كيف يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُفيد عددًا أكبر من سكان الاقتصادات النامية؟ تبدأ أي إجابة جادة عن هذا السؤال من واقع الحياة الاقتصادية التي يعيشها الناس، فمعظم النقاشات العالمية اليوم بشأن الذكاء الاصطناعي تتمحور حول الاقتصادات المتقدمة وأسواق العمل الرسمية: وظائف برواتب ثابتة، وخدمات مصرفية متاحة لمختلف الفئات السكانية، ومؤسسات قادرة على قياس دخل الأفراد. أما في جنوب شرق آسيا، فالأمر يتطلب نقطة انطلاق مختلفة.
ففي هذه المنطقة، يعمل 78% من القوى العاملة، أي ما يُقدّر بمئات الملايين، في الاقتصاد غير الرسمي، وهم الباعة الجائلون، وأصحاب المحال الصغيرة، وعمال البناء، ومقدمو خدمة النقل الذكي، الذين يعتمد عليهم جانب كبير من النشاط الاقتصادي اليومي. ومن الخطأ النظر إلى عملهم غير الرسمي باعتباره مرحلة عابرة أو مشكلة إنمائية يجب حلها، وصحيح أن الكثيرين ينتقلون من العمل غير الرسمي إلى العمل الرسمي، وأن المنصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تتيح مسارًا للراغبين في ذلك، ولكن الاقتصاد غير الرسمي هو الركيزة الهيكلية التي يقوم عليها النشاط الاقتصادي في المنطقة. واستمراره نابع من مرونته وقدرته على التكيف اللتين تمثلان مصدر قوة لا موطن ضعف.
ويتضح من تجربة جنوب شرق آسيا أنه من الممكن تعزيز قدرة العاملين في القطاع غير الرسمي على الصمود والكسب بطرق بالغة الأهمية، لا في جنوب شرق آسيا فحسب، بل في مختلف المناطق حول العالم، فالمنصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في المنطقة تثبت أن بإمكان العاملين غير الرسميين الحصول على الائتمان، وتحقيق دخل أكثر استقرارًا، وتوسيع نطاق مشاركتهم في الحياة الاقتصادية، دون الاعتماد على النظم الرسمية.
وعلى صناع السياسات تعزيز هذه المكاسب من خلال التركيز على بناء مهارات جديدة وتصميم قواعد تتمحور حول النشاط غير الرسمي، بدلًا من استيراد افتراضات من الاقتصاد الرسمي قد تقوض نموذجًا ناجحًا بالفعل.
قوة المنصات
لنتأمل تجربة مايلين إستريلا، فقد انطلقت من مخبز جدتها في أحد أحياء مانيلا لتبني علامة تجارية فاخرة للهدايا تحمل اسم «مايلينز إنسايمادا أند بانانا كيك»، وأصبحت منتجاتها اليوم تصل إلى زبائن في مختلف أنحاء العاصمة الفلبينية. وقد نجحت في التوسع بفضل منصة «Grab» التي منحتها قرضًا كان أي بنك تقليدي سيرفضه على الأرجح، كما تستعين بالذكاء الاصطناعي لمساعدتها في التسويق.
وفي العام الماضي، قدمت منصة «Grab» قروضًا بقيمة 3.2 مليار دولار أمريكي لشركائها من السائقين والتجار مثل مايلين. وحصل 68% من هؤلاء المقترضين على ائتمان رسمي للمرة الأولى من خلال منصتنا. ونستخدم الذكاء الاصطناعي في تحليل سجلات الأرباح والنشاط المستخرجة من المنصة لتقييم الجدارة الائتمانية. وتتحدد حدود الإقراض على أساس أرباح المنصة، وتُخصم أقساط القروض حسب الدخل اليومي، كما تُقدَّم إعفاءات للمقترضين حسب الحالة لدى تعرضهم لضائقة مالية تؤدي إلى انقطاع الدخل. وأفاد نصف السائقين المقترضين عبر المنصة بأنهم لجأوا إلى منصة «Grab» لتجنب التعامل مع جهات الإقراض غير المرخصة.
وقد ارتفع متوسط دخل الشركاء من السائقين لكل ساعة اتصال بالمنصة بنسبة 5.5% على أساس سنوي خلال العام الماضي. وتستفيد منصات مثل «Grab» من تفاعلها المستمر مع العاملين في القطاع غير الرسمي لتحسين خدماتها واقتراح سبل جديدة على المستخدمين لزيادة أرباحهم. فعلى سبيل المثال، نجحت منصة «Grab»، بفضل قدرتها على تقييم الطلب في الوقت الحقيقي وربط السائقين بالعملاء، في تعزيز الأرباح وتقليص الفترات غير المدفوعة بين الرحلات. كذلك تحلل المنصة الطلب في الوقت الحقيقي للتنبؤ بالموقع الأمثل للرحلة التالية.
مهارات مجزية
ويتطلب تعميم الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي الاستثمار في المهارات التي تُمكّن العاملين من فهم الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والاستفادة منها. وتتضاعف بالفعل مكاسب المشاركين في المنصة الذين يدركون تأثير الذكاء الاصطناعي على أنماط الطلب التي يعتمدون عليها.
وفي عالم اليوم، يستفيد جميع العاملين من الإلمام بالذكاء الاصطناعي. ولكن العامل في القطاع غير الرسمي يجب أن يحصل على فرص لبناء مهاراته في غياب جهة عمل رسمية توفر التدريب خلال ساعات العمل المدفوعة في بيئة عمل ثابتة.
وخلال العام الماضي، استكمل أكثر من 1.5 مليون سائق من شركائنا دورة واحدة على الأقل من دورات GrabAcademy. ويتيح هذا الانتشار قناة لتوفير التدريب العملي للمشاركين على متطلبات عملهم في غياب جهة عمل تتولى تدريبهم. وفي الوقت ذاته، يجمع الذكاء الاصطناعي بين الأدوات والتدريب في آن واحد، إذ تستخدم واحدة من كل أربع مؤسسات متناهية الصغر أو صغيرة أو متوسطة الحجم على المنصة مساعد الذكاء الاصطناعي للتجار الذي تتيحه شركة Grab لدعم التسويق وإدارة القوائم والعمليات، والذي ساهم في زيادة المبيعات بنسبة 15%.
ثلاثة مطالب
يتطلب تعزيز صلابة القطاع غير الرسمي أكثر مما يمكن لشركة واحدة تحقيقه بمفردها. ومن ثم، يتعين على الحكومات إدارة الاقتصاد على ما هو عليه. ففرض قواعد مصممة للتوظيف الرسمي وتطبيقها دون تعديل يهددان بتقويض مرونة القطاع غير الرسمي التي يعتمد عليها العاملون فيه. وفي هذا السياق، تبرز ثلاثة مطالب:
أولًا، تمويل برامج الإلمام بالذكاء الاصطناعي باعتبارها سلعة عامة. فيجب تمويل هذه البرامج بنفس الجدية التي تُعامل بها مشروعات الطرق والطاقة. وهناك شراكات قائمة بالفعل في هذا المجال بين القطاعين العام والخاص، مثل مبادرة «SkillsFuture» في سنغافورة التي تقودها وكالة تنمية المهارات والقوى العاملة، والتي أشادت بشركة Grab لدورها الريادي في دعم تنمية المهارات. وبمقدور الحكومات، بما تتمتع به من إمكانات فريدة، أن تعمم هذا النوع من التدريب المستمر ليشمل مختلف شرائح العمالة غير الرسمية، بالتعاون مع المؤسسات المحلية وبما يناسب احتياجات العاملين بساعات عمل غير منتظمة.
ثانيًا، إعادة النظر في كيفية قياس النجاح. فأطر الحوكمة تحدد أنماط النجاح التي تعتبر جديرة بالإثابة من منظور الجهات التنظيمية، والتي ينبغي بالتالي تحفيز المنصات على تبنيها. غير أن الأطر التي تقتصر على قياس معدلات الاندماج في الاقتصاد الرسمي أو الاستقرار المالي دائمًا ما ستغفل المسائل المهمة من منظور الاقتصاد غير الرسمي، ألا وهي استقرار الأرباح ونطاق المشاركة. لذلك، يجب على الجهات التنظيمية اعتماد مقاييس تعكس الديناميكيات الفعلية للاقتصاد غير الرسمي: تقلبات الأرباح، والمشاركة في منصات متعددة، وتوافر الائتمان، ومساءلة المنصات والجهات التنظيمية نفسها بناءً على هذه المقاييس.
ثالثًا، توحيد مبادئ حوكمة الذكاء الاصطناعي على المستوى الإقليمي. فتنوع الأطر التنظيمية عبر الأسواق الرئيسية بمنطقة جنوب شرق آسيا يمثل عائقًا هيكليًا كبيرًا أمام المنصات، حيث يزيد من صعوبة اتخاذ قرارات بشأن تخزين البيانات أو تعميم التجارب الناجحة. ويرسي الاتفاق الإطاري للاقتصاد الرقمي لرابطة أمم جنوب شرق آسيا (آسيان)، المُبرم في مايو 2026، البنية اللازمة للتنسيق الإقليمي، وإن كان يتعين على صناع السياسات التأكد من أن الإطار يلبي احتياجات الاقتصاد غير الرسمي دون إسقاط افتراضات الاقتصاد الرسمي على المنطقة بأسرها.
التصميم من أجل تلبية احتياجات الاقتصاد غير الرسمي
تشكل منطقة جنوب شرق آسيا دراسة حالة ثرية حول كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير الاقتصاد غير الرسمي. فالعاملون في القطاع غير الرسمي يمثلون 86% من إجمالي العمالة في إفريقيا، و68% في آسيا، و51% في أمريكا اللاتينية. ومن ثم، فإن تجربة جنوب شرق آسيا تقدم لصناع السياسات في هذه المناطق برهانًا عمليًا على جدوى مسار إنمائي بديل.
والدرس الأهم هو أن التدابير الأكثر فعالية هي النابعة من واقع الاقتصاد غير الرسمي، لا تلك المنقولة من نظم مصممة لبيئات اقتصادية مغايرة. فالبيانات السلوكية الآنية يمكن الاستعاضة بها عن متطلبات التوثيق الرسمية. ومنصات التوزيع يمكنها الوصول إلى حيث تعجز القنوات المؤسسية.
وتصميم الحلول بما يراعي طبيعة الاقتصاد غير الرسمي لا يعني القبول ببقاء العاملين فيه دون حماية. فسَدّ الفجوة بين مستويات الحماية الممنوحة للعاملين في القطاعين الرسمي وغير الرسمي يظل هدفًا مهمًا. غير أن المطلوب هو بناء منظومة حماية ترافق العامل أينما انتقل عبر الوظائف والمنصات. ولنأخذ التأمين الاجتماعي مثالًا. فبدلًا من انتظار إعادة تصنيف العاملين في القطاع غير الرسمي كموظفين رسميين، يمكن تمويل التغطية التأمينية من خلال خطة قابلة للنقل تلازمهم أينما عملوا. وهذا تحديدًا ما أخذ به قانون العاملين في اقتصاد الأعمال المؤقتة الذي أقرته ماليزيا في مارس 2026، حيث نجح في توسيع نطاق تغطية الضمان الاجتماعي لتشمل العاملين في الوظائف المؤقتة من خلال البرنامج الوطني دون تصنيفهم كموظفين.
وهكذا، فإن سد فجوة الذكاء الاصطناعي مهمة لا يمكن لجهة بمفردها الاضطلاع بها. ويعد بناء الهياكل التي تتيح التعاون الفعال بين الحكومات والمنصات من أهم الاستثمارات في مجال السياسات العامة خلال العقد الجاري. والفرصة سانحة لجنوب شرق آسيا لتقديم نموذج يُحتذى لبقية العالم. ولا أبالغ إن قلت إنها تجسد هذا النموذج بالفعل.
أنطوني تان الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة Grab، أكبر تطبيق شامل في جنوب شرق آسيا.