يلائم احتياجاتهم، التي قد تتولى هي أيضا تحديدها.
وهنا يظهر التخوف الأكبر: أن يتبنى الإنسان روايات الآلة، ويعيد نشرها كأنها حقائق، دون العودة إلى الأساس الذي تحدثنا عنه، حين كان الخبر يخضع للتحقق بواسطة المحرر البشري المختص. وهنا، في رأيي، يكمن الخطر؛ عندما يستسهل الإنسان ما يُنتج له، ويعتبره رفاهية وراحة.
فهذا الطوفان من الأخبار، بقدر ما أتاح المعرفة، زاد من عبء الفرز والتحقق، ومن الحيرة أمام الروايات المتضاربة. أصبح الوصول إلى المعلومة أسهل، لكن الاطمئنان إليها أصعب. وربما هنا نعود إلى المقارنة الأولى: كثرة الوجبات وسهولة إعدادها لا تضمنان جودة ما نستهلكه، ولا تعفياننا من السؤال عمن أعدها وماذا وضع فيها.