يشير تقرير الأمم المتحدة (مدن العالم 2026: أزمة الإسكان العالمية)، إلى أنه من المتوقع أن تستوعب المدن ملياري نسمة إضافيين بحلول العام 2050، مما سيؤدي إلى تفاقم إشكالية الإسكان بسبب التحضُّر السريع، وارتفاع كلفة الأراضي، وآثار المخاطر المناخية المختلفة؛ إذ من المتوقع أن تدمِّر هذه المخاطر نحو 167 مليون مسكن حتى 2050؛ فقد تسببت الكوارث الطبيعية في العام 2023 وحده بخسائر في مساكن قدرها 280 مليار دولار أمريكي، كان معظمها غير مؤمَّن عليها، كما أن هناك ما يقدَّر بـ 3.4 مليار شخص في العالم يعيشون بدون مساكن آمنة ومناسبة.

ولقد أدت هذه التحديات إلى ارتفاع أسعار العقارات في العالم، وزيادة صعوبات الحصول على القروض، إضافة إلى إشكالات الرهن العقاري، وهذه التحديات تزداد تفاقما في تلك الدول التي تعاني النزوح أو الإخلاء القسري أو غير ذلك، مما يجعل الظروف المعيشية لهؤلاء الناس مليئة بالمخاطر والانتهاكات ومشكلات الحيازات غير القانونية.

كما أن التقرير يلفت النظر إلى أن «44% من الأسر في العالم تنفق أكثر من 30% من دخلها على المسكن، مع عدم القدرة على تحمُّل تكاليف الإيجار»، الأمر الذي يجعل الأسر أمام خيارات محدودة تؤدي إلى ضغف المستوى المعيشي.

يؤكِّد التقرير أهمية التمويل المحلي والاستثمار في التخطيط والتطوير العمراني عبر مستويات مختلفة، وتوسعة نطاقه لسد فجوات القدرة على تحمُّل تكاليف السكن للأفراد بتنوُّع مستويات دخلهم؛ فالاستثمارات المحلية سواء أكانت حكومية أو خاصة أو أهلية تسهم جميعها في توفير المسكن اللائق للأُسر خاصة من ذوي الدخل المتوسط أو المنخفض، بغية إيلاء العناية المناسبة لاستقرارهم الأسري وتحقيق الرفاه الاجتماعي لكافة أفراد المجتمع.

لذا، فإن دعم الاستثمار في التطوير العمراني والتخطيط بما يتناسب مع احتياجات المجتمع سيوفِّر فرصا عدة لاختيار المسكن الملائم لكل أسرة بما يتناسب مع قدراتها واحتياجاتها ومتطلبات حياتها.

إن المسكن اللائق له أهمية كبرى على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والصحي، لأنه يمثِّل مستوى الرفاهية، ويكشف نوعية الحياة التي يعيشها المجتمع، وقدرته على الوصول إلى المستوى المعيشي اللائق الذي يطمح إليه.

كما أن التخطيط العمراني الذي تقوم به الدول سواء أكان على المستوى الحضري أو الريفي يعكس مستوى الوعي بأهمية تطوير البنية العمرانية ومدى ملاءمتها للتركيبة السكانية من حيث النوع والكيفية، وطرائق الاستعداد والتهيئة لتغيراتها المستقبلية، بحيث تكون التنمية العمرانية مستدامة قادرة على استيعاب هذه المتغيرات من ناحية، ومرنة تتناسب مع التحولات الطارئة من ناحية أخرى، فالمسكن اللائق يعد من أهم محاور تسريع التنمية الشاملة والمستدامة.

لذا، فإن عُمان أولت التخطيط العمراني وتطويره عناية فائقة، انطلاقا من أهمية توفير خيارات المسكن اللائق لأفراد المجتمع، ولهذا فإن هناك الكثير من الجهود المتكاملة التي تقدمها الدولة بقطاعاتها المختلفة الحكومية والخاصة والمدنية، التي وفَّرت العديد من الخيارات على مستوى الأراضي السكنية أو المنازل أو القروض الميسَّرة وغير ذلك، الأمر الذي جعل الكثير من أفراد المجتمع يتمتعون بالمسكن اللائق، إلاَّ أن النمو السكاني المتزايد وزيادة تحديات توُّفر الوظائف، إضافة إلى الكوارث الطبيعية وغير ذلك، أدى إلى ظهور مشكلات إسكانية جديدة لا تكمن في المسكن وحسب بل ما يرتبط بها من تحديات مالية عدة.

ونتيجة لهذه المشكلات فإن التخطيط العمراني في الدولة بدأ يتخذ مناحي جديدة تحاول إيجاد حلول عبر مجموعة من المبادرات والمشروعات المنبثقة من الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية، وعليه فإن الرؤية العمرانية اليوم تتخذ أساليب ورؤى قد تكون جديدة على المجتمع لكنها تطرح إمكانات تنتهج النهج التحويلي، الذي يقوم على الاستفادة من التطوُّر المجتمعي والتقني، ويعتمد على أنماط الحياة العملية السريعة التي تحتاج إلى الخدمات المتوفِّرة والقريبة ذات الأسعار المناسبة.

ولهذا فإن أكتوبر العمران 2026 في نسخته السادسة، كشف عن العديد من المشروعات الاستثمارية والمبادرات، والمدن الذكية المستدامة من مثل مدينة السلطان هيثم ومخططات المدن المستقبلية في العديد من المحافظات مثل مشروعات الجبل الأخضر ومدينة صلالة وغيرها، إضافة إلى مشروعات الأحياء السكنية المتكاملة، وتعزيز المساحات الخضراء والممرات المائية والفضاءات المفتوحة ومشروعات الترفيه في تلك الأحياء، ذات الأثر الكبير على أنماط حياة المجتمع وطرائق العيش الصحي والاجتماعي.

إن فعاليات ومعروضات أكتوبر العمران 2026 تتكامل مع رؤية المدن الحديثة التي توفِّر خيارات مختلفة للإسكان، وتعزِّز التوجهات العمرانية في الدولة، كما تقدِّم مسارات تمويلية تتناسب مع القدرات المالية المتفاوتة، ولذلك فهي تتيح خيارات متعددة وبدائل سكنية متكاملة الخدمات، توفِّر مستوى معيشيا جيدا، تمكِّن أفراد المجتمع من العيش في سكن لائق يحقق لهم مستوى الرفاهية الذي يطمحون إليه، ويتناسب مع قدراتهم ونمط حياتهم اليومية.

وعلى الرغم من أن الكثير منَّا قد يرى أن هذه المدن الذكية والأحياء الحديثة تفتقد إلى الأنماط التقليدية التي تعوَّد عليها العمانيون في البناء والعيش، إلاَّ أن الإقبال اللافت عليها من الفئات العمرية المختلفة خاصة فئة الشباب، يجعلها في مقدمة الأنواع الإسكانية المرغوبة، والتي قد تمثِّل تحولا في فلسفة التطوير العمراني في الدولة، الأمر الذي يعكس التغيُّر في أنماط العيش من ناحية، وأنماط التفكير لدى الأجيال، والتحولات الاجتماعية من ناحية أخرى، مما يقتضي التفكير في إمكانات ربط هذه المدن والأحياء الحديثة بالمدن والقرى الأخرى في الولاية أو المحافظة، وانفتاحها على جوهر المجتمع بحيث لا تكون معزولة على المستوى الاجتماعي.

إن التخطيط العمراني اليوم بما أنه يتواكب مع تحولات التركيبة السكانية ونوعية السكَّان فإنه مطالب أيضا الأخذ في الاعتبار الارتباط بالطابع الاجتماعي والثقافي ومدى مواءمته مع الفكر العمراني في الدولة على مر التاريخ بحيث لا ينسلخ عن ثقافة المجتمع؛ فالمسكن اللائق لا يراعي المستوى الاجتماعي والصحي وحسب بل يتأسَّس على ثقافة المجتمع وأنماط الحياة المجتمعية وتسلسل الأسرة الكبرى، فارتباط الأسرة الصغيرة بالأسرة الأم يقتضي وجود حواضر سكانية متقاربة ومنفتحة على بعضها ضمن إطار اجتماعي يحافظ على الخصوصية الثقافية، في حين أن انغلاق الأحياء السكانية الحديثة وانعزالها سيؤدي على المدى القريب والبعيد إلى تحديات اجتماعية كثيرة، خاصة وأن هذه الأحياء ذات طابع تجاري مختلط؛ لذلك فإن التطوير العمراني عليه أن يتصِّف بالشمولية، ينطلق من تطوير الأحياء في الولايات والمحافظات ويفتح لها آفاق تربطها بالمدن والأحياء الجديدة.

لقد حظي المسكن اللائق في عُمان بعناية فائقة، سواء على مستوى التخطيط العمراني العام، أو الدعم الحكومي للأسر، أو على مستوى الاستثمار، ولهذا فإن التحديات التي تواجه العالم في الكثير من الدول، نجدها أقل بكثير لدينا نتيجة لتلك الجهود التي تبذلها الدولة في سبيل تذليل الصعاب والتحديات وتيسير تملُّك الأُسر للمسكن الذي يليق بمستوى الحياة الذي تطمح إليه الرؤية الوطنية 2040، ويقدِّم حلولا أيضا للنمو السكاني المتزايد.

عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.