تأتي المناسبات الوطنية، وتنهال القصائد الممجدة للمناسبة، ويهب الشعراء لشحذ قرائحهم للمشاركة في هذا العرس الخالد، ويكتبون ما يجول في نفوسهم، وما تكنّه عواطفهم ووجدانهم، ويبحث المطرب عن النص الغنائي، ويبذل الملحن جهده في إخراج الأغنية بشكل متكامل، ولكن.. ما نلاحظه أن معظم النصوص المغناة تتشابه في طريقة تناولها وطرحها، وكأن كاتبها هو شاعر واحد، كتبها بنفس الخيال والمعالجة، وهي القصائد نفسها التي كُتبت منذ سنوات، وتناولت المناسبة من جهة واحدة، فهي تشيد بالوطن والقائد والإنجازات، ولكنها لا تحاول أن تغوص في أعماق الحدث، ولا تحاول أن تجرّب الكتابة من زاوية مغايرة، ولذلك يبقى القليل من هذه القصائد المغناة في الذاكرة، بينما يتبخر ثلاثة أرباعها دون أثر.
وكنتُ قد تناولت في هذه الزاوية قبل سنوات الموضوع نفسه، ولكن ظل الوضع على ما هو عليه، وبقي نفس التناول والأفكار والصور المكررة، وإن اختلف الوزن والقافية والشاعر واللحن والمؤدي، ولذلك يجب على الشاعر أن يكون أكثر حرصًا في كتاباته الوطنية، وأن يبذل جهدًا مضاعفًا لعصر خياله، والإتيان بالجديد من المعاني والصور والمؤثرات، فالمجتمع أصبح أكثر وعيًا وتذوقًا للشعر، ولذلك فهو يحتاج إلى ما يواكب تطوره الثقافي والتعليمي، ويشحذ هممه، ويشعل حماسه وحسه الوطني، ولا يعني انتشار أغنية ما نجاحها في التأثير الشعبي، فكثير من الأغاني التي لا تقدم شيئًا للمتلقي تتحول إلى «ترند» بين ليلة وضحاها، ولكنها في النهاية تبقى مجرد عمل مسلٍ، ذي أثر لحظي.
ورغم أن للجميع الحق في التعبير عن حبهم للوطن والهيام في عشقه، وهذا أمر لا جدال فيه، ورغم أن الشعراء يختلفون في ثقافاتهم وميولهم وطبيعة أشعارهم، إلا أن تطوير أدوات القصائد الوطنية أمر لا بد منه، والبحث عن الجِدّة في الطرح والتناول يكسب هذه النصوص بُعدًا ثقافيًا ومجتمعيًا ووطنيًا مختلفًا، وقدرة على التأثير في النفس والوجدان الشعبي، وأيضًا يمنحها الحياة على المدى الزمني البعيد.
والحقيقة أن نصوص شعراء الفصحى الوطنية المغناة تطورت بشكل كبير في الفترة الأخيرة على يد مجموعة من الشعراء مثل: حمود العيسري، ويوسف الكمالي، وهشام الصقري، وغيرهم، إلا أن الشعر الشعبي ظل يدور في الفلك نفسه، ولم يواكب هذا التحديث على مستوى الكلمة والطرح والخيال، وتبقى بعض النصوص القليلة التي كتبها شعراء شعبيون متفردون في هذا الجانب علامة مميزة، مثل: محفوظ الفارسي، وسعيد البرعمي، وطارش قطن، وغيرهم القليل.
إن مفهوم القصيدة المغناة لم يعد ذلك المفهوم القديم الضيّق، من ناحية سهولة التلحين والكلمات المباشرة، بل أصبح المفهوم أكثر تعقيدًا ومساحة ووعيًا، ولم تعد القصائد الوطنية (المغناة) مجرد صوت عالٍ و(صف كلام)، وإعادة تدوير للصور، بل أصبحت خلقًا وإبداعًا وابتكارًا وعمقًا في الطرح، وعشقًا عاطفيًا كبيرًا، وبحثًا عن صناعة جديدة للنص والمعنى، وهذا ما تفتقر إليه للأسف الكثير من القصائد الوطنية الكلاسيكية التي نسمعها أو نشاهدها في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وهذا لا يعني التقليل من شأنها أو تهميشها، ولكن المرحلة الزمنية الحالية، بمتغيراتها الثقافية والاجتماعية والإعلامية، تحتاج إلى جهد ووعي أكبر يبذلهما الشاعر للخروج بنصوص أكثر أثرًا وتأثيرًا في الوجدان الشعبي العام.