ظل التفكير واحدا من أكثر المفاهيم استعصاء على التعريف، وهو الفعل الذي مكن الإنسان من ابتكار منجزات نقلته كنوع وعلى نحو تدريجي إلى واقع ومآلات غير مسبوقة، ثم نقلت معه الكوكب بأكمله نحو مسارات أضحى التنبؤ بها أصعب يوما بعد آخر.
وها هي الابتكارات التي ولدّها التفكير تغدو أكثر شبها بالإنسان يوما بعد يوم؛ فالمتعود أن يفكر الإنسان لتكون الآلة طوع تفكيره، وأن يكون التفكير محصورا على عمليات بيولوجية تحدث في أدمغة للكائنات الحية؛ لكن الذكاء الاصطناعي يفتح أفقا كان أقرب إلى التجارب الفكرية أو الطموح العلمي ذي النطاق المحدود ليصبح في الفترة الأخيرة واقعا، بل متاحا لمعظم البشر.
فالخوارزمية لم تعد تعطي إجابة مباشرة، بل أضحت تختبر مسارات متعددة، ثم تراجع ما توصلت إليه، وقد تتراجع عن طريق اختارته؛ لتبدأ من جديد.
بدأت النماذج اللغوية الكبيرة بقدرة تبدو بسيطة إذا قيست بما تفعله اليوم؛ ذلك أنها تتنبأ بالرمز اللغوي التالي اعتمادا على ما سبقه، وهي آلية إحصائية أقرب إلى التلقائية، إلا أنها ولّدت قدرة مدهشة على توليد اللغة والإجابة عن الأسئلة وتلخيص النصوص، ولأنها نماذج تتعلم وتتطور فإنها واجهت مسائل تحتاج إلى سلسلة مترابطة من الخطوات لحلها؛ وبذا يكون وصولها التلقائي إلى إجابة تبدو معقولة؛ لا يعني بالضرورة أنها سلكت الطريق الأفضل للإجابة، وقد تخطئ في إجابتها؛ ذلك لأن الأمر يتطلب تفكيك المشكلة قبل محاولة حلها، ومن هنا بدأت رحلة الانتقال من خوارزمية تستجيب إلى خوارزمية تستدل.
إنَّ إحدى العلامات المهمة والتي يمكن اعتبارها مؤشرا على هذا التحول هو إدراك أن دفع النماذج للعمل وفق سلسلة خطوات يؤدي إلى تحسين أدائها، وهو ما يعرف بـ«الحث على الاستدلال المتسلسل prompting COT» الطريقة التي اكتشفها فريق «دماغ جوجل» قبل بضع سنوات؛ إذ وجد الباحثون أنه وحين يطلب من النماذج الكبيرة بأن تعمل عبر خطوات وسيطة أدى ذلك إلى رفع قدرتها على حل مسائل معقدة؛ أي أنها لم تعد تنتج جوابا فحسب، بل أضحت تنشئ طريقا يوصل إليه، يمكن اعتبار ذلك الطريق مساحة للاستدلال.
وهكذا يتم التفكير من خلال عدة مراحل تبدأ بتحليل المشكلة، ثم تفكيكها إلى أجزاء أصغر، لتجرب النماذج بعد ذلك مسارات متعددة قبل أن تنتقل إلى مرحلة فحص للنتائج الوسيطة، وبذلك تقترب من قدرة بشرية أكثر عمقا هي قدرة العقل على أن يجعل من نتاجه موضوعا لفحصه، أي أن يفكر في تفكيره.
ظهرت ملامح هذا التحول بوضوح في نماذج الاستدلال الحديثة؛ إذ لم تعد عملية التدريب تكافئ الوصول إلى الإجابة الصحيحة فحسب، بل أخذ الباحثون يهتمون بالطريق الذي يقود إليها.
وهناك فرق جوهري بين أن نقول للآلة «لقد أخطأت» بعد الوصول إلى النتيجة، وبين أن نتمكن من تقييم المراحل التي مرت بها أثناء الاستدلال.
ويشبه الأمر الفرق بين معلم يضع علامة صفر على جواب خاطئ، ومعلم يتتبع خطوات الطالب ليحدد اللحظة التي انحرف فيها استدلاله. في الحالة الثانية لا يتعلم الطالب الجواب الصحيح فحسب، بل يتعلم كيف يفكر على نحو سليم.
ويقدم نموذج DeepSeek-R1 مثالا لافتا لهذا التطور؛ إذ أظهرت تجارب التعلم بالتعزيز أن النموذج يستطيع تطوير سلوكيات مثل: مراجعة المسار وإعادة النظر في بعض الخطوات دون حاجة؛ لأن يكتب الإنسان مسبقا كل مسار استدلال ينبغي اتباعه.
وقد وصف الباحثون بعض هذه التحولات بلحظة الإلهام، غير أنه لا ينبغي أن تدفعنا جاذبية الأمر إلى اعتبار أن الآلة اختبرت لحظة اكتشاف شبيهة بما يختبرها الإنسان؛ فهذا ادعاء لا تسنده هذه النتائج.
لهذا الأمر علاقة بما تناولناه سابقا؛ أي فكرة دستور الذكاء الاصطناعي، فحين يُعطى النموذج مبدأ عاما بدل تعليمات تفصيلية، ثم يواجه واقعة لم يتنبأ بها واضع المبدأ، يصبح النموذج مطالبا بأن يحدد العلاقة بين النص والواقعة، وأن يرجح بين مبادئ قد تتعارض، ثم ينتج استجابة منسجمة مع ما فهمه منها.
فإذا أضفنا فكرة التفكير في التفكير فسنجد أنها تنطبق على الأمر بانتقال الخوارزمية من قدرة على الاستدلال من المبدأ إلى قدرة على أن تراجع الاستدلال الذي أنتجته؛ يلزم هنا التأكيد على أن عملية الاستدلال الخوارزمي لا تتطابق مع دائرة التأويل دون شك، إلا أن التشابه البنيوي يستحق التأمل، يتجاوز البرنامج بهذا المنحى أداءه للوظيفة، ليصبح مطورا لتفكيره من خلال سجل من المحاولات والتصحيحات، يستفيد منه في بناء أحكامه اللاحقة.
ويذهب منتقدون، ومن أبرزهم يان لوكون، إلى أن نجاح النموذج في إظهار سلوك استدلالي لا يكفي لإثبات أنه يمتلك فهما مماثلا للفهم البشري. ويرى لوكون أن النماذج اللغوية رغم قدراتها المدهشة في التعامل مع اللغة، لا تزال تفتقر إلى نموذج ثري يشبه ذلك الذي يصقل عقل الإنسان منذ طفولته عبر الملاحظة والاحتكاك المباشر بالواقع الفيزيائي؛ نموذج لا يكتفي بالتقاط الأنماط، بل يسمح بتوقع ما سيحدث، وفهم العلاقات الفيزيائية والسببية والتدبير للأفعال القادمة.
وقد أظهرت اختبارات حديثة لنماذج الذكاء الاصطناعي فجوة واضحة بينها وبين البشر في بعض مهام الاستدلال السببي والتنبؤ بما يمكن أن يحدث في العالم الفيزيائي، ويظل السؤال قائما: هل ما نراه تفكير بالمعنى الذي عرفناه عند الإنسان، أم أننا نحمّل سلوكا حسابيا متقدما فوق ما يحتمل بتشبيهه بالتجربة العقلية لدى البشر؟
صالح الفلاحي كاتب عماني