مايكل كيماج / ماريا ليبمان

ترجمة: نهى مصطفى

تلحق الحرب في أوكرانيا أضرارًا لا يمكن إنكارها في مختلف أنحاء روسيا؛ فقد أدت الضربات الأوكرانية في عمق الأراضي الروسية إلى زيادة أعداد القتلى المدنيين، وتعطيل التجارة الإلكترونية، وهي قطاع حيوي في بلد شاسع مثل روسيا، والتسبب في نقص حاد في البنزين. يعاني الاقتصاد الروسي، المثقل بأعباء حرب طاحنة، من انخفاض معدلات النمو وارتفاع التضخم.

في مايو، قدم المصرفي الروسي البارز أندريه كليباتش تقييمًا صريحًا في خطاب نشر على الإنترنت، قال فيه: «روسيا تتخلف عن الركب. نحن نخسر المنافسة التكنولوجية والاقتصادية (العالمية)». وأضاف: «من بعض النواحي، نحن نخسرها لصالح أوكرانيا». وفي أغسطس، أقاله بنك التنمية الحكومي الذي كان يعمل فيه بسبب ما اعتُبر تعبيرًا عن عدم الولاء. وخلال ذلك، تتسرب رؤوس الأموال بهدوء إلى خارج البلاد، فيما تتراجع الودائع في الحسابات المصرفية.

لا يبشر أي من ذلك بخير للرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ فبعد أكثر من أربع سنوات ونصف، لم تنجح روسيا في تحويل تضحياتها العسكرية الهائلة في أوكرانيا إلى مكاسب ملموسة.

ومع ذلك، وبينما لا يملك بوتين انتصارات واضحة يعرضها على الشعب الروسي، فإنه لا يواجه خطرًا سياسيًا حقيقيًا. ربما كان أحد أسباب زيارة مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، جون راتكليف، الأخيرة إلى موسكو محاولة إقناع بوتين بأن مواصلة الحرب باتت عبثية؛ لكن من يعتقد أن بإمكانه إقناع بوتين بالتراجع فهو واهم. فالحرب، بدلًا من الاقتراب من نهايتها، تتصاعد، ولا تدفع بوتين إلى مأزق سياسي أو عسكري. لذلك، من غير الواقعي توقع تنازلات روسية أو تسوية تفاوضية في المدى القريب أو المتوسط.

نشبت حرب بوتين على أمل تحقيق نصر سريع وكامل، لكنها لم تكن وليدة الصدفة. فقد خرج قرار الحرب من داخل النظام السياسي الذي بناه بوتين، وهو نظام زادت الحرب من صلابته بدلًا من أن تغيره. بالنسبة إلى المراقبين الخارجيين، يكمن مفتاح فهم البوتينية في تماسكها الداخلي؛ فالتغيرات اليومية على جبهات القتال في أوكرانيا، أو مظاهر السخط الداخلي، ليست من اهتمامات بوتين الرئيسية. وعلى الرغم من تكلفتها الباهظة، عززت الحرب البوتينية، وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من نسيج الدولة الروسية.

من المفهوم أن ينشغل الروس بالتغيرات المحتملة في مسار البلاد الداخلي، كظهور موجة معارضة، أو إجراء انتخابات، أو شن أوكرانيا هجومًا مدمرًا بشكل خاص. ومنذ بداية الحرب، توقعت الولايات المتحدة وأوروبا أن تؤدي تكاليفها المتزايدة إلى إنهاك بوتين. لكن روسيا ظلت هادئة طوال الحرب.

فبعد أسابيع من الذعر، انسحب الروس إلى حياتهم اليومية وتقبلوا الحرب. وحتى تمرد يفجيني بريجوجين، قائد مجموعة فاجنر شبه العسكرية، عام 2023، لم يتحول إلى ثورة، بل انتهى بموته بعد فترة قصيرة. وبقدر ما يمكن الوثوق باستطلاعات الرأي في روسيا، يتمتع بوتين بشعبية تفوق بكثير شعبية المستشار الألماني فريدريش ميرز، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بلدانهم.

قبيل الانتخابات البرلمانية، منع الكرملين حزب يابلوكو المناهض للحرب من المشاركة، في وقت كان يحظى فيه بتأييد متزايد، وحكم على السياسي المناهض للحرب ليف شلوسبرج بالسجن 11 عامًا. وتندرج هذه الإجراءات ضمن آليات الحكم المعتادة في روسيا، حيث يحتوي النظام الصراعات بين الرؤى السياسية والأحزاب المتنافسة. ولم يختفِ العمل الحزبي المستقل من روسيا فحسب، بل غابت عنها أيضًا أي حركة مناهضة للحرب. وقد لا يرى كثير من الروس نظام بوتين حريصًا على المصلحة العامة، وهو ما قد يفسر خروج رؤوس الأموال من البلاد، لكنهم يتعاملون معه أيضًا بوصفه أمرًا واقعًا، ونظامًا بعيدًا عن متناول التأثير الخارجي.

وقبل الحرب، أمضى بوتين عقودًا في إضعاف قنوات المعارضة والعمل السياسي المستقل عن الدولة، واتسم ربع قرن من حكمه بمسارين متداخلين: ترسيخ سلطته تدريجيًا، وتصاعد عسكرة روسيا. وقد يبدو بوتين، الذي أصبح رئيسًا عام 2000، شخصية متعددة الأوجه: مصلحًا، ومجددًا، ورجلًا قويًا. لكن مهما اختلفت صورة قيادته، ظلت غريزته نحو السلطة حادة، وكانت السلطة بالنسبة إليه مرادفة للسيطرة. فمنذ البداية، وسع قبضته على الدولة والإعلام وقطاع الأعمال، وبحلول عام 2012، عندما انتخب رئيسًا للمرة الثالثة، كان قد أحكم سيطرته على القطاعات الثلاثة.

ربط بوتين صعوده بالقضاء على المقاومة، وجاء تقدمه نحو الهيمنة تدريجيا ومنهجيا: سيطر على شبكات التلفزيون الوطنية، وأضعف المناطق التي قد تختلف مع موسكو، وأجبر الأوليغاركيين على التخلي عن طموحاتهم السياسية، وحول الأحزاب إلى أدوات جوفاء. ومع فقدان نفوذهم السياسي، أصبح الأوليغاركيون مجرد أتباع أثرياء له.

وبلغ صراعه الطويل مع أبرز منتقديه، المعارض أليكسي نافالني، ذروته بوفاة نافالني عام 2024 أثناء احتجازه. وبعد عام 2022، فرت معظم وسائل الإعلام المستقلة المتبقية، إلى جانب مئات الآلاف من المواطنين المناهضين للحرب، إلى المنفى، بينما واجه من بقوا خطر الاضطهاد. واليوم، أصبح غياب المعارضة الحقيقية هو الوضع السائد.

استغل بوتين سلطته لعسكرة الدولة والمجتمع، وهو ما عزز قبضته على الحكم. فاستثمر بكثافة في الدفاع، وجعل تمجيد الانتصار في الحرب العالمية الثانية ركيزة للهوية الوطنية، ودعم عسكرة الكنيسة الأرثوذكسية. وقبل غزو أوكرانيا عام 2022، خاض حروبًا وعمليات عسكرية في الشيشان وجورجيا وأوكرانيا وسوريا، من دون أن يعلن روسيا في حالة حرب، لكنه جعل الحرب واقعًا دائمًا ومألوفًا للروس. وبعد 2022، اكتسب تصوير روسيا بوصفها قوة عظمى طابعًا عسكريًا أكثر وضوحًا.

ساعد تراكم هذه الحروب، التي أمكن تصوير بعضها على أنه نجاح جزئي، من دون تأثير كبير على مستوى معيشة الروس أو شعورهم بالأمان، في جعلهم أكثر تقبلًا للحرب في أوكرانيا، التي طال أمدها على نحو لم يتوقعه أحد في البداية. وعلى مدى السنوات الأربع الماضية، سعى الكرملين إلى ترسيخ فكرة أن الحرب ليست حالة طارئة، بل ضرورة حتمية تفرضها كثرة أعداء روسيا ومكانتها وقوتها.

السياسة الروسية ليست صرحًا خاليًا من الشقوق؛ فالسخط من الحرب يتزايد تحت السطح؛ ووفقًا لاستطلاعات معهد ليفادا في 9 أغسطس، يفضل كثير من الروس محادثات السلام على استمرار الحرب، كما يزداد استياء بعض أصحاب الأعمال والعمال من ارتفاع الضرائب.

وإذا تدهور الاقتصاد وأثرت الحرب أكثر في الحياة اليومية، فقد يتسع هذا السخط. لكن الشقوق ما زالت محدودة، ويمتلك بوتين الوسائل السياسية والمؤسسية لفعل ما يريد، وما يريده قبل كل شيء هو مواصلة الحرب.

يتمحور هدف بوتين حول إخضاع أوكرانيا وإجبار الغرب على قبول النتيجة. ولم يظهر خلال السنوات الأربع الماضية أي تراجع عن هذا الهدف، وأصبحت الحرب نفسها مصدرًا لثقة النظام.

لا يرى بوتين نفسه مهزومًا، لذلك لا يشعر بضغط كبير لتقديم تنازلات. فما زالت أمامه موارد عسكرية وبشرية وصناعية ضخمة تتيح له مواصلة حرب الاستنزاف، كما نجت روسيا من العزلة الغربية رغم العقوبات.

وفي الداخل، لا يملك الروس أدوات سياسية حقيقية للتأثير في القرار، بينما تتيح موارد الدولة لبوتين تمويل الحرب ومكافأة أنصاره وترسيخ أفكاره لدى الأجيال الشابة.

قد يفضل بوتين حربًا مفتوحة على تسوية تفاوضية لا تعني استسلام أوكرانيا. وفي الوقت نفسه، تصعد موسكو حربها غير التقليدية في أوروبا، بينما يمكن أن تؤدي الضربات الأوكرانية داخل روسيا إلى تعزيز النزعة الوطنية ودعم بوتين، خصوصًا بين المعادين للغرب. وهكذا يستطيع الكرملين تقديم الحرب بوصفها دليلًا على استقلال روسيا وسيادتها وقدرتها على تحدي أوروبا والولايات المتحدة.

لكن قوة بوتين العسكرية لا تعني نجاح سياسته الخارجية؛ فقد تراجع النفوذ الروسي في مناطق عدة، من فنزويلا وسوريا إلى آسيا الوسطى ومولدوفا وأذربيجان وأرمينيا، بينما ازدادت روسيا اعتمادًا على الصين.

ويظهر هذا الفراغ بوضوح أكبر في أوكرانيا: فروسيا بعيدة عن تحقيق هدفها الأصلي بالسيطرة على البلاد، رغم قدرتها على إلحاق دمار هائل بها وربما فرض وقف لإطلاق النار.

ستظل أوكرانيا غير المهزومة تحديًا استراتيجيًا دائمًا لموسكو. كما أن توقع بوتين أن تمل أوروبا من دعم أوكرانيا لم يتحقق؛ بل زادت أوروبا استثمارها في الدفاع عن أوكرانيا وعن نفسها مع استمرار الحرب.

مع ذلك، تظل هذه الإخفاقات ثانوية بالنسبة إلى مشروع بوتين الأساسي: تعزيز سلطة الدولة وترسيخ نظامه. وهنا تكمن مفارقة البوتينية: فكلما صورت روسيا على أنها محاصرة بعالم معادٍ، ازدادت ارتباطًا بحاكم يرى القوة أساسًا للأمن والنفوذ.

عندما يتأمل المحللون متانة نظام بوتين، يتخيلون أحيانًا خليفة أكثر اعتدالًا. صحيح أن الكرملين يملك على الأرجح خططًا للخلافة، لكنه لا يستطيع ضمان تنفيذها إذا توفي بوتين أو تنحى. ومع ذلك، هيأت البوتينية روسيا لمواصلة نهج مؤسسها.

فالمعارضة والثورات تحتاج إلى تنظيم دقيق، بينما يتعين على أي سخط شعبي متزايد أن يواجه أجهزة الأمن الضخمة التي يسيطر عليها بوتين وحلفاؤه. لذلك، سيكون من الصعب إزاحة أي خليفة يتمكن من الاحتفاظ بهذه الأدوات، حتى لو غابت عنه هالة بوتين.

على صانعي السياسات في الولايات المتحدة وأوروبا أن يتعاملوا مع حقيقة أن بوتين سيواصل حربه؛ فتعثر الاقتصاد وتراجع التأييد الشعبي لا يغيران الحقيقة الأساسية: الظروف التي أفضت إلى حرب طويلة أصبحت جزءًا راسخًا من علاقة روسيا بأوروبا، ومن الصعب، وربما المستحيل، التخلص منها. تجاوز بوتين أزمات عديدة خلال حكمه، من حروب الشيشان وغرق غواصة «كورسك» عام 2000، إلى الهجمات الإرهابية والأزمة المالية العالمية وتمرد بريجوجين. ولم يستند ولاء معظم النخب الروسية للكرملين بالضرورة إلى قناعة أيديولوجية، بل إلى الانتهازية، ويزداد الآن بفعل الخوف.

بوتين مستعد لمواصلة الحرب لسنوات، ليس بالضرورة لأن مستشاريه يعدونه بنصر سريع، بل لأن الحرب أصبحت جزءًا من البوتينية، كما أصبحت البوتينية متجذرة في الحرب. يمنحه نظامه حرية واسعة لمواصلة ما يريده، وأصبح إرثه مرتبطًا بالحرب ارتباطًا وثيقًا. وبوتين وروسيا كلاهما مستعدان لمواصلة الحرب على المدى الطويل.

مايكل كيماج مدير معهد كينان ومؤلف كتاب «التصادمات: أصول الحرب في أوكرانيا وعدم الاستقرار العالمي الجديد».

ماريا ليبمان باحثة زائرة في معهد روبرتا بافيت للشؤون العالمية بجامعة نورث وسترن.

الترجمة عن Foreign Affairs