هل آن الأوان لأعترف بأنني أكتبُ لنفسي؟ ثمة خجل في هذا الاعتراف ينبغي تجاوزه بسرعة، وبأي طريقة، بلا ترفُّعٍ مُدعى ولا تواضعٍ زائف: اليوم، وأكثر من أي وقتٍ مضى، سأقول إنني أصبحتُ أكتب لنفسي، ولا أستمتع بالكتابة إلا حين أكتب لنفسي، وما الآخرون سوى ضيوف طارئين، متلصصين عليَّ في غرفة النص، ضيوفًا على لغتي.
أن أكتب لنفسي حين أكتبُ لا يعني بأي حال من الأحوال نفيًا مطلقًا للآخرين من النص. فهل يمكن للنص أن يُقرأ، وأن يتحقق أدبًا في حرفة الأدب، إن لم يكن مُضيافًا مرحابًا لوفود الغرباء والنازحين والمطرودين إلى ظلاله؟ لا أستطيع أن أتخيل أدبًا من دون هذه القابلية المفتوحة لاستضافة الآخرين. أما ما أنا داعٍ إليه بالتحديد فهو أن نطرد الآخرين وأشباحَهم من الغرفةِ ساعةَ فعلِ الكتابة، بقدر الإمكان.
نسيان الآخرين والانسحاب إلى الداخل هو بداية الاعتراف بانهيار سلطة الكاتب أمام آليات توليد النصوص المصطنعة، فلقد أبطل الذكاء الاصطناعي احتكار النُخب الكاتبة لـ«وسائل الإنتاج». فالجميع بإمكانه الآن تقديم الكتابة منتجًا من منتجاته، ولكن ليس بإمكان الجميع الكتابة بعد. امتياز الكاتب الباقي هو فعل الكتابة، الموهبة، وهي باقية بقدر ممانعة صاحبها أمام إغراء سيولة السوق التي تضاعف فيها العرض حد الانفجار أمام شحّ الطلب.
أكتب لنفسي لأن الكتابة تصنع هويتي في مرآتي، تصقل ملامحي وتهذب أفكاري وتعيد ترتيبها. إنها حرفة «تدريب الذات بواسطة الذات» كما يقول ميشيل فوكو. وقد تصبح هذه الكتابة أيضًا، بعد إنجازها، منتجًا معروضًا للتداول، ولكن بصورة مستقلة عن فعل الكتابة. ولذا علي أن أوطّن نفسي على اعتقاد راسخ منذ اليوم بأن تأثير كتابتي في الآخرين لم يعد سوى صدفة حميدة، لا أكثر ولا أقل.
نحن الكُتَّاب بالذات، يبدو موقفنا من الذكاء الاصطناعي أكثر تعقيدًا وإشكالًا وارتباكًا بين القبول والرفض. وهذا مفهوم، لأن الشفرة التي استطاع الذكاء الاصطناعي اختراقها قبل أي شيء هي شفرتنا، هي هذه اللغة. ولربما لن نجد صدىً لهذا القلق البالغ حين نحاور أشخاصًا قادمين من مهن وعوالم واهتمامات أخرى، بل على العكس من ذلك أحيانًا؛ فقد نسمع مديحًا يُفاضل بين مساعدات الذكاء الاصطناعي ونرى انبهارًا لا نتوقعه، وذلك ما يغيظ كاتبًا يعتقد أن فرحة الآخرين بالذكاء الاصطناعي جاءت على حساب صنعته التي غالبًا ما تكون احترافه الوحيد على هذه الأرض.
لا يخلو هذا القلق من قلق على السُّلطة، فنحن الكتَّاب نخسر سُلطتنا الآن، سُلطة القول. وإن مجرد التفكير بأن هناك من ينازعنا هذه السلطة لهو هاجس كفيل بإرباك توازنات الكاتب النفسية إلى درجة قد تشلُّ صلته بالكتابة. وهذه سلطة قد تعرضت لمحاولة انقلاب سابقة، منذ بدايات الإنترنت ثم ظهور مواقع التواصل الاجتماعي كفضاءات بديلة، حيث بات منشور طويل أو مقال على فيسبوك أكثر مقروئية وعرضة للتفاعل والجدل من أي مقال يُنشر في مساحة صغيرة يُقطِعها إقطاعيو النشر لكُتَّاب معينين، وضمن شروط محددة، على هذه الصحيفة أو تلك المجلة.
ولكن من سينازعُ الكاتب سلطةَ الكتابة هذه المرة بمساعدة الذكاء الاصطناعي؟ لن ينازعه كاتب مغمور يكتب في الخفاء ولا حصةَ له من مساحات الصحف، فقد وجد هذا منصته البديلة منذ سنوات وأثَّثَ مدونته الخاصة. الحقيقةُ أننا إذا ما تجاوزنا الكاتب الرديء المستفيد من الذكاء الاصطناعي فإن أولَ من ينازع الكاتب سلطته اليوم هم قُراؤه الذين كانوا حتى الأمس لا يكتبون ولا يفكرون بالكتابة أصلًا (ربما لأنها «ما توكل عيش»).
هذا أخطر انقلاب يحدث في تاريخ الكتابة، فعندما يصبح الجميع كاتبًا، لن يغدو هناك من قارئ. سوف تنتهي الكتابة حين تصبح الكتابة مشاعًا. إنها الشيء الذي فُقد حين تملَّكه الجميع.
لنتأمل انفجار النقاشات في مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأيام وخروجها عن السيطرة. هذا الضجيج الفوضوي، بنظري، هو أحد التداعيات المبدئية للانقلاب على سلطة الكاتب بفضل الذكاء الاصطناعي؛ بحيث تحول الفضاء الرقمي إلى ساحةٍ كل فرد فيها يهتف من مكبر الصوت الخاص به، ولا أحد مستعد لسماع الآخر ما دام الجميع قادرًا الكلام أو على اصطناعه بمولدات الذكاء الاصطناعي.
هناك كاتب واحد على الأقل سيظل ممسكًا بجمرة الكتابة كالخسرانِ العظيم رغم هذا كله. وعليه منذ الآن أن يشرع في الحلم، حلم أن يكون الكاتب الأخير، يكتب لنفسه حين يكتب وينسى الآخرين، مقتبسًا مقولة أبي حيان التوحيدي «الصديق آخر هو أنت» ومعيدًا كتابتها على طريقته: القارئ آخر هو أنا!
أعود إلى تأملات وملاحظات شعرية دونتها في دفتر صغير قبل سنوات أثناء تجوالي في سوق نزوى. كان نهار جمعة يكتظُّ فيه السوق العريق بالسياح الأجانب وهواة التصوير، حين دلفتُ إلى دكانٍ صغير ينحني صاحبه على صفيحة فضة يطرقها طرقًا محسوبًا ودقيقًا بمطرقة صغيرة. يمرُّ عليه السياح والفضوليون مثلي، يسألونه عن حرفته ومقتنيات دكانه، وعن الفضة التي بين يديه وما هو صانع بها. لكن الشيخ، الذي بدا مهيبًا في سبعينه على الأرجح، لا يرد على أسئلة ضيوفه سوى بمقتَضب الجواب دون أن يرفع عينيه عن صفيحة الفضة. أثارني منظر ذلك الصانع الحاذق المنهمك بكل جوارحه في صنعته، سادرًا في مهمته لا يشغله سؤال السائلين عن الثمن ولا تسويق البضاعة. ليذهب من يذهب، وليأتي من يأتي، فمن هم الآخرون كي يرفع الصانع الماهر النظر إليهم قبل أن ينجز فنه على الوجه الأكمل الذي يرضاه؟
أفكر الآن بصانع الفضة السبعيني المتواري في دكانه بسوق نزوى... عساني أصير كاتبًا مثله!
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني