وأنا أشاهد المسلسلات العمانية التي تعود لسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بحثا عن صورة المرأة العمانية فيها، وجدت أمي في عمر العشرين في ذات الصورة، لطالما كانت تحتفظ بأرشيف الصور وألبومات قديمة لها، ترتدي «النفنوف» القصير، وبنطال «التيدي»، و»الوقاية» التي يظهر من مقدمتها شعر «مفروق» من الوسط، وألوان زاهية لكل قطعة من ثيابها، وأظافر مُجمّلة باللون العنابي الزاهي، وحلي بسيطة في اليدين، وأكتشف أن الفنانة فخرية خميس في «شمسة وعبود»، أو في «شنجوب والفك المفترس»، هي وجه حقيقي للمرأة العمانية آنذاك، التي تعيش على تربية أخوتها الصغار، رغم صغر سنها، وماهرة في كل الأعمال المنزلية، ولا يدور في ذهنها من هم الحياة إلا متى تحين اللحظة التي تذهب فيها لبيت زوجها، دون سؤالها عن رغبتها بالزواج من فلان أو من الآخر، بل ربما لا تسأل عن الوقت المناسب لزواجها.
كانت المرأة قبل زواجها مطيعة لأمر والديها، ولا يخاطبها الأب إلا من خلال أمها، تماما كصورة «فاطمة» في مسلسل «جمعة في مهب الريح»، التي ترى في ابن عمها «جمعة» فارس أحلامها، لم تكمل «فاطمة» دراستها وكان جلّ طموحها أن يتقدم «جمعة» لخطبتها وتُكمل ما تفعله في بيت والديها من مهام منزلية في بيت زوجها، وهو حال معظم الفتيات في تلك المرحلة، وهناك القليل كـ»نجوى» التي تعمل إلى جانب الرجل، وأخريات كـ «هدى» التي ولدت في أسرة غنية، لها كلمتها وصوتها المسموع في محيط أسرتها، أو كـ»موزة» الآمرة والناهية لا سيما وهي التي تملك المال والنفوذ.
وصورة أخرى للمرأة تجدها في مسلسل «مسافر خانة»، وهي الأم والأرملة الصارمة، التي تبحث عن لقمة العيش لأبنائها في دور «أم يوسف»، وتُعامل الابنة الصغيرة «فاطمة» التي قد لا يتجاوز عمرها السابعة أو الثامنة، معاملة أكبر من عمرها، لابد أن تشارك في أعمال المنزل، تطهو وتنظف وتحيك الملابس، تُلقى عليها الشتائم وتؤمّر بقسوة لأداء المهام، وهي صورة كانت موجودة عند بعض الأسر التي لا تجد من هذه الحياة إلا مأواها الذي تستر خلفه حتى أبسط احتياجاتها، فالمرأة في تلك الفترة - وإن كان تعليمها وثقافتها محدودة- إلا أنها أثبتت قوتها وصلابتها وقدرتها على تنشئة أسرة كاملة، فقلما وجد الأب إلى جانب الأم، يربي وينفق ويشارك في كل صغيرة وكبيرة تخص أسرته، فهو إما قد غيبه الموت، أو غيبته الغربة بحثا عن عمل لإعالة أسرته، أو هو حاضر بلا قدرة على إيجاد عمل.
تصور لنا «فخرية خميس» في مسلسل «مسافر خانة» وهي تخيط «الكمة» لتكسب بعض المال، أو «أمينة عبد الرسول» في «عايش زمانه» وهي تخيط الملابس لتعيل ابنها الوحيد بعد وفاة زوجها، تماما كما كانت جدتي تحكي لنا حال حياتها في مرحلة شبابها، أجبرتها الحياة على أن تقف إلى جانب الرجل تعمل وتطرق الأبواب بحثا عما يلبي احتياجات أسرتها، دون أن تقف حجر عثرة في طريق أبنائها حين ينطلقون للدراسة في البلاد أو خارجها.
امرأة السبعينات في الدراما
وكما هو حال الأم عند سفر الأبناء، فهو أيضا حال الزوجة، فقد كانت الحياة أصعب من إيجاد الرجل عملا يسند به قوام أسرته، فيلجأ للسفر خارج البلاد للدراسة والعمل معا، تاركا خلفه إما والديه، أو زوجته، أو أبناءه، وهي صورة استندت عليها السهرة التلفزيونية الأولى «وتحطمت الكؤوس» إنتاج عام 1979، حيث أدت فيها الفنانة «فخرية خميس» دور صابرة، و»ليلى خميس» بدور أم خالد، و»بتول خميس» بدور الممرضة، وكانت هي الأدوار الرئيسية في العمل، وفيها صورة يمكن أن تكون واقعية، فالمرأة في تلك الفترة هي الأم والزوجة التي تطيع أمر زوجها، وتؤدي مهامها في البيت، وتتحمل صعاب الحياة وظروفها القاهرة، تقف حزنا وشوقا لزوجها الذي يترك الوطن في سبيل توفير حياة كريمة لأسرته، وتخفي تلك الأحزان في قلبها دون أن تعبر عنها إلا بالصبر، هي ذاتها المرأة التي تجرها العاطفة وتأخذها المشاعر في قلبها لتحمل الثقة المطلقة لزوجها، وتبيع ذهبها لتكون عونا له في غربته، هي الزوجة المخلصة التي تصبر أيضا على كل مشكلة، وتخفي كل ما يحدث لها في حياتها الزوجية عن عائلتها، لتحفظ زواجها من الانهيار حتى آخر رمق. وتبذل ما تستطيع لتكون قيمها ومبادئ المجتمع المحافظ هي أسس بناء حياتها الأسرية.
ففي «وتحطمت الكؤوس» تظهر صورة المرأة التي يدور إطار حياتها حول بيتها وزوجها وأبنائها، ويبدو أنها تماما كحال معظم النساء في تلك الفترة الزمنية.
فاعلية المرأة
في صناعة الحكاية
في معظم السيناريوهات الدرامية خلال الفترة في الثمانينيات والتسعينيات كانت المرأة شخصية رئيسية في العمل الدرامي، فلا يكاد يخلو مشهد من حضورها أو حديث عنها، ففي مسلسل «مسافر خانة» كانت شخصية «أم يوسف» محورية وأساسية، إلى جانب شخصية «الشايب خلف»، ورغم بساطتها كامرأة محدودة التعليم إلا أنها مسؤولة عن أسرة مكونة من ابن وابنتين، تعيلهم بالبسيط مما تملكه، كانت فرصتها في الحديث والمشاركة والأفكار كحال شخصية «الشايب خلف»، وكذلك الحال في شخصية «شيخة» التي تؤديها الفنانة أمينة عبد الرسول، على الرغم من كونها ربة منزل وتساند زوجها بخياطة الملابس، إلا أن زوجها يستشيرها ويأخذ برأيها في جميع ما يحدث معه، ولكن في المقابل يتضح في المسلسل كما هو الحال في أعمال أخرى بأن الفتاة في عروض الزواج يتم السؤال عن قدرتها على الطهي والخياطة والزراعة ورعي الأغنام، لا بحثا عن علم ولا ثقافة ولا مظهر، ولا يؤخذ برأيها في رغبتها بالزواج من عدمه، أو في اختيار الرجل المناسب، وهو أمر قد يكون واقعيا في بعض العوائل في تلك الفترة الزمنية. وعلى النقيض من ذلك، بالغ مسلسل «عايش زمانه»، الذي أُنتج عام 1994م، في بناء صورة منفتحة للمرأة العمانية في تلك المرحلة من تسعينيات القرن الماضي، سواء من حيث حضور المرأة أو من حيث ملابسها، ربما لأن المسلسل آنذاك أراد أن يصوّر الانفتاح والتطور الذي تظهره الأعمال الدرامية، لا أن يعكس واقعًا مجتمعيًا عامًا في عُمان، فلم يُوفَّق المسلسل في تصوير المرأة العمانية، لا في اختيار الأزياء ولا في تعاملها مع والدها ولا مع زميل العمل، فهل كانت الابنة في ذاك الوقت بتلك الجرأة لتتناقش مع والدها حول موضوع الزواج؟
قد لا تكون قادرة على الاختيار والرفض المباشر، ولكنها كانت تناقشه كما تناقش زميلها في العمل الذي تحمل المشاعر له في موضوع رغبة والدها في تزويجها من رجل أعمال لمصلحة خاصة به، الجرأة في الفكرة قبل الحديث ما لا يتوافق مع طبيعة الحياة والتعامل بين الناس في تلك المرحلة، وكذلك الانفتاح في التعامل بين الرجل والمرأة سواء اجتماعيًا أو عمليًا لم يكن بتلك الصورة، كما تشاهد في المسلسل شجارًا بين رجل وامرأة في موقع العمل وأمام زملائهما، وذلك بسبب الشك بينهما، وهما غير متزوجين، فهي مبالغة كبيرة لا يمكن أن تمتّ للواقع بصلة.
ولعلّ أبرز الأعمال الدرامية في فترة التسعينيات مسلسل «سعيد وسعيدة»، الذي لاقى إقبالًا وانتشارًا على المستوى المحلي والخليجي، تتمثل فيه المرأة كشخصية مساندة من خلال دور أم سعيدة التي تؤديها الفنانة «أمينة عبد الرسول»، والتي تعيش برفقة زوجها «سلوم الحافي»، لم تُوظَّف فيه إلا بدور الزوجة وربة البيت المطيعة التي تتحمل أعباء الحياة برفقة رجل بخيل، تعلمت معه كيف تتعامل مع إدارة المنزل، إلى جانب «سعيدة» الابنة التي تؤدي دورها الفنانة فخرية خميس، المرأة البسيطة ذات الثقافة المحدودة، وأقصى طموحاتها هو الزواج، وعلى النقيض تمامًا تأتي شخصية «خديجة» التي تؤدي دورها الفنانة أمينة موسى، فتملك القوة والكلمة ولها صوتها المسموع مع زوجها، وتعيش حياة أفضل من حياة سعيدة ووالدتها، وعلى الرغم من أن جميع النساء في هذا العمل كنّ غير موظفات، ولكن اختلفت كل واحدة منهن في إدارتها لبيتها وحياتها الأسرية، وكأن ذلك إشارة إلى أن الاختلاف لا يعتمد على البيئة آنذاك، بل هو مرتبط بشخصية كل واحدة، والرجل الذي تزوجت منه.
تحولات الصورة
في الألفية الجديدة
مع دخول الألفية الجديدة، قفزت المسلسلات الدرامية العمانية في تصوير المرأة، حيث حوّلتها شكلًا وثقافةً وعلمًا لنسخة من المرأة الخليجية، لا تشبه فيها صورة المرأة العمانية، ففي أشهر مسلسل «درايش» المعروض في ٢٠٠٨ للمرأة صوت وكلمة تفوق كلمة الرجل، ولكن ما يميز هذا العمل أنه ناقش قضايا تخص المرأة، وكانت تعيشها الفتاة كابنة وأم وزوجة في المجتمع العماني، على الرغم من الابتعاد في الشخصية والتعامل مع الحياة والأزياء عما كانت عليه المرأة في تلك الفترة، وقد يكون المسلسل قد سلّط الضوء على بعض النماذج في المجتمع، ولكن لا يمكن أن يُقال إنها كانت هكذا في العموم.
وفي 2022، من خلال المسلسل الأشهر في الفترة ما بعد 2010، «اسمع وشوف»، الذي تحضر فيه الفنانة العمانية إلى جانب بعض الأسماء الخليجية، حيث يسلط المسلسل الضوء على كثير من قضايا المرأة، والقضايا الاجتماعية والأسرية عمومًا، ولكن السؤال يدور حول ما إذا كانت المرأة في العمل هي صورة حقيقية لمعظم النساء في عُمان؟
وأي صورة تريد الدراما أن تُظهرها؟ الصورة الواقعية أم الصورة الملمّعة؟ هل السيناريوهات الدرامية انعكاس لما يحرص المجتمع العماني على التمسك به، أو هي صورة جمالية يتم التباهي بها أمام المجتمعات الأخرى بمدى التطور والانفتاح شكلًا وحديثًا وثقافةً ومستوى معيشيًا؟
أشهر القضايا في مسلسل «اسمع وشوف» هي غلاء المهور، وهي المعنية بشكل مباشر بالمرأة، المسلسل يطرح فكرة أن المجتمع ينظر إلى المرأة وقيمتها بقيمة ما يُقدَّم لها من مهر، في انعكاس حقيقي لما ينادي به المجتمع من غلاء المهور، ولكن لا أحد يستطيع تقبّل فكرة التغيير وخفض قيمة المهر.
من يكتب صورة المرأة
قد لا يختلف أحد على أن المرأة العمانية في بعض الأعمال وجدت مساحتها، وأظهرت صورتها ولو بشكل مبسط، لكنها في كثير من الأعمال لم تمتلك الحق في قول كل ما لديها، ولا أن تُظهر اسمها وشكلها وثقافتها ودورها المجتمعي، ربما لأن العمل الدرامي العماني لم يحظَ بفرصة أن تكتبه أقلام نسائية، تحمل همّها وقضاياها الأهم في الطرح والنقاش، ولم تجد مساحتها لا في الدور فقط، بل في الحوار نفسه، وطريقة تقديمها بصريًا، فكتابة الشخصية تحتاج إلى عمق أكبر، وعيش التجربة بحقيقتها وشعورها والاقتراب من واقعها.
ومن هنا يأتي السؤال: هل الدراما قادرة على رسم صورة المرأة العمانية اليوم؟ بكثير من التنوع، وسرد حكاياتها من تجربتها الذاتية، وشخصيات متباينة ومتناقضة في أدوارها الاجتماعية والإنسانية، وعلى الرغم من أن التغيرات التي تطرأ على كل شخصية في عمل درامي هي مرتبطة بتغير المجتمع وتطوره، ولكن هل يستطيع الكاتب الدرامي أن يمنح المرأة مساحتها للتعبير عن ذاتها وواقعها من خلال أدوارها؟ وكيف يمكن أن يعطيها السيناريو حقها في الخروج من أدوارها المألوفة؟ ألا تملك الحق في أن تستقل بحكايتها الخاصة، لا أن تكون مقتصرة على أدوار مساندة في حكايات الآخرين؟
فالمرأة في الدراما لا يجب أن تقتصر على شخصيات متعددة، ولا تدخل في العمل لتخرج من شكلها التقليدي إلى صورة حديثة، وإنما أن تكون صاحبة صوت وكلمة، ولها مساحة لتقدم حكايتها كما تعيشها واقعًا.