وفي وقت من الأوقات، كان لدى البعض قدرة عجيبة في "اختلاق أو تزييف أو تلفيق" الحكايات والقصص الخيالية وربطها بالواقع، بحيث يمكن أن تكون فيلمًا سينمائيًا أو مسلسلًا تلفزيونيًا متعدد الشخصيات والأحداث، ويصلح لكل زمان ومكان.
هذه القدرة لا يمتلكها جميع البشر، وإنما يختص بها نوعية معينة ممن لديهم ملكة التأليف والتحريف، فأحيانًا يسوق لك القدر أحدهم، بمجرد أن تصغي إلى حديثه يحدث في نفسك تأثير واضح، ويذهب بك نحو قناعات جديدة في أمر قد يكون محسومًا منذ عقود، لكنه يعيد رسم الخطوط والزوايا بحيث يبدو الأمر جديدًا، فيخيل لك بأن ما تسمعه شيئًا مختلفًا عما كنت تعرفه.
هناك أشخاص لديهم قدرات عجيبة في الإقناع، وإمكانيات تأثيرية يستطيعون أن يحيوا المواضيع القديمة ويلبسونها نوعًا من التجديد، بشكل يمنحك الإحساس بالدهشة!.
وبعيدًا عن الأشخاص، دعنا نذهب إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير: في الوقت الراهن هل يمكنك الوثوق بكل ما تراه أو تسمعه يوميًا؟.
قبل أن نجيب على هذا السؤال الذي تردد كثيرًا على ألسنة الناس، علينا أن نتعرض إلى عقد مقارنة بسيطة بين ما كان يحدث بالأمس، وما نراه اليوم من فيض مدرار من الكم المعلوماتي، وما نشهده من تسلسل في الأحداث، سواء كانت من "الواقع أو الخيال".
ندرك بأن الحياة قد تطورت، فما بين الأمس واليوم هناك فجوة واسعة، سواء في عملية التلقي للمعلومات أو حتى في عملية التصديق، في السابق كان المجهود الشخصي هو الذي يتحكم في فتح وغلق قنوات الوصول إلى المعلومة، سواء كانت "حقيقة أم مجرد تضليل"، إذن كان المجهود الشخصي هو السائد في تلك الحقبة التي اعتمد الإنسان فيها على ذاته، وتسمى علميًا "الناحية السيكولوجية"، أي التي تقوم على تفرد القدرات الذاتية في طمس الحقيقة وخداع الآخرين، وهو بالطبع سلوك بشري يقوم على مبدأ "المراوغة النفسية".
انتهى ذلك العصر، وبدأت التكنولوجيا الرقمية والتقنية تأخذ طريقها في الانتشار، حتى استطاع الإنسان أن يستخدمها في عمليات "التزييف العميق" من خلال ما يوفره له "الذكاء الاصطناعي" في محاكاة الواقع بكل تفاصيله، رغم أنها تضليل مصطنع لا يلامس الحقيقة لا من قريب أو بعيد، كل ما في الأمر هو "كذب وافتراء" يخدم غاية معينة ويؤثر على فئات من البشر، لكن تحتاج إلى عين الفاحص حتى تصل إلى الحقيقة.
إذن نحن أمام معضلة كبيرة، فالهجمات البشرية بالطرق التقليدية على عقول الناس لم تعد لها قيمتها الفعلية في "طمس الحقائق" ونشر الأكاذيب في نطاق مكاني محدد، فالتكنولوجيا الحديثة أصبحت أوسع انتشارًا، وأيضًا ساعدت كثيرًا في إنشاء محتوى "افتراضي وهمي" وبتفاصيل تقارب الحقيقة تمامًا، لدرجة أنك لا تستطيع التفريق ما بين الحدث الأصلي والمزيف، وهنا تكمن الكارثة!.
قد يكون الحديث السابق هو إجابة صريحة لكل سؤال يدور في عقولنا حول التضليل البصري والسمعي في الوقت الراهن، ندرك حجم المسؤولية والخطر الذي يواجه العالم لجعله أكثر قلقًا على مستقبله في ظل وجود كم هائل من الأدوات التي تساعد على "تزييف الحقائق"، وبات الشك يغزو العقول، فكل يوم هناك حديث طويل وأسئلة تطرح حتى إن البعض بدأ يتساءل عن مصداقية الأخبار التي يتناقلها الناس بشكل مباشر!.
يوميًا هناك عشرات أو مئات المحاضرات والندوات التثقيفية التي تنفذ من أجل التوعية بمخاطر تقدم الذكاء الاصطناعي الذي تحول في وقت قصير إلى أداة خطيرة تستخدم ليس فقط في "النصب والاحتيال"، ولكن وصلت إلى أبعد من ذلك بكثير، وأصبحت جزءًا من التضليل السياسي والعسكري والثقافي.
لقد أصبح للزيف الإلكتروني جيشًا من التقنيات الهائلة التي تعمل ليل نهار على فبركة الأحداث، لهذا تنبه العالم لمثل هذه الحملات الممنهجة والخبيثة، فشرع في إنشاء جبهة دفاعية تعتمد على الأدوات والتقنيات المضادة التي تسعى لكشف هذا الزيف، ولكن مع كل الجهود التي تبذل لا تزال بعض منصات التواصل الاجتماعي تحاول تطوير سياساتها ووضع قيود صارمة لإزالة أو تحذير المستخدمين من الفيديوهات التي تم إثبات تزويرها باستخدام تقنيات وأدوات الذكاء الاصطناعي.