يتحدد المستقبل الاجتماعي للعالم بما تسير إليه السياسات الأسرية اليوم، وهنا نحاجج بعض الفرضيات القائلة أن الغد سيحدده تصرفات وسلوكيات واتجاه أفراد الجيل الحاضر؛ للقول إن هؤلاء الأفراد ما هم إلا نتاج لطبيعة (المحيط الأسري) الراهن الذي يتشكلون فيه، وتتشكل فيه اتجاهاتهم، وأحكامهم، وقيمهم، ونظرتهم للحياة، وواقعهم المادي والمعنوي، ورؤيتهم للعلاقات الاجتماعية والأسرية، وأنماط معيشهم.

إن مساءلة الوضع الراهن للأسرة – في أي مجتمع – هو استقصاء مباشر لما يكون عليها المجتمع ككل خلال 10 سنوات قادمة، وربما أقل أو أكثر من ذلك، كيف ستكون جودة رأس ماله البشري؟ وكيف سيكون تماسكه؟ ما مدى إنتاجية أفراده؟ وما مدى القدرة على تحقيق الضبط الاجتماعي فيه؟ ما كلفة المشكلات الصحية والاجتماعية والاقتصادية التي تنشأ فيه؟ وهل ستقل تلك الكلفة بمرور الوقت أم تتزايد؟ كيف سيكون منظور أفراده للتربية والإعالة ومفاهيم تكوين الأسرة والاستقرار الأسري؟ وكيف سينشطون في المؤسسات والشبكات والعلاقات الاجتماعية المختلفة؟

هذه الأسئلة وتفاصيلها نستطيع تلمس الإجابة عليها اليوم؛ فقط إذا ما استطعنا رؤية الأسرة من منظور السياسات، وهل تتمحور السياسات الاجتماعية حولها؟ أم تظل سياسات (خدمية) متفرقة، تقدم حسب الفئة والاحتياج، وتباشر حسب التخصص والمؤسسة.

عالميًا، أصبحت الخصوبة اليوم دون مستوى الإحلال البالغ 2.1 طفل لكل امرأة في أكثر من نصف دول العالم. وتعزو المنظمات الدولية ذلك في جزء منه إلى القيود المالية التي تؤثر في قدرة الأسرة ورغبتها في الإنجاب. وعلى الجانب الآخر سيكون 1 من كل ستة أشخاص في العالم مسنًا قد تجاوز عمر الـ 60 عامًا في عام 2030، مما يعني أن شيخوخة السكان وحدها تعيد تشكيل مسؤوليات الأسرة، وتبلور ركائز (الرعاية طويلة الأمد - السكن الملائم لطول أمد العمر - دعم مقدمي الرعاة الصحية والأسرية في التخطيط الوطني) كلها ركائز وموجهات أساسية يجب أن تتمحور حولها السياسات الاجتماعية والأسرية.

تشير التقديرات الدولية كذلك إلى أن 4 من كل 10 أطفال في عمر (2-4) سنوات لا يحصلون على تفاعل أو تحفيز كافٍ داخل المنزل، وأن 1 من 10 يفتقد إلى أنشطة مثل القراءة وسرد القصص، والتربية بالتدريب على المهارات اليدوية داخل أسرته، مما يعني أن هناك أساسا معرفيا ودعما اجتماعيا آخذًا في التآكل في بنية الأسرة عالميًا، وهو موطن حرج لمستقبل أفرادها ولمستقبل المجتمع ككل. على الجانب الآخر تشير بيانات اليونسيف إلى أن نحو 400 مليون طفل دون سن الخامسة (5 من كل 10 أطفال عالميًا) يتعرضون لعدوان نفسي أو عقاب بدني منتظم داخل المنزل، مما يعني أن أدوات الحماية الأسرية يجب ألا تنفصل عن الأطر الأخرى الداعمة للأسرة والمكونة للسياسة الاجتماعية بوجه عام.

ومن المؤشرات العالمية المقلقة كذلك حسب ما تشير إليه بيانات منظمة الصحة العالمية أن 15.8% من سكان العالم يعانون من الوحدة وانعدام الروابط الأسرية والمجتمعية، ويرتبط بها نحو 871 ألف وفاة سنويًا، وذلك يعني أن جودة حياة الأسرة لا ترتبط فقط بما توفره لها السياسة الاجتماعية ماديًا من خدمات وتسهيلات، بل بما توفره كذلك من آليات تساعد أفرادها على تحقيق الدعم الاجتماعية، وتقوية الروابط الأسرية، وتكوين شبكات تماسك اجتماعي فاعلة.

على المستوى المحلي، تواجه الأسرة في عُمان ثلاثة تحديات هيكلية؛ تباطؤ التجدد السكاني، وصعوبة الاستقلال الاقتصادي للشباب، وتضاعف مسؤوليات رعاية كبار السن.

هذه التحديات بقدر ما تظهر تأثيراتها اليوم، بقدر ما ستكون آليات التعامل معها هي المحدد والراسم لشكل المجتمع ككل خلال سنوات قادمة. تراجع معدل المواليد الخام للعُمانيين من 27.3 لكل ألف نسمة عام 2021 إلى 20.8 عام 2025؛ أي بنحو24% خلال أربع سنوات، وبلغ معدل الباحثين عن عمل بين الشباب العُمانيين بعمر 18 - 29 سنة 25.2%، بينما يُتوقع تضاعف كبار السن العُمانيين من188 ألفًا إلى 385 ألفًا بحلول عام 2040، فيما تواجه الأسرة هذه التحولات مع اعتماد 72.8% من دخلها على الأجور والرواتب. إذن هناك ثلاثة اختلالات تنموية يجب أن تحوز أولوية العمل التنموي في مجال الأسرة، وهي توسع احتياجات الرعاية والإعالة، وتعثر دخول الشباب إلى الاقتصاد، وحواجز القدرة على تكوين الأسرة.

إن معالجة هذه الاختلالات اليوم ما زالت في المتناول، كون أن هذه القضايا تعتبر في طور النشأة لا في مرحلة التراكم والتعقد الهيكلي، وكون أن المعطى الديموغرافي لا يزال متوازنًا، ولم ينتقل المجتمع إلى حالة المشيخ أو الانخفاض المطلق في المواليد، وكون كذلك أن الخيارات الاقتصادية وحزم السياسات الاجتماعية قائمة، وكل ما تحتاجه هو إعادة حوكمتها وتأطيرها ضمن سياق واحد.

وفي هذا السياق، ندعو إلى وجود مجلس أعلى للاستقرار الأسري، أو أي منصة تحمل ذات الوزن الاستراتيجي والقدرة الاستراتيجية على عبور القطاعات وتكوين قرار أعلى في شأن الحالة الأسرية، يكون هدفها تنسيق السياسات الاجتماعية لتكون «متمحورة حول الأسرة»، وتضمن أن المنظومة ككل تتعامل مع تحديات استراتيجية واضحة ومحددة في الشأن الاجتماعي «الأسري»، وقد تكون التحديات التي أشرنا إليها منطلقًا لذلك. ثم توجه المؤسسات التنفيذية العاملة في القطاع لمواءمة برامجها وسياسات عملها ومبادراتها للعمل على حلحلة تلك التحديات، وضمان أن يكون وضع الأسرة بشكل عام من كل الأبعاد (السكانية، الاجتماعية، الصحية، التعليمية، الاقتصادية، الإسكانية) سليمًا وصحيًا لتنشئة أجيال منتجة، ومتفاعلة مع التنمية، وموجهة الطاقات والقدرات بشكل بناء، ومنخرطة في الاقتصاد بشكل فاعل. وعلى الجانب الآخر أن تؤدي في مجملها دورًا في حفظ الاستقرار والتماسك الأسري والاجتماعي بوجه أعم.

مبارك الحمداني  مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان