قد تمتد آثار التعثر المالي إلى حياة المرأة وأسرتها، فتواجه تحديات نفسية واجتماعية واقتصادية تعيق استقرارها وتؤثر في علاقتها بأبنائها ومحيطها المجتمعي. وتزداد الحاجة إلى المساندة حين تجتمع الالتزامات المالية مع غياب مصدر الدخل والقلق من المستقبل وصعوبة العودة إلى الحياة بعد السجن.
وفي هذا السياق، دشنت جمعية الرحمة لرعاية الأمومة والطفولة مبادرة "أُفق" بالتزامن مع شهر أكتوبر الذي تحتفل فيه المرأة العمانية بيومها السنوي الذي يوافق 17 أكتوبر من كل عام، بهدف مساندة الأمهات الغارمات عبر مسار يمتد من المساهمة في الإفراج عن الحالات المستحقة وفق الأطر القانونية والإجراءات المعتمدة إلى التأهيل النفسي والاجتماعي والمهني والتمكين الاقتصادي، بما يساعد المستفيدات على استعادة الاستقرار وبناء حياة جديدة لهن ولأبنائهن.
وتستند المبادرة إلى رؤية تضع التأهيل والاستقلال المالي وإعادة الاندماج ضمن مسار واحد، مع مراعاة الظروف الخاصة بكل مستفيدة واحتياجات أسرتها.
"أُفق" امتداد لجهود الجمعية
تؤكد المكرمة سناء الخنجرية، رئيسة مجلس إدارة جمعية الرحمة لرعاية الأمومة والطفولة، أن المجتمع العُماني يتميز بالتكاتف والتضامن وما تحظى به المبادرات الإنسانية من دعم واهتمام من مختلف الجهات في الدولة، الأمر الذي يسهم في تعزيز جهود مساندة الأسر المتعففة وتمكينها من تجاوز التحديات التي تواجهها.
وتوضح أن أسباب التعثر المالي لدى بعض النساء متعددة، منها خسارة المشاريع التجارية نتيجة محدودية الخبرة في مجالات الإدارة والتسويق وغياب مصدر دخل ثابت، لا سيما لدى النساء اللواتي يواجهن ظروفا اجتماعية صعبة، ما قد يترتب عليه تراكم الالتزامات المالية وتعذر الوفاء بها، وصولا إلى صدور أحكام قضائية تنفيذية بحقهن.
وتشير إلى أن جمعية الرحمة لرعاية الأمومة والطفولة تولي هذه الفئة اهتمامًا كبيرًا، من خلال المبادرات والبرامج التي تهدف إلى تخفيف الأعباء المالية عن الغارمات ومساعدتهن على تجاوز أزمتهن والعودة إلى حياتهن الأسرية والاجتماعية بصورة أكثر استقرارًا.
وفيما يتعلق بحجم الاحتياجات مقارنة بالموارد المالية المتاحة، تؤكد الخنجرية أن العمل الإنساني مسؤولية مشتركة تتطلب تضافر جهود الأفراد والمؤسسات والجهات الداعمة، موضحة أن الجمعية تواصل على مدار العام تنفيذ مبادراتها في هذا المجال، مستندة إلى دعم المحسنين وشركائها من المؤسسات، سعيًا إلى الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المستفيدين ومنحهم فرصة حقيقية لبدء حياة جديدة تقوم على الاستقرار والاستقلال المالي.
وحول أوجه الاختلاف بين مبادرة "أُفق" والمبادرات السابقة التي أطلقتها الجمعية لمساعدة الغارمين والغارمات، مثل مبادرة "قيود تُكسر"، توضح الخنجرية أن "أُفق" تمثل امتدادًا لجهود الجمعية في مساندة الغارمين من الجنسين؛ لكنها تتجاوز مفهوم المساعدة المالية المباشرة إلى تبني نهج أكثر شمولًا واستدامة في معالجة آثار التعثر المالي على المرأة وأسرتها.
وتبيّن أن المبادرات السابقة، ومنها "قيود تُكسر"، ركزت على المساهمة في سداد الالتزامات المالية المستحقة عن الغارمين والغارمات، بما يساعد على إنهاء معاناتهم القانونية وتمكينهم من العودة إلى أسرهم وممارسة حياتهم من جديد.
أما مبادرة "أُفق"، فتنطلق من رؤية أوسع، إذ لا تقتصر على المساندة المالية حيث تمتد إلى تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للغارمات بعد خروجهن من السجن ومساندة أبنائهن وأسرهن، من خلال الاستعانة بمجموعة من المختصين، بما يسهم في تجاوز الآثار النفسية والاجتماعية التي قد تترتب على هذه التجربة.
وتؤكد الخنجرية أن الطموح من خلال "أُفق" يتمثل في إحداث أثر مستدام في حياة الغارمات وأسرهن، لا يقتصر على معالجة الأزمة الراهنة ويمتد إلى الحد من احتمالات تكرارها وتعزيز فرص الاستقرار الأسري والاقتصادي وتهيئة بيئة داعمة تمكّن المرأة من استعادة دورها في المجتمع والمضي قدمًا نحو مستقبل أكثر أمانًا واستقرارًا.
التمكين يبدأ بمعالجة الأسباب
وتصف السيدة وفاء البوسعيدي، الرئيس الاستراتيجي والنفسي لمبادرة "أُفق"، المبادرة بأنها طوق نجاة ووقفة كرامة وبارقة أمل حقيقية للنساء الغارمات، موضحة أن الهدف يتمثل في مساعدة المستفيدات على تجاوز ظروفهن وبناء حياة أكثر استقرارًا.
وتشير إلى وجود جهود سابقة في هذا المجال، من بينها مبادرة "فك كربة" التي تنفذها جمعية المحامين العُمانية ومبادرة "قيود تُكسر" التي أطلقتها جمعية الرحمة، إلى جانب المبادرات المعنية بلمّ الشمل. وتوضح أن "أُفق" تسعى إلى تقديم تمكين متكامل لا يتوقف عند المساعدة المالية، ويشمل التأهيل النفسي والاجتماعي والمهني ومساندة المرأة في الوصول إلى الاستقلال.
وترى البوسعيدية أن الاحتفاء بالمرأة العُمانية خلال شهر أكتوبر ينبغي أن يترافق مع جهود عملية تصل إلى النساء المحتاجات وأسرهن، مؤكدة أهمية تحويل الشهر إلى مساحة للعطاء والمساندة بين النساء.
وتمتد المبادرة على مدى عام كامل، وفق ما ذكرته السيدة وفاء البوسعيدي، وتقوم على ثلاثة مسارات تبدأ بالمساهمة في الإفراج عن الحالات المستحقة وفق الإجراءات المعتمدة، ثم تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للنساء وأسرهن، وصولًا إلى التدريب المهني والتمكين الاقتصادي من خلال الشراكة مع المؤسسات والشركات لتوفير فرص العمل ومساندة صاحبات المشاريع الصغيرة.
وتوضح أن معالجة الالتزامات المالية وحدها قد لا تمنع تكرار التعثر إذا بقيت الظروف التي أسهمت فيه دون معالجة؛ لذلك تركز المبادرة على استعادة الثقة بالنفس والتعامل مع مشاعر العجز والقلق، ثم تهيئة المستفيدة للالتحاق بعمل أو إدارة مشروع صغير يتناسب مع إمكاناتها وخلفيتها التعليمية والثقافية وظروفها الاجتماعية.
التأهيل النفسي والاستقلال الاقتصادي
توضح السيدة وفاء البوسعيدي أن النساء الغارمات قد يواجهن تحديات متداخلة تشمل الصدمة النفسية والشعور بالعجز والقلق من نظرة المجتمع، إلى جانب صعوبة إعادة الاندماج بعد الإفراج وتفكك الروابط الأسرية وغياب مصدر الرزق الثابت.
وفي المرحلة الخاصة بالتمكين الاقتصادي، تركز المبادرة على بناء شراكات تتيح فرص عمل مناسبة وتدعم المشاريع الصغيرة، مع توفير التدريب وفق قدرات كل مستفيدة وخلفيتها التعليمية والثقافية واحتياجاتها. ويهدف هذا المسار إلى مساعدتها على توفير دخل مستقر والوفاء بالتزاماتها وإدارة شؤونها المالية والأسرية والتخطيط لمستقبلها.
وتشدد البوسعيدية على أن نجاح التأهيل المهني يرتبط بمراعاة الحالة النفسية والاجتماعية للمرأة، إذ قد تواجه بعد الإفراج مخاوف تتعلق بقدرتها على العمل أو استعادة دورها الأسري أو التعامل مع الأحكام المسبقة، لذلك، تتطلب كل حالة دراسة لظروفها وتحديد نوع المساندة التي تحتاج إليها مع تهيئة البيئة المحيطة لتسهيل عودتها إلى المجتمع.
صندوق لمعالجة التعثر المالي
وفي إطار البحث عن حلول أوسع لقضية الغارمين والغارمات، تطرح البوسعيدية إمكانية دراسة إنشاء صندوق مخصص لمساندة الحالات المستحقة، تُخصص له نسبة من برامج المسؤولية الاجتماعية لدى البنوك والشركات لتوجيه جزء من هذه المخصصات إلى معالجة التعثر المالي.
وتوضح أن القضية موجودة في مختلف دول العالم، وأن التعامل معها يتطلب حلولا تراعي حق الدائن في استرداد أمواله وتساعد المتعثرين على تجاوز أزماتهم وفق ضوابط واضحة. وتشير إلى أن المقترح يأتي من منطلق اختصاصها النفسي والاستراتيجي مع تأكيدها أنها ليست خبيرة اقتصادية وأن فكرة الصندوق تحتاج إلى دراسة تحدد آليات عمله ومعايير الاستفادة منه.
وتدعو إلى أن تشمل الفكرة النساء والرجال؛ لأن التعثر المالي قد يواجه أفرادا من مختلف الفئات مع ضرورة دراسة كل حالة وتحديد احتياجاتها. كما تؤكد أهمية تكامل المساندة المالية مع التأهيل النفسي والاجتماعي والمهني حتى يتمكن المستفيدون من إدارة التزاماتهم المستقبلية والاستفادة من فرص العمل والتدريب.
فرصة للإصلاح
من جانبها، تؤكد عزة بنت إبراهيم المقبالية، سفيرة الأثر لمبادرة "أُفق"، أن المبادرة تحمل رسالة أمل وتجسد قيم الرحمة والتكافل في المجتمع العُماني، مشيرة إلى أن وراء كل أم حكاية وظروفًا قد لا يعرف الآخرون تفاصيلها، وأن تجربة التعثر لا ينبغي أن تحدد مستقبل الإنسان.
وتوضح أن زيارتها للسجن النسائي تركت أثرًا عميقًا في نفسها، إذ لمست ما تحمله بعض النساء من شوق إلى أبنائهن وأحلام مؤجلة وخوف من المستقبل، إلى جانب تطلعهن إلى العودة للحياة بكرامة. وتقول إن التجربة عززت شعورها بالمسؤولية تجاه هذه الفئة، وجعلتها أكثر إيمانًا بأهمية توفير الدعم الذي يساعد المرأة على تجاوز محنتها واستعادة استقرارها.
وتختصر المقبالية رسالة المبادرة بقولها: "لا ينبغي أن يكون الماضي حكمًا مؤبدًا على مستقبل الإنسان"، مؤكدة أهمية الإيمان بقدرة الإنسان على الإصلاح والنهوض بعد التعثر مع احترام المسؤولية القانونية وإتاحة الفرصة أمامه لبناء حياة جديدة.
وترى أن دعم الأم ينعكس على الأسرة بأكملها، نظرًا إلى دورها في توفير الأمان والرعاية لأبنائها، وأن غيابها قد يترك فراغًا عاطفيًا ونفسيًا لديهم. ولهذا، يحتاج التأهيل إلى مساعدة المرأة على استعادة ثقتها بنفسها وقدرتها على اتخاذ القرارات وتحمل المسؤوليات والاعتماد على ذاتها.
وتؤكد المقبالية أهمية الحفاظ على الروابط الأسرية خلال فترة السجن وفق الأنظمة والإجراءات المعمول بها وبما يراعي مصلحة الأطفال وظروف كل أسرة، من خلال الزيارات المناسبة ووسائل التواصل والإرشاد النفسي والاجتماعي للأم وأبنائها.
وتوضح أن مساندة الأم تساعد على توفير بيئة أكثر أمانًا للأسرة، وأن مراعاة احتياجات الأطفال تسهم في الحد من الآثار النفسية والاجتماعية التي قد تنجم عن غيابها. لذلك، ينبغي أن تشمل دراسة الحالات الظروف الأسرية واحتياجات الأبناء، إلى جانب الجوانب المالية والقانونية والنفسية التي تواجهها المستفيدة.
ترى المقبالية أن من أبرز التحديات التي تواجه الأمهات بعد الإفراج استمرار النظرة النمطية المرتبطة بماضيهن، إلى جانب صعوبة الحصول على فرص العمل والتدريب وإعادة بناء العلاقات الاجتماعية.
وتؤكد المقبالية أن نجاح المبادرات الإنسانية المستدامة يتطلب تكامل الأدوار بين الجهات الحكومية والخاصة والجمعيات الأهلية والفرق التطوعية؛ إذ تسهم الجهات الحكومية في الجوانب التنظيمية والقانونية والتأهيلية، ويمكن للقطاع الخاص توفير فرص التدريب والتوظيف والدعم الاقتصادي، فيما تؤدي مؤسسات المجتمع المدني دورًا في المساندة والاحتواء والتوعية.