لم يعد الحديث عن الهيدروجين الأخضر في سلطنة عُمان مرتبطًا فقط بمسألة التحول نحو الطاقة النظيفة أو خفض الانبعاثات، بل أصبح جزءًا من سؤال اقتصادي أكبر يتعلق بالشكل الذي يمكن أن يكون عليه الاقتصاد العُماني خلال العقود المقبلة، وكيف يمكن للسلطنة أن تستفيد من مواردها الطبيعية وموقعها وخبرتها الطويلة في قطاع الطاقة لبناء صناعات جديدة قادرة على المنافسة في عالم يتجه تدريجيًا نحو خفض الكربون.
فالهيدروجين الأخضر يوفر مسارًا استراتيجيًا لتنويع الاقتصاد وخفض الانبعاثات في الصناعات التي يصعب الحد منها بالوسائل التقليدية، كما يتيح تحويل الوفرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح من مجرد مصدر لإنتاج الكهرباء النظيفة إلى مدخل لإنتاج سلع صناعية قابلة للاستهلاك محليًا أو التصدير.
ورغم أن الاستخدام التجاري للهيدروجين الأخضر في عُمان لا يزال في مراحله الأولى، فإن المشاريع التجريبية والمبادرات الوطنية التي يجري تطويرها اليوم يمكن أن تشكل الأساس لصناعة أكبر مستقبلًا، إذا استطاعت السلطنة الانتقال من مرحلة إثبات الإمكانات التقنية إلى بناء طلب صناعي حقيقي ومستدام.
وحتى الآن، لا توجد حالة مؤكدة لدمج الهيدروجين الأخضر بصورة روتينية ضمن مزيج الطاقة التشغيلي لشركة صناعية في عُمان، إذ لا تزال الأنشطة تتركز بدرجة كبيرة في التخطيط والمشاريع التجريبية، غير أن أهمية هذه المرحلة تكمن في أنها تسمح باختبار التقنية والتكلفة ومدى ملاءمتها للبيئة الصناعية المحلية قبل الانتقال إلى استثمارات أكبر.
ومن المبادرات البارزة في هذا السياق مشروع «ميناء صحار - جندال شديد - هيدروجين رايز»، الذي يتضمن إنشاء وحدة تحليل كهربائي بقدرة 35 ميجاوات تعمل بالطاقة الشمسية الكهروضوئية لتزويد عمليات إنتاج الحديد المختزل مباشرة بالهيدروجين، مع إمكانية التوسع لاحقًا لتصل القدرة إلى 350 ميجاوات.
كما تعمل شركة أوكيو للطاقة البديلة على تطوير مشروع تجريبي بقدرة تتراوح بين 10 و15 ميجاوات في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم لاختبار تطبيقات عملية في ظروف تشغيل واقعية، وتكتسب مثل هذه المشاريع أهميتها من كونها لا تختبر إنتاج الهيدروجين وحده، وإنما العلاقة بين الإنتاج والاستخدام الصناعي والبنية الأساسية والجدوى الاقتصادية، وهو ما يتكامل مع الدور الوطني الذي تضطلع به شركة «هيدروم» في تنظيم القطاع وتهيئة الظروف للانتقال نحو الإنتاج على نطاق واسع وتحفيز الطلب الصناعي المحلي وفتح مسارات للتصدير من خلال منتجات مثل الأمونيا الخضراء والصلب الأخضر.
من الطاقة إلى الصناعة
ولا يعني بناء اقتصاد للهيدروجين الأخضر بالضرورة انتظار المشاريع الضخمة أو اكتمال سوق عالمية متكاملة له، إذ يمكن أن يبدأ الاستخدام من تطبيقات صناعية محددة وقابلة للتوسع.
ومن المسارات العملية على المدى الأقرب مزج الهيدروجين مع الوقود المستخدم في محطات توليد الطاقة العاملة بالغاز، وبالنسبة لشركة «صحار للألمنيوم»، التي تدير محطة خاصة لتوليد الطاقة بنظام الدورة المركبة وبقدرة تبلغ 1000 ميجاوات، يمكن أن يمثل مزج نسبة محدودة من الهيدروجين الأخضر مع الغاز الطبيعي بداية لاختبار خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، بالتوازي مع دراسة توافق التوربينات ومتطلبات التشغيل ومعايير السلامة، ثم يمكن زيادة نسبة الهيدروجين تدريجيًا مع تطور قدرات وحدات التحليل الكهربائي وتحسن جاهزية التوربينات وتراجع التكلفة،
وهنا تتجاوز المسألة خفض الانبعاثات في محطة للطاقة لتصل إلى القدرة التنافسية للمنتج الصناعي نفسه، لأن استخدام طاقة أقل كثافة في الكربون يمكن أن يسهم في إنتاج ألمنيوم منخفض الكربون، ويمنح الصناعة العُمانية موقعًا أفضل في الأسواق التي يتزايد فيها اهتمام المشترين بالبصمة الكربونية للمعادن والمنتجات الصناعية.
غير أن الوصول إلى هذه المرحلة يحتاج إلى النظر إلى الهيدروجين باعتباره سلسلة صناعية متكاملة، وليس مجرد غاز يتم إنتاجه من الكهرباء. فالإنتاج يبدأ من توليد الطاقة المتجددة، سواء من الشمس أو الرياح، ثم توفير المياه ومعالجتها أو تحليتها، يلي ذلك التحليل الكهربائي الذي يفصل الهيدروجين، ثم تأتي عمليات الضغط والتخزين والنقل أو التحويل إلى مشتقات أكثر ملاءمة للتصدير، مثل الأمونيا.
وتتطلب عملية التحليل الكهربائي نظريًا نحو 9 كيلوجرامات من المياه لإنتاج كيلوجرام واحد من الهيدروجين، مع ارتفاع الكمية الفعلية عند احتساب الفاقد ومتطلبات التنقية. كما ينتج الأكسجين بوصفه منتجًا ثانويًا للعملية، بينما يبلغ استهلاك الطاقة النموذجي للتحليل الكهربائي نحو 50 إلى 55 كيلوواط ساعة لكل كيلوجرام من الهيدروجين، بكفاءة تتراوح بين 60 و70%.
ولا تتوقف احتياجات الطاقة عند هذه المرحلة، لأن الضغط أو التسييل أو التحويل إلى أمونيا يضيف متطلبات أخرى، ولذلك فإن التنافسية الحقيقية لا تعتمد فقط على القدرة على إنتاج الهيدروجين، وإنما على كفاءة السلسلة كاملة، من الكهرباء والمياه وحتى وصول المنتج إلى المستخدم النهائي أو سوق التصدير.
وتملك سلطنة عُمان في هذه المعادلة عددًا من المزايا التي يمكن البناء عليها، فهي تتمتع بمستويات مرتفعة من الإشعاع الشمسي تتجاوز 2400 كيلوواط ساعة لكل متر مربع في بعض المناطق المختارة، إلى جانب موارد رياح قوية تصل سرعتها إلى نحو 11 مترًا في الثانية في بعض المواقع، وهو مزيج يتيح فرصًا لإنتاج الطاقة المتجددة على نطاق واسع.
كما خصصت «هيدروم» مساحات تصل إلى نحو 50 ألف كيلومتر مربع لمشاريع الهيدروجين، فيما تتضمن الطموحات الوطنية إنتاج أكثر من مليون طن سنويًا بحلول عام 2030، لكن القيمة الاقتصادية لهذه الموارد لا تتوقف عند كمية الهيدروجين التي يمكن إنتاجها أو تصديرها، بل في مقدار النشاط الاقتصادي الذي يمكن أن يتشكل حولها داخل السلطنة، بدءًا من البنية الأساسية والخدمات الهندسية والتشغيل والصيانة، ووصولًا إلى الصناعات التي تستخدم الهيدروجين لإنتاج مواد ذات قيمة أعلى.
ولذلك، فإن الجمع بين التصدير عبر منتجات مثل الأمونيا الخضراء والاستخدام الصناعي المحلي يمثل عنصرًا مهمًا في النموذج العُماني، خصوصًا في المراكز الصناعية المرتبطة بالموانئ، مثل صحار والدقم، حيث يمكن أن يلتقي الإنتاج بالصناعة والتخزين والتصدير ضمن نطاق جغرافي واحد.
معادلة الجدوى
وفي المقابل، تبقى الجدوى الاقتصادية هي الاختبار الحقيقي الذي سيحدد سرعة انتقال الهيدروجين الأخضر من المشاريع التجريبية إلى صناعة واسعة النطاق. فالتكلفة المعدلة لإنتاجه تتأثر بصورة أساسية بسعر الكهرباء المتجددة، والنفقات الرأسمالية لأجهزة التحليل الكهربائي، وعدد ساعات التشغيل، وتكاليف التمويل. كما تدخل في المعادلة تكلفة معالجة المياه والبنية الأساسية والتخزين، والطريقة التي سيصل بها المنتج إلى السوق، سواء في صورة هيدروجين نقي أو بعد تحويله إلى أمونيا.
وقد أظهرت الاتجاهات العالمية في السنوات الأخيرة أن بناء هذه المشاريع لا يجري في بيئة ثابتة، إذ أدت تكاليف التمويل والتضخم والضغوط التي تعرضت لها سلاسل التوريد إلى ارتفاع النفقات الرأسمالية في عدد من المشاريع، وهو ما يجعل من الضروري ألا تُقاس قوة المشروع بحجمه المعلن فقط، وإنما بقدرته على الوصول إلى إنتاج قابل للاستمرار، ووجود مشترٍ حقيقي للمنتج، وقدرته على تحمل تقلبات التكلفة والسوق.
ولهذا، قد يكون التدرج أكثر أهمية من القفز مباشرة إلى مشروعات ضخمة، ويمكن أن تبدأ خريطة الطريق بتجارب مستهدفة تشمل دراسات توافق التوربينات وتجارب المزج بنسب صغيرة في محطات توليد الطاقة الخاصة، مع مراقبة الأداء والانبعاثات ومتطلبات السلامة والتكلفة التشغيلية.
ثم تُستخدم النتائج الفعلية لهذه التجارب في تحديد الحجم الأنسب لوحدات التحليل الكهربائي، وخيارات معالجة المياه، والافتراضات التقنية والاقتصادية للمراحل التالية. كما يمكن إعطاء الأولوية للتجمعات الصناعية في صحار والدقم بوصفها بيئات مبكرة للتجريب والنشر، لأن وجود مرافق الإنتاج والتخزين والاستهلاك الصناعي والتصدير بالقرب من بعضها يمكن أن يقلل الحاجة إلى نقل الهيدروجين لمسافات طويلة، ويخفض جزءًا من التكاليف اللوجستية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا تسير البنية الأساسية أسرع من بناء المهارات والأطر التنظيمية والتمويلية التي تحتاج إليها الصناعة، فربط المشاريع التجريبية بتدريب القوى العاملة وتطوير إجراءات السلامة والمعايير الفنية وآليات التمويل ونقل المعرفة يمكن أن يحول المشروع من استثمار منفرد إلى قاعدة لصناعة وطنية تتراكم خبرتها مع كل مرحلة.
وفي النهاية، لا ينبغي التعامل مع الهيدروجين الأخضر باعتباره حلًا سحريًا لمعادلة الطاقة أو باعتباره بديلًا فوريًا للغاز والنفط، بل باعتباره أداة يمكن أن تكتسب قيمة كبيرة عندما تُستخدم في المكان الذي تحقق فيه ميزة صناعية واقتصادية حقيقية.
والفرصة أمام عُمان لا تكمن فقط في أن تصبح منتجًا للهيدروجين الأخضر أو مصدرًا للأمونيا الخضراء، وإنما في استخدام موارد الطاقة المتجددة لبناء سلسلة قيمة أوسع تبدأ من إنتاج الكهرباء والهيدروجين، وتمتد إلى صناعات منخفضة الكربون وخدمات هندسية وتقنية وفرص عمل ومعرفة محلية.
ومع المشاريع التجريبية المدروسة، والقدرة على ضبط التكلفة، ووجود سياسات منسقة تقودها جهات مثل «هيدروم»، يمكن للسلطنة أن تحول ميزتها في الشمس والرياح والموانئ والخبرة المتراكمة في قطاع الطاقة إلى ميزة صناعية جديدة، وعندها لن يكون الهيدروجين الأخضر مجرد مصدر آخر للطاقة، بل جزءًا من الطريقة التي تعيد بها عُمان تشكيل صناعتها وصادراتها وموقعها في اقتصاد عالمي يتغير تدريجيًا نحو منتجات أقل كثافة في الكربون.
الأستاذ الدكتور حسين كاظم
كرسي اليونيسكو (RCQE) للتقنيات الناشئة في الطاقة المتجددة والمستدامة - جامعة صحار