تنتمي فاطمة البلوشي إلى فئة الأشخاص ذوي الإعاقة، وتحمل اليوم تجربة رياضية قادتها إلى صفوف منتخب البوشيا، إلى جانب ممارستها لرياضتي الرماية والإبحار الشراعي. خلف حضورها الرياضي حكاية امرأة خاضت تحديات مختلفة، وتعلمت خلال رحلتها أن تؤمن بقدراتها، وأن تعتمد على نفسها، وأن تواصل الطريق حتى في المراحل التي تبدو فيها الخطوات أكثر صعوبة.
لم تبدأ حكاية فاطمة مع الرياضة من خلال خطة مسبقة أو حلم قديم بالوصول إلى المنتخب. جاءت البداية بمحض الصدفة، عندما التقت بإحدى المدربات التي عرضت عليها فرصة الانضمام إلى الفريق، وكانت تلك اللحظة بداية تجربة جديدة لم تكن تعرف إلى أين ستقودها، قبل أن تتحول الرياضة مع مرور الوقت إلى جزء أساسي من حياتها.
دخلت فاطمة عالم الرياضة من بوابة التجربة، ثم بدأت تكتشف قدراتها تدريجيًا. خاضت تجارب في الرماية والبوشيا والإبحار الشراعي، وتعلمت من كل رياضة مهارات مختلفة، فيما منحتها المنافسات فرصة لاختبار قدرتها على الالتزام والاستمرار ومواجهة الضغوط. ومع انتقالها من تجربة إلى أخرى، أصبحت الرياضة مساحة تعزز فيها ثقتها بنفسها. لم تعد تنظر إلى التدريب والمنافسة على أنهما نشاطان منفصلان عن حياتها، فقد أصبحت الدروس التي تتعلمها في الرياضة جزءًا من شخصيتها وطريقتها في التعامل مع التحديات.
غير أن الطريق لم يكن خاليًا من الصعوبات. كونها امرأة من ذوات الإعاقة جعلها تواجه تحديات في حياتها الشخصية والرياضية، ومرت بمواقف احتاجت فيها إلى قوة داخلية أكبر وإلى الاعتماد على نفسها. وتقول فاطمة: «لم تكن الطريق دائمًا سهلة، وكانت هناك مواقف احتجت فيها إلى أن أؤمن بقدراتي أكثر، وأن أكون سندًا لنفسي». تختصر هذه الكلمات سنوات من التجارب التي تعلمت خلالها أن الطريق نحو الهدف يحتاج إلى الصبر، وأن تجاوز الصعوبات يبدأ أحيانًا من الإيمان بالقدرة على تجاوزها.
لم تسمح فاطمة للإعاقة بأن تختصر حياتها أو تحدد سقف طموحاتها، وكانت تتعامل مع كل تجربة باعتبارها فرصة لاكتشاف جانب جديد من شخصيتها. ومع كل تحدٍ تجاوزته، ازدادت قناعتها بأن الظروف لا تستطيع وحدها أن تحدد مستقبل الإنسان. وتقول: «أؤمن أن الإنسان لا يُعرّف بما يواجهه من صعوبات، بل بما يختار أن يصنعه من حياته». وهذه القناعة أصبحت جزءًا من تجربتها، فقد وجدت في الصعوبات التي مرت بها دروسًا ساعدتها على بناء شخصية أكثر صبرًا وإصرارًا، وعلى النظر إلى ما تستطيع تحقيقه بدلًا من التوقف عند ما قد يمنعها.
وخلف لاعبة منتخب البوشيا التي تظهر أمام الجمهور في المنافسات، تعيش فاطمة تفاصيل أخرى لا تظهر في الملعب. هناك أيام من التعب، ومواقف تحتاج فيها إلى الراحة واستعادة الطاقة، ولحظات قد يتسلل فيها التردد، ثم تأتي العودة إلى التدريب والاستعداد لمنافسة جديدة. وكان للأسرة والأشخاص المحيطين بها دور مهم في هذه الرحلة، والدعم الذي تلقته فاطمة لم يكن مرتبطًا بالكلمات فقط، فقد وجدت أثره في مواقف شعرت خلالها بأن من حولها يثقون بقدراتها ويشجعونها على الاستمرار. وتقول: «أكثر ما أعتز به هو كل موقف شعرت فيه بأن هناك من يرى قدراتي قبل أن يرى إعاقتي». وهذا النوع من الدعم منحها شعورًا بالثقة، وساعدها على التعامل مع التحديات بصورة أكثر ثباتًا. وبالنسبة إلى فاطمة، أن يؤمن الآخرون بقدرات الإنسان يمكن أن يصنع فرقًا كبيرًا في حياته، خاصة في المراحل التي يحتاج فيها إلى من يذكره بأنه قادر على الاستمرار. ومع وصولها إلى صفوف منتخب البوشيا، أصبحت تجربتها الرياضية تحمل مسؤولية جديدة. تمثيل المنتخب منح مسيرتها محطة مختلفة، ورسخ ارتباطها باللعبة التي أصبحت واحدة من أهم جوانب حياتها الرياضية.
تؤكد تجربتها أن الرياضة لا تُقاس دائمًا بالنتيجة التي تظهر في نهاية المنافسة. خلف كل مشاركة ساعات من التدريب، ومحاولات متكررة، وضغوط تحتاج إلى التعامل معها، ورغبة في العودة بعد كل تجربة. بالنسبة إلى فاطمة، أصبحت هذه التفاصيل جزءًا من رحلة أوسع مع الحياة.
وفي يوم المرأة العُمانية، تنظر فاطمة إلى رحلتها كامرأة واجهت تحديات خاصة، واختارت أن تستمر في بناء حياتها ومسيرتها الرياضية. لا تريد أن تختصر تجربتها في الإعاقة أو في مشاركاتها الرياضية، فهي ترى نفسها امرأة لديها طموحاتها وأحلامها وتجاربها الخاصة. وتقول: «أعتز بكوني امرأة عُمانية استطاعت أن تثبت أن الإعاقة لا تعني غياب الطموح، وأن الأحلام لا ترتبط بظروف الإنسان، بل بإيمانه بنفسه وإصراره على تحقيقها».
أما طموحها القادم، فلا يتوقف عند المنافسات الرياضية. تسعى فاطمة إلى مواصلة التعلم وتطوير ذاتها، وتتمنى أن تكون تجربتها مصدر إلهام للنساء، خاصة النساء من ذوات الإعاقة، وتؤمن بأن لكل امرأة حكاية تستحق أن تُروى، وأن الظروف قد تفرض تحدياتها على الإنسان، فيما تبقى طريقة التعامل معها جزءًا من اختياره الشخصي.