صحن السراميك والفناجين والإبريق، قطعٌ لا يُشبه بعضها بعضًا، كأنّها بقايا حيوات لا رابط بينها.
تراقبُ الابنة أمّها من مسافة آمنة، كأنّ إحداهما في خيال الأخرى. ورغم أنّ كل شيء معدٌّ لشخصين.. الصحنان والكوبان والملعقتان والشوكتان، فإنّ الآخر غائب.
وحدها أغنية عبدالوهاب تُقلّل من شبحية المكان. ثمّ يأتي السؤال الجامح: «أين كنتُ أنا وهي تكتبُ تلك القصّة وتنسحبُ من حياتي؟».
وهو السؤال المركزي في المجموعة القصصية الأخيرة لبشرى خلفان، الصادرة عن منشورات تكوين تحت عنوان «الدرب الذي بيننا». ففي جميع القصص، ثمّة من يعيش في وجود شبحي غامض، بينما الآخر يكتب قصّة أخرى.
الأمُّ حاضرة بقوة في القصص، الجيران والخالات والأقرباء، وكأنّهم في تآزر نمائمهم الصغيرة صورة مُضادة لما تمزقه المدينة في وجومها المُستعر. لا يقع شيءٌ جامحٌ هنا، لكن كل نصّ يتوتر من داخله ويكتفي بإشارات بالغة الصغر تُحدثُ ذبذبات صغيرة، كمن يُلقي حجرا في بركة النسيان، فيصنعُ دائرة في قلب الأخرى.
إنّ أقصى ما يمكن أن يحدث: تغيرٌ في صوت قرقعة الأواني، أو في صوت الأمّ وهي تنادي قطة الحوش لتضع لها الطعام. تغيراتٌ بالكاد تبدو ملحوظة. لكنها تُولدُ قشعريرتها فوق الجلد. الأمّ التي تذهب إلى الغابة بدلا من ليلى، فيستعيرُ الذئب الشرير الأعرج دور البنت بدلا من الجدّة.. هكذا يبدو كل استنتاج مقيدٌ بظرفية ما نعرف أو نظن أننا نعرف.
نحن أمام نصوص تنهضُ على التلصص، على الرغبة في معرفة ما يحدث في بيوت مجاورة وأحيانا في نفس البيت. التلصص على أدق التفاصيل، إن غطى الجيران الأرضية بسجاد أم بلاط التراكوتا، إن كانت ستائرهم مُقلمة أم مخملية، الجدران بلوحات أم بدون. مراقبة حثيثة لكن دون صخب مُفتعل. مراقبة رثائية لموت الفضول الفطري فينا، وإن استبدل بصور أخرى الآن. لا يتوتر السرد لكنه يلمسك من مكان خفي، فالفراغ لم يكن بالخارج أبدا ليتمكن الآخرون من مِلئه، لطالما كان في أعماقنا الأبعد عن قبضتنا.
قصصٌ عن الجذور التي لا تُمنَحُ فرصة للنمو. هجاءٌ مستعرٌ للمدينة، فقد وُصفت العائلة التي بادرت بإرسال الفوالة بجملة شديدة الريبة: «لم تلوثها العاصمة بعد». وكما يبدو فترقب مجيء الجيران الجُدد لا يُؤتي أُكله دائما، فهم لا يخرجون، يكتفون بالمراقبة من وراء الزجاج، وفي رمضان لا يستقبلون أطباق الهريس والفتة والعرسية، لقد عاد الأطفال بأطباقهم دون أن تُمس، وهنا يتصاعد الإحساس بالتحول الذي يُصيب المكان والعلاقات البشرية، فكل التلاقي الجسدي الممهور باللهو وكتابة الأحرف على السدرة واختبار متانة فروعها الجماعي، يُستبدل بمراقبة من وراء الأبواب الحديدية بقضبانها المُسننة كالرماح.
ويتضاعف شعورنا بهجاء المدينة عندما نكون برفقة بنت مسقط، التي تُدعى سرا «بنت القيظ» والتي تذهبُ برفقة عائلتها إلى الباطنة لتحفظ جزء «عمّ»، بينما عينا ذئب تترصدها دون نعت أو تسميات، فتُفضل البنت الانزلاق العارم فوق لزوجة الطحالب لتبقى متصلة بذلك المكان، فلا تغادره أبدا.
ثمّة هجاءٌ مُضمر وصريح أيضا للناس الذين يفقدون اتصالهم بالآخر، الذين يتجردون من العاطفة، ولذا ترسمُ بشرى شخصيات تتوق للحكي لا سيما في محطاتها التائهة.
لقد بالغت المدينة في توحّشها، فاستقطعت مساحات من الكثبان الرملية لتقوم عليها العمارات. ولم يصب التغيّر المكان وحسب، فقد كان ثمّة مستطيل أسود فارغ ومثالي مخصّص لسيارة واحدة لكل شقّة، وعبره تمكّنت بشرى من تشريح التغيّر الاجتماعي والثقافي الذي يجعلُ الرحم فارغًا باتفاق اثنين، ويجعل من حلم البيت وشراء الأرض أمرا مؤجلا، ريثما يأتي القدر المُترصد لينقض خططهما.
تخلقُ بشرى خلفان وشائج مع ذكريات مُعرّضة للتلاشي، فتقبضُ عليها كشيء ثمين، كخيط نجاة أخير. في هذه المجموعة الكثير من التواطؤ على السكوت، وعليك أيها القارئ أن تُفكّك قطع البازل وتعيد تركيبها، مستعينًا بإشارات قليلة بما حدث وما لم يحدث. فهي من ذلك النوع من القصص التي ما إن تصل إلى جملتها الأخيرة حتى تعود لاهثًا إلى أسطرها الأولى، بشعور فادح بأنّ ثمّة ما هو مُفخّخ ولم ننتبه إليه بدقّة.
هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»