مؤشرات عالمية كثيرة تتجمع اليوم، حول القضية الفلسطينية، كان آخرها نهاية الأسبوع فوز المحامية والقاضية الجنوب أفريقية المحترمة نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام هذا العام.

وفوز بيلاي في حد ذاته تتويج مشوار طويل بدأ مع تحرر جنوب أفريقيا نفسها؛ فهي المولودة في ديربان في جنوب أفريقيا، أول امرأة سوداء تفتتح مكتبًا للمحاماة، وهي المدافعة عن نيلسون مانديلا أيام اعتقاله في سجن روبن آيلاند، والتي حين تولت منصبها في المحكمة الجنائية كانت صاحبة الحكم القضائي الرائد عام ٢٠٠٣م في قضية الإبادة في رواندا، وهو الحكم بأن الاغتصاب والعنف الجنسي أداة من أدوات الإبادة الجماعية وجريمة حرب، كما أنها المفوضية السامية السابقة لحقوق الإنسان، ورئيسة لجنة التحقيق في أحداث غزة والتي أقرت حكم الإبادة الجماعية على إسرائيل.

في أول ظهور لنافي بيلاي عبر وسائل الإعلام وبعد أن سخرت من ترامب قائلة «لو صفقتم أكثر لكنت تقاسمت الجائزة مع ترمب»، أضافت القاضية مقولة لافتة «لماذا تحتاج الشجاعة لتقول الحقيقة؟» وهذا توصيف صادق لعالم ظل يغلب المصالح والأيديولوجيات ليحارب الحقيقة، ولا نظن أن مثل هذه المقولة تنطبق على العالم البعيد عنا، بل هي تنطبق حتى علينا هنا في هذه الجهة من العالم.

أستعيد هذه العلامة البارزة والمهمة في لحظتنا المعاصرة للفت النظر إلى أن هذا الانتصار الجنوب أفريقي، لا يتوقف عند شخص بيلاي أو جنوب أفريقيا أو أفريقيا، بل هي إشارة عالمية، إلى أن قول الحقيقة والدفاع عنها ليس ترفًا يمكن الاستغناء عنه، أو تجاوزه، بل هو ضرورة وجودية، وبدونها ندخل وعالمنا في ظلام معتم، يقتل الأطفال؛ فوز بيلاي هو انتصار لقول الحقيقة مهما كانت المصالح الدولية العالمية، أو القومية الضيقة، أو العائلية الأضيق، لكل العمل السياسي والاقتصادي الذي يسعى لحشر العالم في نفق رؤيته.

المؤمل أن تكون هذه المؤشرات بداية التحرر الفعلي من كل هذا الضيق الذي زرع الكآبة في كل مكان من العالم، ذلك أن طبيعة الإنسان - مهما يكن أمره- تنزع للعدل والإنصاف، وتكره الظلم والاستغلال، كما تكره القهر وعسف السلطة والإجرام، هذه طبيعة وفطرة إنسانية لا يمكن تجاوزها فقط لأن المصالح الأيديولوجية أو النظرة الدينية لديها أفضلية عنصرية ما ضد جماعة بشرية أو مجموعة أثينية أو طبقة اجتماعية.

المؤشر الآخر على تغير السردية ما أثبت مقال إريك الترمان في نيويورك تايمز، والمنشور في جريدة عمان بترجمة أحمد شافعي الأربعاء الماضي، بعنوان «فشل آيباك»، في هذا المقال يتتبع الترمان الوضع الحالي الضعيف الذي وقعت فيه أكبر وأقوى منظمة أمريكية لدعم إسرائيل، بعد أن بدأ المترشحون السياسيون يتجنبون الارتباط بها، وبعد أن أظهرت كثير من الاستطلاعات انقلاب الرأي العام الأمريكي خاصة لدى فئة الشباب ضد إسرائيل، وداعميها.

هذه المؤشرات تقول الكثير، وهي بشارة بأن إبادة غزة كانت ذروة الجريمة التي ما زالت إسرائيل تقوم بها، لكن هذه اللحظة هي التي تنقلب فيها تلك السردية برمتها.

بهذه الطريقة يبدأ حق السرد يعود للفلسطينيين، وحق السرد هذا هو الذي ظل المطالبون بالعدل يعملون عليه منذ عقود، هذا الحق الذي كان يطالب به المفكر الراحل إدوارد سعيد، وهو الذي ظل يعمل عليه وينقب المؤرخ والمفكر إيلان بابيه، وهو الذي كان يدعمه نعوم تشومسكي، ومعهم أعداد غفيرة من الكتاب والمفكرين والمثقفين والنشطاء طوال عقود، وليس هذا الحدث كما يدعي أيديولوجيونا العرب نتيجة أحداث ١٠ أكتوبر.

إن محاربة العنصرية تقوم أساسًا على تحررنا من عنصريتنا، على تحرر رؤيتنا من ضيق أفقنا، وعلى العمل للإنسان داخلنا، لا لقوميتنا أو ديانتنا حصرًا، فليست المعركة الحقيقية هي معركة إسلام ويهودية، المسألة تعدت تلك النظرة القروسطية منذ زمن طويل، تحديدًا منذ احتلال فلسطين عشية الحرب العالمية الثانية.

قضية فلسطين تخصنا نحن أيضًا ونحن متورطون بها بطريقة غير التي نعتقدها، فنحن كذلك ساندنا إسرائيل دون أن نعلم، ونحن طبعنا مع إسرائيل وكنا ندعي أننا نكرهها؛ تلك الكراهية كانت دومًا هي الوقود الذي ظلت إسرائيل تستغله كي تقلب الطاولة، وتتلاعب بالساسة الفلسطينيين في الوقت الذي كانت تتهيأ لاغتيالهم وإبادتهم كما فعلت بياسر عرفات، وكما قامت بكل جريمتها من أجل إفساد واغتيال مستقبل القضية الفلسطينية.

تحول السردية العالمية يحتاج اليوم منا نحن هنا كأبناء الثقافة العربية الإسلامية تغيرًا في الثقافة وفي التفكير بهذه القضية الحاسمة والمعاصرة، فليست القضية الفلسطينية قضية ديانتين أو قوميتين متعاديتين، إنها قضية استعمارية وحقوقية وقانونية، قضية عنصرية غربية متصلة ومتسلسلة وموثقة، ارتضى الاسرائيليون لأنفسهم أن يؤدوا فيها دور العنصري والكاره، والمراد هو تصدير هذه الثقافة لنتحول نحن، والعالم كله كذلك، إلى عنصريين وكارهين، وإذا فعلنا ذلك فإن الغلبة دومًا لمن يملك السلاح الأقوى، ولهذا نجد إسرائيل مهووسة بالأمن والأسلحة طوال تاريخها، منذ مليشياتها الإرهابية التأسيسية وإلى يومنا هذا الذي تحولت فيه إلى إحدى أكبر الدول تصديرًا للأسلحة المختلفة.

العالم الذي يؤسس له الوجود الإسرائيلي هو عالم القوة والبطش والتحكم والعنصرية والقومية الضيقة، هو نفسه العالم الاستعماري القديم، يستمر في عصر الهيمنة الذي بدأ يتفكك، وهو عالم مقلوب الحق فيه يتبع القوة، بينما العالم الذي تؤسّس له فلسطين بالعكس عالم فيه تتبع القوة الحق؛ عالم يقوم على العدالة والحقوق والقوانين ونبذ العنصرية وإعلاء الإنسانية.

إن انقلاب السردية اليوم يفرض على عالمنا العربي الإسلامي أن يعيد ترتيب خطابه نحو إعلاء الإنسانية، وأن يتحرر من عنصريته هو الآخر، كي لا يكون في نفس الصف مع إسرائيل وأيديولوجيتها الدينية والقومية المتعصبة، علينا أن نحرر فكرنا وثقافتنا وخطابنا من خطابات سحق الأعداء وتدميرهم والنصر الكاسح، واحتكار الحقيقة للذات، لأن هذه هي نفسها اللغة الإسرائيلية الرسمية والثقافة التي تعمي الاسرائيليين الغرقى في خطاب العداء والكراهية، أما الذين تحرروا من هذه الأطر منهم فهم يرون الحقيقة، لكن رؤية الحقيقة لا تكفي كما تذكرنا نافي بيلاي، بل لا بد من أن نقولها.

الأمل أن يتقدم هذا المسار الإنسانية، لأن رهان المستقبل البشري والإنساني لا يقوم على السياسات القصيرة النظر التي تريد استغلال العالم لمصلحتها ومصلحة معتقداتها وقومياتها، بل المستقبل البشري هو لهذه الأمثلة المشرقة التي يرفعها العالم اليوم نبراسًا يهتدى به، في وقت تحاول فيه السياسات تدمير العالم وتحويله إلى ساحات حرب لا تتوقف وجريمة مستمرة.

حين نحرر فلسطين داخلنا من احتلال إسرائيل لها بمنطق القوة والعنف والجريمة والإبادة عندها يبدأ تحرر فلسطين. وهو قد بدأ فعلًا.

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني