قبل نحو عام، وفي إحدى قاعات جامعة صحار، كنتُ أتحدث في أصبوحة ثقافية حين تفاجأتُ بفتاة اسمها «نبأ» تطلب الحديث لتقول إنها كانت منذ سنوات ضيفتي في برنامج «القارئ الصغير»، وإن حضورها الأصبوحة جاء امتنانا وتقديرا منها لشخصي المتواضع. كان ذلك الموقف أكثر ما أثّر فيَّ في تلك الجلسة، وكنتُ أقول لنفسي وأنا خارجٌ من الجلسة إن مثل هذه الفتاة هي من عطايا «القارئ الصغير». وحملتني الذاكرة إلى أطفال آخرين شاركوا في البرنامج صاروا اليوم كبارا: رزان التي صارت كاتبة، وتيم الذي كان ينتزع الميكروفون مني في منتصف الحلقة بشقاوة والآن هو يكمل دراسته في أستراليا، والبراء الذي صار ناشطًا في السوشل ميديا، وأميمة التي تُحَقِّق الآن حلمها بدراسة الهندسة في جامعة السلطان قابوس، ومعها طهر التي تدرس الطب، وصبا التي تدرس الطب أيضا ولكن في بريطانيا، وريان، والوارث، وعزان، وشهد، وغيرهم العشرات.

أفكّر الآن بعيدًا عن القراءة التي لا جدال في أهميتها، أن هؤلاء باتوا يمتلكون أرشيفًا سمعيًّا يوثق براءتهم وشقاواتهم الطفولية وكيف كانوا يفكّرون وهم صغار. إنهم يستطيعون بعد عشرين أو ثلاثين عامًا أن يَسمعوا أصواتهم وهم في عمر السادسة أو العاشرة أو السادسة عشرة، وأن يسمع أبناؤهم ذات يوم آباءَهم وأمهاتِهم عندما كانوا في نفس سنهم. مرام ابنة الخمس سنوات حين زارتني في الإذاعة بصحبة عمتها عام 2017، كانت تخبرني بطلاقة أنها سافرت إلى صلالة بالطيارة وهناك «أكلت أشياء ما صحية» وأنها حملت معها لعبة «الأونو»، وحين شاكستُها بسؤال عمّا إذا كانت تفوز في اللعبة أم تخسر ردت بجملتها المحيّرة: «أحيانًا أخسر، لكن كل مرة أفوز»! ومثلما أضحكتني مرام، علّمني «العِزّ» شيئًا لم أكن أعرفه عن الخيل، حين دخل عليَّ الاستوديو وثمة شاش أبيض على إحدى أصابع يده، لأعرف بعد ذلك أن الحصان الذي يمتطيه عضّه في تلك الإصبع، قلتُ معلقا باندهاش: «في هواية الفروسية كنتُ أظن أن الإصابات تعني السقوط من على ظهر الحصان، لكن أن يعضّك الحصان فهذا أمر جديد علي» فشرح لي باستفاضة أنه لكي يرتاح لك الحصان فإنه لا بد أن يتعرف عليك أولًا، ولكي يحصل هذا التعرف فإن عليك أن تقرّب إليه يدك بهدوء ليلحسها، وأنت وحظك!

سألتُ نفسي: من بين مئات الحلقات على مدار أعوام لماذا تحتفظ الذاكرة بحلقات وتغيّب أخرى؟ فأجبت: لعلها المواقف الطريفة، ولعله الحديث بلهجة عمانية محببة بعيدًا عن رسمية الفصحى وتقعرها. وهنا تذكرتُ أطفالًا آخرين كانوا يتلعثمون بين جملة وأخرى لأن أمهاتهم أو معلماتهم طلبن منهم التحدث بالفصحى، وكنّ - من حرصهن على ذلك - يزودن الطفل بورقة مكتوبٍ فيها ما سيقوله لي في الحلقة، بما في ذلك الترحيب بي في البداية (مع أنني أنا الذي من يفترض أن أرحب به) وطَلَبُ كلمة في نهاية الحلقة يشكر فيها أساتذة مدرسته ومديرها. كان هذا التلقين يزعجني كثيرًا لأنه يسرق مني الطفل الذي أحاوره. ومع أنني أحب اللغة العربية، ويخدش أذني مجرد لحن بسيط فيها، فإنني أؤمن أن علينا ألا نفرضها على فلذات أكبادنا فرضًا، إذ سيأتي يوم يجيدونها فيه بمحض إرادتهم. لذا، فقد اتخذتُ قرارًا مبكِّرًا منذ بدايات البرنامج أن أتحدث لهؤلاء الأطفال باللهجة العُمانية لأحثهم على إخراج أجمل ما لديهم. وحين قدم الإعلامي الفلسطيني عارف حجاوي محاضرة في وزارة الإعلام مطلع هذا العام بعنوان «الفصحى قيدٌ جميل» قلتُ في نفسي هذه فرصة لأستمزج رأيه في الأمر، خصوصًا أنه من أكبر المنافِحين بكتبه وبرامجه عن اللغة العربية، سألتُه عن رأيه فيما فعلت، وابتهجتُ حين وافقني أن مخاطبة الأطفال بلغة عامية بسيطة في هذه السن أكثر فائدة من لغة عربية مقعرة لا تتيح للطفل التحدث بسجيته.

ورغم أن اسم البرنامج «القارئ الصغير» إلا أن القراءة هنا ليست سوى ذريعة للتعرف على هؤلاء الأطفال عن قرب، يبدأ الحوار بهذا الكتاب أو تلك القصة، لكن سرعان ما يتدحرج إلى مادة في المدرسة يحبها أكثر من سواها، أو حكاية حصلت له في الصف قبل دخول المعلم، أو مباراة ينتظرها في الدوري الإسباني، أو أكلة تعلمت فتاة إعدادها من الإنترنت، أو مهنة يتخيل نفسه فيها بعد عشرين عامًا. وهذه الأماني تكشف وحدها جوانب مهمة من شخصيات الأطفال؛ لأن الطفل حين يتحدث عما يريد أن يكونه، فإنه يخبرنا أيضا، من حيث لا يقصد، بأشياء أخرى كثيرة عنه: بمن يعجب، وما الذي يلفت انتباهه، وما الذي يراه مهمًّا في هذه الحياة. فرحتُ كثيرا بمن يتمنى منهم أن يصبح طبيبًا أو مهندسا أو معلما أو طيارا أو جنديا، لكني فرحتُ أكثر بأمنيات لم أتوقعها. طفل يريد أن يصبح وزيرًا للمالية، وآخر يريد أن يؤلف كتابًا يعيد الناس إلى الأخلاق التي يرى أنها لم تعد على ما يرام، وثالث يريد أن يصبح رجل أعمال، وحين سألته عن السبب قال ببساطة: «علشان تكون عندي فلوس كثيرة»!

صباح الأربعاء الماضي تحدثتُ عن «القارئ الصغير» في جامعة صحار، وفي صباح اليوم نفسه كانت قد أذيعت الحلقة رقم 1439 من هذا البرنامج، ضيفها عبدالرحمن ذو الأحد عشر ربيعًا، جاء من المضيبي مع أبيه ليذكرني أن ثلاثة عشر عامًا من البرنامج مرت كلمح البصر. وأنا أستمع إليه قفزت إلى ذاكرتي وجوه كثيرة جلست على كرسي الضيف في الاستوديو، فتيات وفتيان وضحكات ومواقف وإجابات كنتُ أظن أنني نسيتها. ثلاثة عشر عامًا علّمني فيها الأطفال أن أصغي إليهم، وأثق بعفويتهم، وأن أمنحهم الوقت ليقولوا ما يريدون بطريقتهم. وقد كبر كثير منهم الآن، وكبرتُ أنا معهم، إلى درجة أنني صرتُ أشعر بسعادة غامرة كلما التقيتُ بأحدهم مصادفةً ليذكرني - كما فعلتْ نبأ - أنه كان ضيفي ذات يوم في «القارئ الصغير».

سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني