تنامى في السنوات الأربع الأخيرة الاهتمام الحكومي والمؤسسي بالمحتوى المحلي، وبات من الطبيعي بمكان أن نجد أنفسنا -في أي من القطاعات الاقتصادية الأساسية- ضمن سياق أن يتوجه مشروعٌ استراتيجي أو استثماريٌ رائد إلى زيادة مشترياته من السوق المحلي، مما يعزز قيمة العقود المحلية، واطراد نمو مؤشرات المحتوى المحلي. لكن هذه القيمة لم تعكس لنا -بالضرورة- ما الذي أصبح محليًا فعلًا بهذه الممارسة، حتى مع نضوج أطر المحتوى المحلي واتساع تطبيقها، واختلاف هذا التطبيق، مما يعيد التساؤل حول المنطق الاقتصادي الذي يحكم تصميمه وقياسه وموقعه من سياسة الاستثمار.
فإن كانت قيمة العقود هي المؤشر، وهي ما يسهل إثباته واحتسابه، فمثالنا السابق يدعم هذا التوجه، ويضع سياسات المحتوى المحلي أداةً للتنمية، لكنه لا يعكس بالضرورة القيمة الاقتصادية التي تكوّنت داخله، ولا عما إذا كانت هذه القيمة ستبقى بعد انتهاء العقد أو المشروع.
إن الإشكال الأساسي في المحتوى المحلي في سلطنة عُمان لا يتعلق بضعف الاعتراف السياسي بأهميته، ولا في ضعفه كـ«أداة تنمية»، إذ من الممكن أن يكون أداة تنمية إنتاجية، غير أنه يتضمن خطر التحول إلى عبء امتثال إذا عُرّف أو عومل كمجموعة التزامات تُضاف إلى اقتصاديات الاستثمار من تعمين وتدريب ومشتريات محلية، من دون أن ترتبط هذه الالتزامات بتكوين قدرة إنتاجية قابلة للاستمرار والمنافسة والتصدير.
جغرافيا المال .. وأصل القيمة
وتبدأ المسألة من التمييز بين محلية المورد ومحلية القيمة، فكون المورد مسجلًا محليًا لا يكشف -في حد ذاته- عن مقدار القيمة الاقتصادية التي تكوّنت داخل الاقتصاد، فقد تحصل شركة محلية على عقد مرتفع القيمة، بينما تكون السلعة أو التقنية أو النسبة الأكبر من مدخلات الخدمة مستوردة، لذا لا يمكن اعتبار قيمة العقد الكلية قيمةً اقتصادية حتى ببقاء نصيب حقيقي من النشاط في الأجور والخدمات والنقل وهوامش الربح وغيرها في الاقتصاد المحلي.
وفي المقابل، يمكن أن نجد شركةً مملوكة لمستثمر أجنبي تنتجُ في سلطنة عُمان، وتعطي أولويةً للقوى العاملة العُمانية في التوظيف، وتشتري جزءًا من مدخلاتها محليًا، وتطوّر معرفة هندسية أو كفاءة إنتاجية داخل منشآتها، فتصبح ملكية رأس المال -في هذه الحال- أقل دلالة من مقدار القيمة التي أُنتجت فعليًا داخل الاقتصاد، ومن نوع المهارات والإمكانيات التي نشأت بسببه.
وهكذا يمكن أن يبدو الفرق بين الإنفاق المحلي والقيمة المحلية -ظاهريًا- فرقًا فنيًا في القياس، لكنه في الواقع يصنع جوهر المؤشر نفسه، إذ يشير الإنفاق إلى موقع الشراء أو التعاقد، بينما تكشف القيمة المحلية عن الجزء الذي نشأ داخل الاقتصاد بعد احتساب المدخلات المستوردة والعناصر التي تم إنتاجها خارجه، فالموّرد الذي ينتقل من بيع منتج مستورد إلى تصنيع جزء منه محليًا، أو من تنفيذ خدمة إلى تصميمها، أو الذي يحصل على اعتماد فني يفتح له أسواقًا جديدة، لا يحقق فقط إيرادًا محليًا، بل ينتقل إلى موقع أعلى في سلسلة القيمة. كما أن الموظف الذي يكتسب تخصصًا تقنيًا أكثر تعقيدًا لا يرفع نسبة التعمين فقط، بل يزيد رصيد الاقتصاد من المهارات القابلة للاستخدام في مشروعات وقطاعات أخرى.
وهذا ما يمثل الفرق بين الاحتفاظ بالقيمة التي تبقت داخل الاقتصاد خلال دورة المشروع، وبين تكوين الإمكانيات المحلية ومساهمة هذا المشروع في تعزيز ما يمكن للاقتصاد إنتاجه وتطويره. لذا، يمكن أن تتساوى شركتان في قيمة العقود المحلية، بينما تختلفان اقتصاديًا إذا أدت إحداهما إلى تراكم مهارات وقدرات تقنية، وظلت الأخرى محصورة في النشاط الذي ينتهي بانتهاء العقد.
ولا يقلل هذا من أهمية المشتريات المحلية، فهي -بلا شك- أداةٌ أساسية لتوجيه الطلب نحو السوق المحلي وتعزيز مساهمة المؤسسات المحلية في سلاسل التوريد، إلا أن أثرها الاقتصادي لا يمكن أن يُقاس بحجمها فقط، وإنما بقدرتها على تطوير الأنشطة ذات الإنتاجية الأكبر، أو بناء كفاءات وطنيةٍ جديدة.
كما أن وجود الاستثمار أو زيادة المشتريات المحلية لا يؤديان تلقائيًا إلى نقل المعرفة أو رفع الإنتاجية، وإنما تنتقل هذه المعرفة بشرط جاهزية الموّرد لاستيعابها، ومتى فرضت العلاقة التجارية بين الطرفين معايير أعلى في الجودة أو التسليم أو التقنية، فيقترن الطلب بعملية تطوير حقيقية للمورد. وهذا ما أشارت إليه الدراسات التجريبية على أثر الشركات في بعض الدول مثل ليتوانيا وإندونيسيا وكوستاريكا، حيث ارتبط دخول الشركات المحلية إلى سلاسل توريد أكثر تقدمًا بتحسن في الإنتاجية والتشغيل، لا بسبب قربها من الاستثمار في حد ذاته، بل لأن العلاقة الجديدة رفعت متطلبات الجودة والكفاءة والأداء ودفعت المورد إلى تطوير قدرته على تلبيتها.
وبالمثل، يتغير معيار استدامة أثر المحتوى المحلي، من استمرار النشاط خلال عمر المشروع نتيجةً لطلبٍ مضمون أو أفضليةٍ تعاقدية، إلى قدرة المورد على الاستمرار والمنافسة بعد انحسار الطلب المحمي نتيجةً لكفاءته. ورغم أن الأفضلية قد تكون مبررة في مرحلة التأسيس، حيث تمنح المورد حجمًا من الطلب يسمح له بالاستثمار واكتساب الخبرة ورفع الجودة، لكن قيمتها الاقتصادية تتحدد بقدرتها على تقليص الحاجة إليها مع الوقت، لا أن تتحول إلى مصدرٍ دائمٍ للحماية.
ميزان الأثر
ولتقييم هذا الأثر، ينبغي النظر إلى الأنشطة المحلية المعنية ببُعدٍ أكثر صرامة، فلو افترضنا -مثلًا- غياب متطلبات المحتوى المحلي، فإن المشاريع الجديدة بطبيعة الحال لا بد أن تحتاج إلى خدمات قريبة، وقوى عاملة متاحة، وموردين محليين متى حققوا شروط السعر والجودة وسرعة التوريد، ولهذا فإن ارتفاع حجم النشاط المحلي بزيادة حجم الاستثمار لا يكشف وحده مقدار ما أضافته سياسة المحتوى المحلي، ويكشفه في المقابل ارتفاع أهلية الموردين المحليين لدخول سلاسل التوريد، أو نشوء تخصص مهني أو قدرة تقنية لم تكن لتنشأ ضمن المسار المعتاد للمشروع.
ويعيد هذا التحول رسم موقع المستثمر في معادلة المحتوى المحلي، فلا تعود العلاقة قائمة على اقتسام قيمة موجودة مسبقًا، بل على إمكان خلق قيمة إضافية من خلال تحسين كفاءة المشروع وتعميق قدرات الاقتصاد بالتوازي مع ذلك.
ويمكن لهذا المنطق أن يفرض قدرًا أكبر من الانتقائية في تصميم سياسات المحتوى المحلي، خصوصًا في اقتصاد له خصوصية الاقتصاد العُماني، بحيث تتحدد فرص التوطين وفق جدواها الاقتصادية، وحجم الطلب القادر على دعمها، وإمكان تطويرها إلى قدرات تنافسية قابلة للتوسع، لا وفق حجم المشتريات المرتبطة بها وحده.
ولا ينفصل هذا التوجيه الانتقائي للمحتوى المحلي عن سياسات تشجيع الاستثمار والأعمال؛ فإلزام المستثمر الأجنبي بمتطلبات امتثال مفرطة أو غير مرنة في مراحل التأسيس قد يتحول إلى «كلفة مستترة» تخفض جاذبية البيئة الاستثمارية وتُنفّر رأس المال المباشر. في المقابل، عندما تُصمَّم سياسات التوطين على أساس الشراكة وتعميق سلاسل القيمة، تتحول متطلبات المحتوى المحلي من «عبء إضافي على جدوى المشروع» إلى «عنصر كفاءة وممكّن نمو» يحفز المستثمر نفسه على الاستفادة من القدرات المحلية.
فإذا ما أخذنا قطاع الطاقة المتجددة مثالًا على هذه المسألة، نجد أن فرص التوطين في الأعمال المرتبطة بالتنفيذ والتشغيل والصيانة وتكامل الأنظمة تختلف اقتصاديًا عن قرار تصنيع مكونات رئيسة تعتمد على وفورات حجم عالمية. ولا تعني هذه الفروق بالضرورة خفض الطموح، وإنما توجيهه نحو المواضع التي يمكن أن تتحول فيها السوق المحلية إلى قاعدة لبناء قدرة قابلة للنمو خارج نطاق الطلب أو التعاقد الأول. وعندها تصبح قدرة المورد على خدمة مشروعات أو أسواق أخرى اختبارًا أكثر دلالة على نجاح التوطين من بقائه داخل سلسلة توريد واحدة.
ولا يبدو هذا المسار بعيدًا عن تطور المحتوى المحلي في سلطنة عُمان خلال السنوات الأخيرة؛ فقد اتسع المفهوم بالفعل ليتجاوز التعمين والمشتريات المباشرة إلى تطوير الموردين، والاستثمار، ونقل التقنية، والبحث والتطوير، والصادرات، وسلاسل القيمة وغيرها، كما بات يعكس اتساعًا واضحًا في تصور الدور الاقتصادي للمحتوى المحلي، لكنه يضع أدوات القياس أمام متطلبات مختلفة؛ لأن الأهداف الجديدة لا يمكن إثباتها بالكامل بالمؤشرات التي صُممت أساسًا لقياس المشاركة والامتثال.
انحياز المؤشر
يعيدنا هذا كله مرةً أخرى إلى الإشكال السابق ذكره في مقدمة المقال، إذ تكمن الفجوة هنا بين ما يمكن رصده بسهولة وما تريد سياسة المحتوى المحلي لدينا تحقيقه فعليًا. فالمشتريات والتوظيف والتدريب تمثل تدفقات مباشرة يمكن قياسها خلال فترة المشروع، بينما تمثل المعرفة والمهارات التقنية والقدرة الإنتاجية رصيدًا يتراكم في الاقتصاد ويؤثر في قدرته المستقبلية على الإنتاج والمنافسة.
لكن هذه الفجوة لا تعني بالضرورة الحاجة إلى استبدال المؤشرات الحالية بقدر الحاجة إلى نقلها من رصد الالتزام إلى تقدير الأثر الاقتصادي للمحتوى المحلي، وذلك عن طريق استكمالها بمؤشرات جديدة تعكس ما يحدث بعد التنفيذ، مثل إنتاجية المورد، وعمقه في سلسلة القيمة، واستقلاله التجاري، وكثافة صادراته. فبالرغم من كون المؤشرات -في تعريفها العام- أدوات لقياس التقدم نحو نتيجةٍ ما، فإنها ليست محايدة تمامًا بالضرورة تجاه الاتجاه الذي تسلكه تلك النتائج، إذ يمكن لها أن تعزز توجّه ونمو السلوك المؤسسي نحو ما تمنحه المنظومة وزنًا أكبر.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن استحداث هذه المؤشرات التكميلية لا يعني تطبيق الحزمة نفسها على جميع القطاعات؛ فدلالة المؤشر لا تنفصل عن ملاءمته لطبيعة النشاط الاقتصادي الذي يقيسه. وما يمثل انتقالًا نوعيًا في قطاع صناعي كثيف رأس المال قد لا يكون المؤشر الأهم في قطاع خدمي أو تقني، كما أن المدى الزمني اللازم لظهور الأثر يختلف باختلاف نضج القطاع، وعمق سلسلة القيمة، وحجم السوق، وشدة الاعتماد على التقنية.
ويتطلب هذا بدوره أدوات قياس تتجاوز قراءة المؤشر في سنة واحدة أو عند نهاية العقد، وهو ما يستدعي تنسيقًا هيكليًا وتكاملًا في منصات البيانات بين الهيئات التنظيمية، ووزارات الاقتصاد والتجارة، وجهاز الاستثمار، والقطاع الخاص. فقياس تطور المورد أو تراكم القدرة يحتاج إلى خط أساس ومسار زمني يسمحان بمتابعة التغير بعد الدخول في سلسلة التوريد، وربط بيانات الأداء والتوظيف والتجارة والتعاقد بصورة تكشف ما إذا كان النشاط المحلي قد تطور فعلًا، لا ما إذا كان قد تحقق فقط. وبهذا يتجاوز القياس وظيفته في توثيق النتيجة التعاقدية، ليصبح أداة للحكم على ما إذا كان ما تحقق قد غيّر قدرة الاقتصاد نفسه، وهي الغاية التي يكتسب عندها المحتوى المحلي معناه الاقتصادي الأعمق.
القيمة العابرة للحدود
ولا تقف حدود هذا المنطق عند التقييم الداخلي؛ بل يتسع أفق التوطين حين يتصل بالدبلوماسية الاقتصادية وتوجهات الاستثمار الخارجي. فالاستثمار الخارجي الموجّه استراتيجيًا لا يُقاس بعوائده المالية المباشرة وحدها، وهو منطق حاضر بالفعل في التوجهات الاستثمارية العُمانية التي تربط الأصول الخارجية بتوسيع العلاقات الاقتصادية، ونقل المعرفة والتقنية، وفتح فرص جديدة أمام الاقتصاد الوطني.
ومن ثم، لا تكمن المسألة في إثبات جدوى الاستثمار الخارجي للاقتصاد المحلي، بقدر ما تكمن في درجة انتظام الصلة بين القدرات التي نبنيها والموردين الذين نطوّرهم في الداخل، وما تفتحه أصول السلطنة وشراكاتها الدولية من أسواق ومعارف في الخارج. فكلما تحولت هذه الصلة إلى نهج مؤسسي موجّه، أمكن النظر إلى الاستثمار الخارجي لا بوصفه تدفقًا لرأس المال فحسب، بل امتدادًا لمسار تكوين القدرة الوطنية.
ولا يعني ذلك نقل متطلبات المحتوى المحلي إلى الدولة المضيفة أو المساس بحقها في توطين اقتصادها، بل الانتقال إلى منطق أوسع لـ«خلق القيمة في اتجاهين»؛ يستفيد فيه الاستثمار من بيئة الدولة المضيفة، بينما تتيح العلاقة ذاتها مجالًا لتدويل المورد والمهارات الوطنية، واكتساب معرفة يمكن استيعابها وإعادة توظيفها محليًا. وهنا تبرز مفاضلات حقيقية: بين العائد المالي المباشر للأصل وأثره الاستراتيجي، وبين متطلبات الكفاءة التجارية وأولوية تمكين المورد الوطني، وصولًا إلى الفجوة بين طموح التوسع الدولي ومدى الجاهزية الفعلية للمنافسة خارج بيئة الأفضلية المحلية.
وعند هذه النقطة، يتجاوز مفهوم التوطين حدوده المرتبطة بالقياس والتعاقد، ليتصل بأفق أوسع من الحركة الاقتصادية بين الأسواق؛ إذ تصبح المسألة في قدرة الكفاءة الوطنية على أن تجد امتدادها خارج السوق المحلية، من دون أن تنقطع صلتها بالاقتصاد الذي تكوّنت فيه. ومن هذه المساحة تحديدًا ينطلق الجزء الثاني: كيف نربط بناء القدرات الوطنية في الداخل بأدوات الاستثمار والدبلوماسية الاقتصادية في الخارج، لتصبح الأسواق الدولية امتدادًا لمسار التوطين، لا مسارًا موازيًا له؟
د. عبير بنت علي الكلباني مختصة في المحتوى المحلي